أضيف في 25 يوليوز 2017 الساعة 13:29

أنت وسيجارتك...


عفراء علوي محمدي

يالك من عنيد ! أتظن أني سأتنازل عن مسألة إقلاعك عن التدخين ؟ لا تحلم ! فأنت تقتل نفسك..

في ذاك اليوم، اندفعت نحوك غاضبة أضرب فيك ذات اليمين و ذات الشمال.. لكن كيف تجرأت؟ كيف تجرأت على تناول سيجارة أمامي ؟ ألم تكن تحترم رغباتي قبلا، حين كنت تخشى رأيتي لك و أنت تدخن؟ و لكن، لماذا كنت تحاول الاخفاء؟ لماذا كنت تجاري نهي لك عن ارتكاب ذلك الفعل المشين، فيحين أنك بعدها، و بكل برودة، تناولتها بين أصبعيك، و الدخان لا يتوقف عن التصاعد من شفتيك الزرقاوتين؟

إنك تقتل نفسك! إن أردت أن تموت فمت وقتما تشاء، لكني أرجوك، لا تقتل نفسك أمامي.. لا.. لا تفعلها أمامي.. أتوسل إليك..

لم تعد الشخص نفسه الذي عهته.. لقد تغيرت.. تغيرت كثيرا.. لقد أصبحت شخصا آخر عدا ذاك الذي عرفته.. صورتك هي الصورة نفسها، لكن كلامك، لم يعد رقيقا و جميلا.. أصبح كلاما قاسيا فظا مقيتا.. لا يطاق. لا يطاق البثة..

و لكن كيف خولت لك نفسك؟ لقد أهنتي أمام أصدقائك بأبشع الأفاظ، احتقرتني، و قلصت من قدري، هذا بعد أن وضعتك أنت في مكانة عالية.. بعد أن أصبحت شخصا غاليا علي، لا أعرف كيف كان ذلك، لكن هذا ما كان..

لكن لم اقدمت على استفزازي ؟ أ لأني حاولت منعك عن التدخين؟ أ لأني أرغب في مصلحتك؟ أ لأني أخاف عليك من كل ضرر أسمعتني كل ذلك الكلام؟

قلت أني لا أعني لك شيئا كي أصبح مصلحتك الإجتماعية.. قلت أن ما فعلت هو عمل طفولي و أحمق.. قلت أني لا يجب أن أرفع صوتي و لا يدي عليك.. أمسكت معصماي بقوة و ألمتني كثيرا حينها.. بكيت أمامك و أمام جميع من كانو حولنا، فاستغربت و تركتني و جلست بعيدا ها هناك..

قبل هذا بأيام معدودة، و بالضبط في أحد الأيام التي خرجنا فيها مع الأصدقاء، لم تكف عن مضايقتي و لا عن مصاحبتي، كنت تتبع ظلي راغبا في أن نتحدث قليلا، و لو كان كلامنا تافها، قلت أني جميلة، و قلت أن القدر صنع يوما لنا معا لن أهرب منك فيه، و أهديتني خاتما وضعته على إصبعي الأيسر أمام ضحكات الآخرين و سخرياتهم، لم أكن راضية على ذاك الحال مطلقا، فسألتك : "لم تفعل هذا أمام الجميع، سيظن الكل أن علاقة ما تجمعنا." فأجبت مباسطا : "لا، لن يشك أحد في شيء، فهم يعرفون أني أكلم جل الفتيات بهذه الطريقة."

حاولت أن أتمالك أعصابي قدر المستطاع، لكني أحسست برغبة شديدة بالبكاء، كنت أرغب في تلك اللحظات بالهرب بعيدا، لم أعد أستمتع حينها بمتعة الخرجة البتة، تركتك و مشيت مع صديقتي بعيدا عنك، و عند توقفنا لالتقاط بعض الصور، لاحظت جليا أن عيناي دامعتان، و حين سألتني عن خطبي، أجبتك أني أشعر بالصداع، فسألتني حينها إن كنت أرغب في شيء لآكله أو أشربه، فقلت لا، و بعدها رافقتني في صمت، و اكتفيت بالنظر إلي و نحن نتمشى، و عندما هززت رأسي للنظر إليك، أراك تبتسم ابتسامة مضحكة تجعلني أضحك دون سبب مقنع، استمر الحال على هذا المنوال إلى أن نسيت كليا أمر استيائي منك..

أخبرني حينها أنه لا يطيق أن تبكي فتاة بسببه، و لذلك فقد خشي أن يكون قد ضايقني في شيء، قلت له أنني لم أبك أبدا، فصمت و ابتسم و قال : "هذا جيد"!

لقد أعجبت به من أول نظرة، بل أحببته كثيرا، لخفة دمه و ابتسامته البريئة كبراءة الأطفال، و حين كان يقول لي كلاما حلوا جميلا، كان يلعب على أوتاري الحساسة، لكني لم أكن لأستطيع أن أخبره بإعجابي، فمن الفضيع أن أرتبط بعاشق نساء لا يفكر إلا في اللهو و الضحك..

مرت مدة تلك الخرجة سريعا، و الوقت الذي قضيته معه أسرع بكثير، كنت فرحة جدا و أنا معه، كانت فرحتي لا تقدر بكيل أو مقدار..

لكن الآن، انمحى كل شيء، فقد بكيت أمامه فتركني، تركني و لم يكثرت لما فعلت من أجله، يظن أنني أهنته حين صرخت في وجهه و برحته ضربا و دفعا، لكن ذلك كان لأني أخاف عليه المرض، أجل سيمرض، تماما، كما حصل للآخرين..

في تلك الخرجة اللعينة، التي لم تزدني إلا ارتباطا و تعلقا به، كنت اعاتبه كلما رأيته يبتعد من أجل التدخين، كنت أتبعه مسرعة فيراني ثم يخفيه لا أعرف أين، و يبتسم و يقول لي : " لا لا لا تنزعجي، و الله إني لم أدخن! أترين.. ها يداي.."

- لا لا لقد وضعتها في جيبك!

- لا شيء في جيبي يا حمقاء..

- إذن فإن السيجارة وراءك! لا إنها تحت أقدامك!

- لا وجود لها.. أقول أني لم أدخن هذا اليوم.

- الويل لك! لقد رأيتك بأم عيناي، ثم إنك ابتعدت لتدخن هذا أكيد..

- أنت تتوهمين يا حمقاء، لم أدخن أبدا صدقيني..

- هممم... صدقتك، هيا لنسرع فقد ابتعدوا جميعهم، لكن ليكن في علمك، إن رأيتك تدخن سأعجل بقتلك قبل أن تفعلها السيجارة..

- لن تري ذلك مطلقا، لكني أشعر برغبة في التدخين

- هيا دخن، ستحسب أسنانك السوداء..

- لست بمغامر، دعينا نلحقهم، لا شك أنهم يبحثون عنا..

حمقاء أنا حين أحببت شخصا مثلك، ما كان يجدر بي التعلق بك، أنظر كيف أهملتني، أنظر كيف احتقرتني، أنظر كيف أن دموعي تسيل وأنت لا في هذا الكوكب... فلتمت إذن.. فلتمت وتقتلك سجائر الكون كله.. سأمسح دموعي وتفنن في قتل نفسك.. ولترقد جثتك بسلام أنت وسيجارتك..

------

عفراء علوي محمدي

فاس، دجنبر 2014


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : عفراء علوي محمدي

كاتبة صحافية   / مكناس , المغرب

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :


تعليقاتكم

1- وقفة تأمل في  (.. )

أسمراني

قصة جميلة..
أسلوب بسيط متميز..
تحياتي لك..
استمري يا مشاكسة 😘

في 25 يوليوز 2017 الساعة 50 : 15

أبلغ عن تعليق غير لائق


2- كاتبة من نوع أخر

علي عاشور

تسلسل رائع... مبني على قراءة واطلاع وثقافة واسعة للكاتبة ...
لعل ما يمكن قوله باختصار فيما قرأت : أن الكاتبة من نوع أخر في اختيارها للموضوع وتسلسلها الرائع في كل تفاصيل القصة .
تحية مني للكاتبة

في 25 يوليوز 2017 الساعة 53 : 15

أبلغ عن تعليق غير لائق


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق