أضيف في 29 يوليوز 2017 الساعة 21:55

من وحي ذاكرة ملتهبة


المصطفى سالمي

انطلق (رحال) يجوب أرجاء مدينة (الجديدة) الساحلية التي استأنس ذات زمن بدروبها وحاراتها، كان يتأمل الوجوه والبنايات والشوارع، ظهر له كل شيء مختلفا عما كان عليه منذ سنوات خلت، هنا في هذه المدينة الجميلة الهادئة تلقى (رحال) تكوينا بالمركز التربوي الجهوي، وقضى سنة كالحلم الجميل، فقد جاءت مباشرة بعد سنوات عجاف من أزمنة البطالة والضياع، وها هو صاحبنا يعود لحاضره ويحمد الله أن هناك شيئا اسمه العطلة الصيفية، على الأقل هذا يجعله يتذكر أياما كانت بلسما للجراح، ومرهما لدمامل الزمن وأعطابه، لقد أصبحت بثور الماضي ـ على الذاكرة ـ شيئا مما طواه النسيان، فعلى أجنحة الزمن تحلق الأحزان، وقد مر من الوقت ما يكفي للتصالح مع الحياة وبطشها، ولعله لكل هذا فقد ربط (رحال) مع هذه المدينة عشقا دفينا بحجم الوفاء والهيام، وها هو الكورنيش يطل على الوافدين كأول من يستقبلهم ويحتضنهم، إنه هو نفسه مع كثير من ألعاب الأطفال والشمسيات التي نبتت كالفطر وكثير من المقاهي والمطاعم وأماكن الترفيه، مما قلص مساحات الشاطئ، وجعل فضاء الرمال ينكمش على ذاته، لكن جاذبية البحر هي ذاتها، بينما الشوارع شهدت تحسينات مظهرية لا من حيث الترصيف أو مجسمات الخيول في ملتقيات الطرق، بينما يظهر للرائي مواد جديدة تباع في كل مكان هنا، مع انتشار كثير من الوسطاء الذين احتلوا المحطة الطرقية والشوارع المؤدية إليها، مفاتيحهم لا تنفك ترن للفت انتباه طالبي كراء الغرف أو المنازل المفروشة، لكن ظاهرة التسول والتشرد أصبحت أمرا مخيفا للغاية، فبقدر خفوت طابع البداوة والخشونة التي ميزت ذات زمن أهل المدينة بظهور البريق واللمعان في الأزياء والمقاهي والمتاجر الكبرى، بقدر اكتساح المتسولين لأرجاء المدينة، وهم من شتى الفئات العمرية، البعض لا يتردد في ادعاء وزعم أنه تقطعت به السبل أو يعاني من حالة طارئة، أو من مرض أو وفاة قريب أو ضياع نقود.. أما المعتوهون والحمقى فحالاتهم لا يستهان بها، ماذا حل بك يا عاصمة (دكالة)، يا من كان يضرب بك المثل في النظافة والجمال والأمن والسكون والوداعة، إذ تحت بريق الرواج الظاهري، هناك فئات مسحوقة كثيرة تبحث عن لقمة العيش بوسائل تستجدي فقط الستر والعافية، إذ كثير من النسوة يبعن الفطائر والحساء ويمارسن نقش الحناء والوشم، وشباب من المتعلمين يبيعون سمك سردين مشوي، أو يبيعون حلويات وفاكهة موسمية على الشاطئ، أما أصحاب الرساميل الكبرى فاختاروا العقار ليمارسوا سطوتهم على جيوب صغار الموظفين، لقد احتلت العمارات السكنية كل زوايا المدينة وفضاءاتها ومداخلها، صناديق الحديد والإسمنت استقطبت جموعا من الوافدين الذين أغرتهم وداعة وخيرات المدينة، فتحولت معها الأخيرة إلى وحش وتنين آخر من تنانين هذه البلاد السعيدة، وتدريجيا تفقد المدن الصغرى ـ الواحدة بعد الأخرى ـ براءتها وجمالها، وتستوطنها آفات وجراثيم ينبغي التعايش معها.

أحس (رحال) أن مدينة عشقه فقدت روحها، يكفي أن المركز التربوي ـ حيث أحس صاحبنا بفرحة العمر الأولى ـ أصبح محاطا بالمساكن والمقاهي والمتاجر من كل جانب، هنا كانت المساحات الخضراء الشاسعة حيث حقول القمح والذرة، كان (رحال) يقطعها وهو يتوجه إلى المؤسسة الإعدادية التي قضى بها سنة تدريبية تكوينية، وقتها كانت للأحلام أجنحة، وللخيال أحصنة، ولكن اليوم لا صوت يعلو على صوت رنين المادة وعنفوانها، العقار الملتهب لم يترك فراغا إلا وسطا عليه وحوله إلى مشاريع تذر على أصحابها الملايين، وحدها الذكريات التي كان يعتقد (رحال) أنها ما زالت حية توارت نحو المجهول، أين أنت يا شخوص الزمن الجميل؟ وأية أمكنة ابتلعتك؟ لقد بقي منك فقط حنين وشوق مشتعل، وذاكرة ملتهبة نقش عليها الزمن أنه مر من هنا زمرة من الأصدقاء، كتبت عليهم الأقدار أن تقذف بهم مصائرهم في جهات هذه البلاد، في أقصى أصقاعها المتباعدة.. !

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق