أضيف في 22 يوليوز 2017 الساعة 08:21

الناقدة التشكيلية خيرة جليل : التشكيلية مهاة شراف : حين يجمع الإبداع شتات روح منكسرة ليترجمها لزخات مطرية تبعث الأمل والدفء في رتابة الحياة اليومية


خيرة جليل

التشكيلية المغربية مهاة شراف : حين يجمع الإبداع شتات روح منكسرة ليترجمها لزخات مطرية تبعث الأمل والدفء في رتابة الحياة اليومية

قال بابلو بيكاسو الرسم طريقة أخرى لكتابة المذكرات" .. ، فليس هناك ما يمكن أن يعبر عن ذكريات الحرب، بكل ما تحمله من مشاعر التشظي وتناقضات وصراعات داخلية وخارجية كالفن

وقال أبو حامد الغزالي: من لم يحرّكه الر بيعُ وأزهاره، والعودُ وأوتاره، فهو فاسدُ المزاج ليس له علاج" إحياء علوم الدين، 2/275.

وأنا أمام أعمال الفنانة التشكيلية المغربية مهاة شراف أجد نفسي بين هاتين المقولتين بين تشظي روحي ونفسي ترجم إلى ألوان وبين إبداع لوني ربيعي بإزهاره وأنغامه. فمن هي التشكيلية مهاة شراف ؟ وكيف حاولت من خلال تجربتها الفنية العميقة أن تلعب على وثر هاتين المقولتين المختلفتين لتترجم حزنها وآلامها وأفراحها إلى إبداع فني جمالي سواء من حيث المنشأ التشكيلي أو القيمة الجمالية الفنية؟ وما هي الإضافة أو اللمسة الفنية التي جاءت بها الفنانة مهاة في إبداعها في اطار الفن المعاصر؟

حين قال الفيلسوف هيجل " إن التجريد والتنزيه الذي يحكم إيمان المسلمين بالله يجعل فنونهم مشوهة " لم يعمل في حسابه أن المغرب مشتل لفنانين مسلمين حتى النخاع ، لكن الإسلام لم يشوه إبداعهم ،بل أن الإيمان زاد من قوة إيمانهم بإبداعهم وكان لهم سفينة نوح التي أنقذتهم من طوفان التطرف الديني والانكسارات النفسية التي صادفتهم في حياتهم . فكانت الريشة بين أناملهم كسبحة بأنامل متصوف وارع ليبدعوا لوحات هي رقصات روحية يتناغم فيها الجسد والروح مع الألوان لينسجوا جمالا فنيا وتناغما روحيا يحكي قصة كفاح من اجل الخروج إلى بر النجاة.

فإذا كان الفن التشكيلي :هو كل شيء يؤخذ من طبيعة الواقع . ويصاغ بصياغة جديدة . أي يشكل تشكيلاً جديداً، وهذا ما نطلق عليه كلمة (التشكيل) . والتشكيلي : هو الفنان الباحث الذي يقوم بصياغة الأشكال .آخذاً مفرداته من محيطه. ولكل إنسان رؤياه ونهجه ، لذا تعددت المعالجات بهذه المواضيع ، مما أضطر الباحثون في مجالات العطاء الفني أن يضعوا هذه النتاجات تحت إطار ( المدارس الفنية). فان التشكيل لدى التشكيلية المغربية مهاة شراف يعني مداعبة اللون والضوء لتحكي قصة معاناة عميقة وتنقل حزنها إلى بريق ضوء يحمل في طياته تطلع إلى البحث عن الذات في علاقاتها بالفضاءات المتعددة والخارجية في رحلة سفر يقودها شعاع أمل في الأفق البعيد باحثة عن القوة والشجاعة وركوب المغامرة لتحقيق أحلامها وأهدافها وإتباث ذاتها.

فالتشكيلية المغربية مهاة شراف من مواليد سنة1973 بمدينة خنيفرة وتسكن بمدينة بني ملال مدينة المبدعين التشكيلين من القامات الفنية المعروفة مثل التشكيلي المغربي حسان بورقية ومصطفى لغزار ومولي اسماعيل بورقيبة غيرهم.... وهي من طلبة السلك الثالث من الشريعة الإسلامية من جامعة القرويين بفاس ، وهذا يحيلنا على الإشارة السابقة أن الفيلسوف هيكل اخطأ في تخمينه وان تكوينها الديني والعلمي في الشريعة الإسلامية قد قوى بنيتها الفكرية والنفسية لركوب سفينة الإبداع واعتناق مذهب التشكيل ليزيد من مثانة وقوة وطول نفسها الإبداعي ، لتخلق لنفسها ترسانة إبداعية تتسلح بها لمواجهة إكراهات الحياة .

التشكيلية مهاة شراف عصامية التكوين تدرجت في بحثها عن ذاتها التشكيلية من الواقعية إلى التشكيل التجريدي ،ومزجت بين فن التشكيل وفن الديكور مما منحها لمسة جمالية خاصة في مزج الألوان والتلاعب بالضوء كيفما شاءت. فكيف تفاعلت مع المنشأ التشكيلي ؟ وما هي الخلفية الفلسفية التي حركت إبداعها ؟

تاريخيا نحن أمامنا تياران أحدهما يرجع إلى أرسطو ومعناه أن الضوء الأبيض متجانس وينشأ من تحويره للتجانس فنجد الفنانة حاولت اللعب على النسق حيث أعمالها تشع بالضوء مما يبعث نوع من الانشراح والراحة النفسية تتحدى به معاناتها النفسية وآلامها اليومية، كما عملت في اطار التيار الثاني الذي يرجع إلى غريمالدي ومعناه أن الضوء غير متجانس وأنه يتحلل إلى ألوان متجانسة فعملت على مساحات فضاءات واسعة لتترك لنفسها الحرية لتتلاعب بتحلل الألوان وتقوم بتشتيتها مجاليا وتجمعها في إبداع يتحدى الآلام وينقل المعاناة الداخلية إلى الفضاء الخارجي لتحريرها وتحرر نفسها من ثقل الحياة . هذه الثنائية في التعامل بين التيار الأول و التيار الثاني جعلها كراقص حبل مرة مع التيار الأول الذي مَثَّل غوته وتبنته فلسفة الطبيعة الألمانية والفلسفة الظواهرية، و مرة مع التيار الثاني مثل نيوتن الذي تبنته الفيزياء الحديثة والمعاصرة .إن الاختلاف بين هذه التيارات تعترف بآثار المعنى الرئيسية التي تخصّ تشكيلية الضوء وانعكاسه على شخصية الفنانة بشكل واضحة . مما جعل فنانتنا مرة من أتباع غوته فهي أكثر تأثرا باللون والمادة وتصورت الضوء كمبدأ للتشتت والانتشار، مرة أخرى كانت مع أتباع نيوتن الذين ركزوا على البريق والإضاءة واعتبروا الضوء أساسا للتحرُّك الإشعاعي. وتبدو الخلافات العميقة بين هذه التيارات عموما وكأنها تتفق حول آثار المعنى الرئيسية التي تخصّ تشكيلية الضوء.

لدى الفنانة مهاة شراف يشكل اللون في اللوحة التشكيلية أساس التعبير لأنها تعتمد على تمييز الأشياء من خلال اللون والضوء ، وترميز وضع المرسوم، بمعزل عن الحقبة والظروف التي تعيشها في حياتها اليومية ، التي أظهرت من خلال تجربتها إنها في اطار تيارات الرسم الحديث الذي به تجارب وأساليب عديدة، تباين فيها استعمال اللون. فكان اللون وما يزال في مصلحة ما يُلَوَّن في بنية لوحة الرسامة فتبرز في لوحتها عناصر أربعة بشكل واضح هي أصلا تشكل المَحاور التشكيلية الجمالية، هي أولا الأشكال forms من أشكال نباتية وهندسية أو أجساد بشرية ..، ثم الألوان colors كلها الوان حركية ومفتوحة تتخللها ألوان مركبة بجميع درجتها ، والتكوين composition بشكاله المتعددة وأخيراً الملمس texture الذي يستثير إدراكاً حسياً لمسياً. وأن الطلاء اللوني يكسب اللوحة ثنائية الأبعاد صفة ملموسة تُشكِّل بعدها الثالث مما جعلنا حين نقف مثلا أمام لوحة الفرس يتهيأ لنا وكأن الفرس المرسوم أمامنا يهم بالقفز إلى خارج اللوحة .

عموما ان تجربة الفنانة التشكيلية مهاة شراف تحمل في مظهرها تجربة نسائية عميقة النفس الإبداعي فيها تشكيل يبحث عن أفاق إبداعية عالمية من خلال تجربتها الشخصية وانفتاحها على العالم الأوربي والغربي عامة من خلال خوضها تجارب لتعميق تجربتها الشخصية بفرنسا . .....الناقدة التشكيلية خيرة جليل

 

 

 

 

 

 

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : خيرة جليل

تشكيلية وكاتبة   / , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق