أضيف في 24 يوليوز 2017 الساعة 23:32

المثقف العربي بين التمكين للمعارف و التمكين للمصالح !


يونس بلخام

المثقف العربي بين التمكين للمعارف و التمكين للمصالح !

 

المثقف العربي المعاصر يعيش ضميما لكوابيسَ حقيقة يفرضها عليه الواقع و تفرضها عليه طبيعته و وزنه في ميزان الدولة من جهة و ميزان الجمهور من جهة أخرى ، لا يسعنا مبدئيا أو إرتجالا ضمّ المثقف العربي أو الجزم بولائه لأيٍّ من الطرفين السابقين بحكم أنّه هو نفسه لا يدري إلى أيّ الصفوف ينحاز أو هذا ما تعبر عنه حالته الظاهرية ، كما أننا سنبالغ إن وصفنا هاذين الحدين أنهما بمثابة مقصلةٍ لرأسِ المال الثقافي الخاص بالمثقف ، إلّا أنّه و مما لا مراء فيه صرنا اليوم و بعد الأحداث الدراماتيكية الأخيرة التي شهدها العالم العربي نشهد جنوحا ظاهرا جليا للمثقفين إلى صف الدولة القائمة ظالمة أو مظلومة و التبرير لمواقفها السياسية بلحاف الوعي و المعرفة ، فلم يكتف هؤلاء المثقفون هاهنا بظلم أنفسهم و حسب بل ظلموا قداسية المعرفة بما هي أداة لفهم الموجودات المادية بعيدا عن ضروب التمكين للمصالح الأيديولوجية و الشخصية ، هذا الفعل المؤسف يبين لنا حجم تأثر المثقفين العرب بأمرين إثنين أورثهما لديهم قسرية هذا الجنوح ، و للأمانة فنحن لسنا بصدد تبرير هذا الموقف الإنحيازي المتخذ من طرف هؤلاء المثقفين :

 

1_ إعتقادهم الجازم بفناء الدور الحقيقي للمثقف و اعتبارهم أنفسَهم سلعةً لم يعد الطلب عليها كبيرا كما كان في منتصف القرن العشرين حتى أواخره بحكم الثورة التكنولوجية الرهيبة التي قامت حينها و ما رافقها من ظهور وسائل تكنولوجية لطلب الحقيقة المعرفية النسبية بأيسر طريقة و أقل وقت و مجهود على غرار الأنترنت التي أغنت الجمهور عن طلب مشورة المثقف العلمية في أمور الوعي و المعرفة و هم الذين أخذتهم أغوار الجزم بأنّهم المتمكنون من مطلق الحقيقة و أنهم سَدَنةُ خزائن العلم و ما هذه إلّا طوباويات تشبثت بها قلوبهم لا عقولهم و لو لحين من الدهر !

 

2_ شُحُ و إنعدام المصادر المالية التي تأتيهم من وراء ما يجنونه من طلبهم للمعرفة ، فبعدما كان المثقف العربي مَحَجّا لالتماس الأفكار و الاستشارة في قضايا العَوَام ها هو اليوم يجد نفسه معزولا من غير أن تكون له في المسألة رأيٌ أو فرصة ليحاجج عن نفسه و يسعى لتسمير مكانته لدى المجتمع كضرورة لا غنى عنها فأذعن قسرا و طواعية للقوة التكنولوجية الخارقة و اعترف بعَظْمَة لسانه أنّه خسر المعركة العلمية مع التكنولوجيا حتى قبل أن تبدأ و أنه استشرف بهاته الخسارة مطولا .

 

إن كان للمثقفين العرب الحاليين من سعة صدر و طول بال و لم يأخذهم النزق و الملامة علينا إن سألناهم عفويا و من غير فَجٍّ لسرائرهم و الإتيان عليها من غير إذن شرعيٍ بذلك : ما الذي كنتم تفعلونه طيلة فترة إستشرافكم بالهزيمة ؟! ألم يكن عليكم أن تهرولوا لتحصين أنفسكم و خزّانات المعارف لديكم من عاصفة قادمة تنبأتم بها على حدّ زعمكم ؟! ، ألا يُعتبر هذا ظلما لأنفسكم غاشم و أنتم الذين تدّعون الطهرانية الثقافية و تصورون لنا صورةً عن أنفسكم برِدَاء المظلوم مهضومِ الحقوق! ، هي أسئلة لا نريد منكم إجابة عليها بقدر ما وددنا لو طرحتموها أنتم على أنفسكم يوم كان لزاما عليكم طرحها و التعجيل بالإجابة عليها .

 

من باب الوجاهة في الرأي و تسمية الأمور بمسمياتها لا نعتبر _وهذا الرأي يخصنا_ لوذكم و إرتماءكم إلى حضن السلطة السياسية إجراءا صحيا كما تزعمون بل هو عملية إنقاذ لما تبقى من مكانتكم المهزوزة أو بالأحرى المكانة التي ساهمتم أنتم بهزّها و زلزلتها بنرجسيتكم المفرطة تلك و عدم اكتراثكم للتحديات التي أنتم مقبلون عليها و لتضمنوا لأنفسكم قليلا مِمّا كنتم تتمتعون أيام الإعتبار و علياء التقدير و الاهتمام من حياةٍ ليس فيها من العوز المادي نصيب يُذكر ففرطتم في مكانتكم الشرفية الأبدية و لم تفرطوا في مصادر أموالكم التي ستنضب لا محالة !

 

لن نتغاضى و لن نمرّ مرور الكرام في مقالنا هذا دون أن نُشيد بعدد من المثقفين العرب الذين جابهوا النوازل و لم يَهِنُوا و يضعفوا و يرضخوا للمغريات بل ناصبوا للتصنع الثقافي أوجَّ الممانعة و اتخذوا من المدافعة عن قداسة ملكاتهم المعرفية رايةً يحملونها تُعَرِّفُ بهم و تصدّ عنهم كل من سولت له نفسه إغراءهم و جعلهم أداةَ سُخْرَةٍ لتحقيق مآرب مصلحية و مواراةٍ لحقائق الأمور بلباسٍ معرفي يضفي على طويتها الشرعية اللازمة !

 

إن كان لنا رأيٌ نبديه في واقع المثقف العربي المعاصر فلن ندخر جهدا في إخباره عن سبق إصرارٍ لتصحيح المفاهيم الراسخة حَدَّ التقديس ، و ترصدٍ لِلَّمالِم و الشوائب التي تلف هذه القناعات لِئَلا يُمَسَّ بها و يتم تغييرها لدى معتنقيها عن غير وعي و إدراك ، نقول و كلنا يقين بأنّ الجمهور العربي لم يتخلى يوما عن طبقة المثقفين و إن أغرته مصادر المعرفة الحديثة و أغنته عن البحث الشاق والمضني عنها إلّا أنّه سيعود لا محالة إلى حضن المثقفين الحقيقيين و ستكون سبب عودته طبيعة و مصداقية المعلومة التي يبحث عنها و ستقوده هي لا غيرها إلى التماسها لديهم ، لنعتبر الجمهور العربي قد ألمت بصحته نزلة برد ثقافية إذًا لا بدّ له من طبيب يشخص حالته و يصف له الدواء المناسب ، و لكن إن كان الطبيب _و هو المثقف ها هنا_ قد استسلم للمرض فأنّى للمريض أن يبرأ من علته لوحده و من غير أن يأخذ بأسباب الشفاء !! ، لم يفت الأوان أيها المثقفون العرب لتشخصوا حالتكم أولا و حالة الجمهور العربي ثانيا لتَصِفوا لكم و له الدواء الثقافي المناسب فهذا هو دوركم الطبيعي المنوط بكم و لسنا من نذكركم بذلك لأننا نعتبر أنفسنا مِن مَن يقع عليه المرض الذي ذكرناه آنفا .


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : يونس بلخام

طالب جامعي مالية و محاسبة   / سطيف , الجزائر


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق