أضيف في 27 يوليوز 2017 الساعة 12:35

دقة با الفقيه


عفراء علوي محمدي

سحرها لا يوصف، ابتسامتها تطير بعقله، قوامها هو ما يفضل، وعيناها كبيرتان جذابتان.. يتيه حين تمر أمامه، ويخالها سيدة الجميلات.. لا يدري كيف يجعلها تحبه وقد نفثته بجمالها.. لكنه توصل أخيرا إلى أنه لا بد من إيقاعها بالمصيدة، وبالطريقة الناجعة الفعالة..

فتاة مثلها لن تنجذب إليه أبدا، فهو ليس بالوسيم ولا الذكي ولا الغني، وليس من النوع الذي يجيد فن تزويق الكلام، لكنه يعرف فقيها خبيرا في مجال السحر و الطلاسم..

قبل أن يدخل عند الفقيه، استعاد بالشيطان ثلاث مرات، وطلب التسليم من أصحاب المكان، ثم تقدم..

- ها أنا ذا يا با الفقيه، أتيتك راجيا منك حل مشكلي..

- تفضل يا شاب! هات ما عندك!

- لقد أصابني الحب، والفتاة المقصودة من سابع المستحيلات أن تحبني..

- ما اسمها؟ وأين تقطن ؟

- اسمها فلانة، و تسكن الحي الفلاني، وعرفتها عن طريق الصدفة فقط..

- اطلب التسليم ! اطلب التسليم !

- التسليم يا رجال المكان العظام..

- ثم ماذا ؟

- أحلم بها... أريدها أن تصير ملكا لي ولا لأحد..

- الملك لله.. صلي على النبي الهادي..

- عليه أزكى الصلوات والسلام..

- هل تملك عملا ؟

- لا.. إني عاطل هذه الأيام..

- وكيف تريدها أن تقبلك إن كنت عاطلا ولا صياريف في جيبك؟

- أنا لا أفكر في الزواج الآن، لست مستعدا لتحمل كاهل المرأة و أتعاب الأطفال على عاتقي..

- بالطبع، هذا حال رجال المستقلب.. اسمع! تحتاج لإخبارها بما تشعر أولا، إذا وافقت صحبتك فلا إشكال، لكن إذا رفضت أو أبانت عن استياءها، فحينها آتني بديك أسود لا يصيح، لأدبحه قربانا للأجواد، وبعدها سأعطيك ماء مسحورا لترشه أمام باب بيتها، ثم بعض الطلاسم التي ستتلوها حين تراها، وحجابا للقبول، بعدها فورا سترى أنها صارت تميل إليك ميلا شديدا، وبعد وقت ليس بالطويل، ستهيم في هواك..

- حسن حسن.. مشكور يا با الفقيه على كل شيء..

نهض بخفة بعد أن كان يجلس القرفصاء على حصيرة القاصدين أمام الفقيه الشيباني.. أدار ظهره وانطلق يعدو كالبغل في حبور..

- إلى أين أنت ذاهب يا بني؟

- سأذهب لأخبرها أولا وقبل كل شيء..

- و ماذا عن فتوح رجال المكان ؟

- آوووه.. لقد نسيت... حسنا.. تفضل هذا ما أملك..

أخر بعض الأوراق النقدية من جيبه، وقفز فورا مسرعا لقصد المكان الذي يصادفها دائما فيه، فرآها هناك مع صديقاتها تتبادل وإياهن أطراف الحديث.. ناداها باسمها باسما واثقا كالأبله، التفتت إليه منبهرة ومتعجبة.. ثم اقتربت منه في دهشة وذهول..

- كيف تعرف اسمي، هل تعرفني؟

- أجل.. أجل أجل... أجل.....

- ما خطبك؟ ماذا هناك؟

- أردت أن أخبرك أني أحبك.... أحبك... أحبك...

- ثم ماذا؟

- أعشقك لحد جنوني... لا أنام لا بالليل و لا بالنهار ولا بينهما..

- وبعد ؟

- أريدك أن تكوني خليلتي وحبيبتي، فهل تقبلين ؟

- أرى أن "براد بيت" الحومة واثق من نفسه ! هيا اذهب اذهب ! لا وقت لي لأضيعه وإياك في مثل هذه التفاهات.. نصيحة مني إليك؛ هي أن تبتعد عن مضايقة الفتيات، فهذه الطريقة قديمة و متجاوزة و لن تصدق عندك، لذا فاذهب لتبحث لنفسك عن عمل قار تشتري به ملابس أنيقة على الأقل، فأنت تبدو كالبهالي أبو دربالة داخل هذه الأسمال...

توالت قهقهات الفتيات حينئذ، فاستحيى الشاب من نفسه، ثم طأطأ رأسه آسفا، و أدار كعبيه دون أن ينبس بذات شفة..

بأصابع طويلة تغمرها الشقوق والتجاعيد، وتنبعث منها أظفار محدودبة رمادية، يرش الفقيه حبيبات البخور الملونة في قلب "المجمر"، فتنبعث هالات دخان كثيفة... يهمس بعبارات غير مفهومة إلى أن يصيح بعد أن ارتعش جسده وصار يخبط بكلتا يديه في أرضية الغرفة: "سي عياش بوعراسي.. مول المجمر كايقاسي.. وبغى خليلتو حداه تنسيه فالهم لي غطاه.. بباركتك آ زعطوط المشير.. وقيمش المخير.. شايلاه آ ولاد الجواد.. ومالين المكان.. وها الفروج الكحل قربان.. تقضيو حاجة العزري بلا حسبان.. بسملاه أولدي أرا الفتوح !"

يبسط الشيخ يده اليمنى للشاب بغية استلام فتوح الأجواد.. بينما لا تزال اليد اليسرى تضطرب وترتجف وتضرب على الأرض.. في ذهول واندهاش يبحث الشاب في جيوب سراويله.. يخرج بعض القطع النقدية.. فيصيح الفقيه بأعلى قوته: "لا أوا زيد أرا الفتوح !"

طلب الفقيه من الشاب التزام الهدوء، وطلب التسليم، وإعطاء الأجواد وأهل المكان مزيدا من المال في كل مرة ينتهي فيها بتلاوة تعويدة غريبة، استمر الشاب في مد الفقيه بالمال إلى أن أصبحت جيوبه فارغة تماما..

- والآن ما الذي يتوجب علي القيام به يا سي الفقيه؟

يفتح با الفقيه إحدى الصناديق البالية الموجودة بمحاداته، ليخرج منها قارورة بها ماء مصفر، يرش بعضا منه على الديك المذبوح أمامه، ثم على المجمر فعلى الشاب، قبل أن ينبس بهدوء ورزانة: عليك بهذا الماء.. بيت النية.. وسم الله.. ورش قطرات منه في باب بيتها أو في الأماكن التي تتواجد بها عادة، سأعطيك حالا ما ستتلوه عندها من طلاسم وتعويذات، لكن حاول أن تفعل ذلك دون أن تراك.. لن تفكر بعدها في سواك، ولن يرتاح لها بال أو يهدأ لها جفن إلا بلقياك.. وهذا حجاب علقه على رقبتك واحفظه جيدا فهو كالقبول.. وستكون من نصيبك إن شاء الله.

ما كان للشاب بد من تنفيذ ما يطلبه منه با الفقيه بالحرف الواحد، لمعرفته مسبقا بنجاعته وفعالية شعوذته في حل مشاكل الناس ومعضلاتهم، يذكر الشاب جيدا في صغره كيف كانت والدته تجاهد في تطبيق تعاليم با الفقيه بتفان حتى تجعل أباه يركع خاضعا لها، كانت تملأ الدنيا دخانا وبخورا، تفتل الكسكس بيد الأموات بالمقابر، وتطبخ لزوجها مخ الضبع مع بعض من فرو الفئران والقطط، وكان كل ذلك يفضي لنتائج مبهرة، فبعد أن كان الوالد يصرخ في وجها وينهرها ويوسعها ضربا بشكل يومي، أصبح مكسر الرأس لا يهزه، يطيعها ويطبق كل ما تأمره به دون استثناء، ويخاف غضبها كما يخاف العبيد بطش الأسياد... لا يزال يذكر الشاب ما كانت تفعله أمه بأبيه مما رأته أم عينه، إذ كان مرافقا لها بشكل دائم عندما كان صغيرا، وكانت ما من مرة تضطر لاصطحبه معها إلى مقبرة الحي، هناك نبشت الوالدة ما نبشت في قبور الأموات حديثي الوفاة لتفتل بأياديهم الكسكس وتدوره، على أن تقدمه ليتناوله زوجها بعد صلاة الجمعة.. مثل هذه الأمور الغريبة كانت سببا في تحويل الأب من وحش ضار إلى حمل غاية في وداعة...

الآن وقد نفذ الشاب جميع تعليمات الفقيه، لا ينقصه سوى استجماع قواه وأنفاسه والذهاب مجددا إلى التي سلبت فؤاده وعقله، وعلى الرغم من أن قلبه يخفق بسرعة قياسية خشية أن ترفضه كما فعلت في المرة السابقة، إلا أنه متأكد أشد التأكد أن دقة با الفقيه ستحسم في مسألة حبها له.

ترنح الشاب في مشيته وهو يراها قادمة من مدخل درب حيها رفقة إحدى صديقاتها، كان قد خالها لوهلة أنها تبتسم له وترمي له بقبلة من بعيد.. ثم تخيلها بعد ذلك قادمة إليه لتحتضنه بقوة.. تشجع وتمالك أنفاسه المضطربة وأقدم بخطا تبدو واثقة ظاهريا.. لكنها مرتعدة في حقيقة الأمر...

- سلاما على الأميرة الجميلة..

- تمشي ولا نجمع على والديك الجوقة؟

- لا تنزعجي.. ما أردت شيئا سوى الحديث معك للحظات..

- أظن أن حديثي معك كان واضحا..؟؟

- لكني أحـ...

لم يستطع الشاب أن يتمم التلفظ بكلمته تلك حتى أحس برأسه قد كاد أن ينتزع من مكانه بفعل صفعة قاسية وجهتها إليه الفتاة سقط بفعلها أرضا، هكذا كان ردها قبل أن تلوذ بالذهاب في خفة مع رفيقتها... من شدة ما أوجعته صفعتها تلك أحكم قبضته على خذه مرعوبا.. أحس حينها وكأنه لن يقوى أبدا على الوقوف من جديد.. خاب ظنه في الحب وبا الفقيه وفي الفتاة والكون.. اغرورقت مقلتاه بالعبرات التي كان بالكاد يغالب انهمارها.. لا يصدق ما حصل معه بعد أن كان واثقا من ارتمائها بين أحضانه عند أول لقاء له بها...

في ليلة الغذ، أطفأت الفتاة الأنوار لتخلد للنوم... كان جسدها الهزيل يتقلب في المرقد كثعبان بلا رأس، كانت تفكر في شيء واحد ولا في سواه: ذلك الشخص. نهضت متثاقلة تضع كفها على جبينها لتتحسس حرارته.. غسلت وجهها.. نشفته.. عادت لفراشها ثم نهضت لتغسل وجهها من جديد.. تطلعت إليه في المرآة.. عبست وتقززت من سحنته.. عادت لتنام فما استطاعت لذلك سبيلا.. أغلقت جفونها بتكلفة فتخيلت صورته.... يستحيل أن تحب ذلك الضاجع الأخرق والمقيت.. يستحيل أن تفكر فيه.. لكنها وقعت أخيرا ودون أن تدري أو تعلم أو ترغب في شراكه.. فاستسلمت لحبه وإن مكرهة.. وخلدت لنوم.. حلمت به.. وتمنت لقياه في أسرع وقت ممكن..

--------

عفراء علوي محمدي

مكناس، 27/07/2017


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : عفراء علوي محمدي

كاتبة صحافية   / مكناس , المغرب

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق