أضيف في 20 يوليوز 2017 الساعة 18:01

المـدرسـة: حلبة لسبـــاق الموانــع* ( 1) هنري سيلفا (ترجمة)


نورالدين البودلالي

الحظوة التي تتمتع بها المدرسة باعتبارها ناقلة للثقافة، تقابلها، كنتيجة طبيعية، ميزة كونها الكاشف المنتقى للفوارق العقلية والثقافية الموجودة بين الأطفال.

الفشل المدرسي، بتنوعه، بارز جدا، ومتواجد بكثرة لدرجة أنه لم يعد يشكل اختلالا، مما جعل البحث عن أسبابه يتم بالضرورة بعيدا عن الفوارق الطبيعية في القدرات (باستثناء حالات القصور المؤسساتي والتنظيمي التي تسبق مرحلة المولد أو تأتي بعده أو الظروف المحيطة بها ، وهي حالات لا تقبل الجدل بكل تأكيد، إلا أنها لا تمثل سوى جزء يسير من الساكنة)، وذلك تحت ضغط الإقرار بكون نصف الأطفال الذين يذهبون إلى مدارسنا ليسوا عاديين أو غيروا متكيفين.

ترجوالحق إن الفشل المدرسي ليس سوى أحد نتائج نظامنا التعليمي وتأكيدٍ على إفلاس مجتمعنا.

إن النظام التعليمي، من حيث أنه انعكاس بنيوي للاقتصاد الحر، هو نظام تحكمه المضاربة، والتنافس، والانتقاء. فالمسار التعليمي، من بدايته إلى نهايته، ليس سوى سباق، طويل أو قصير، من الموانع، ومن الامتحانات والمباريات. وعلى ذلك تشهد البنية في شموليتها.

فحين يوضع أطفال سن السادسة جميعهم على نفس خط الانطلاق، مع افتراض اكتسابهم لنفس القدرات ولنفس الإمكانيات، فإنهم يجدون أنفسهم منذ شهرهم الأول يتقلدون أدورا غير التي تمنحهم إياها بشكل كامل وضعيتهم كتلاميذ: دور الأول، دور الثاني...دور الأخير. هكذا ستحدد النقط والرتب والدفتر المدرسي موقف المدرس، والآباء، والأصدقاء، والإخوان والأخوات، بل وموقف الطفل نفسه.

لنأخذ المثال العادي المتمثل في الطفل الذي لا يقرأ جيدا، ولا يكتب جيدا، ويرتكب أخطاء، ولا يراجع دروسه الخ. إنه يتعرض للتوبيخ والعقاب، ويحصل على نقطة سيئة، ويرتب بين تلاميذ الصف الأخير. وكيفما كانت أصول الصعوبات التي يعاني منها، عضوية أم وجدانية أم هما معا، فإنها ستحدد نمطا من العلاقات الخاصة مع المحيط. قد يبدو له المعلم، باعتباره شخصا وممثلا للمؤسسة في آن، شخصية خطيرة، مخيفة، متشددة، ومعاقِبة.

إذا ما استمر الفشل، كما هو الحال دوما، فإنه يؤدي إلى تفاقم التأخر في المسار الدراسي. هذا التمثل السلبي عن المعلم ينقل إلى المعلمين الآخرين، وقد تصبح المدرسة بأكملها حقلا من التجارب المؤلمة بالنسبة للطفل. غالبا ما يزكي الآباء هذا النظام من العلاقات، فيعيشون فشل أطفالهم المدرسي كفشل شخصي، جاعلين العالم المدرسي المزعج يجد امتدادا له بالمنزل عبر التوبيخ بسب» الدفتر المدرسي السيئ «وال» دروس الخاصة «، والعمل الإضافي الذي يعتبره عقابا.

إن الآباء لا يستطيعون فهم ردود الأفعال المثارة لدى الطفل، من قلق وعدم استقرار مرورا باللامبالاة والاستسلام، بل لا يرون فيها سوى النتيجة الأكيدة للافتقار إلى ال» ملكات «، أو للكسل أو لل» أساس الهش «، أو، على العكس من ذلك، نتيجة ما يلقونه على أنفسهم من مسؤولية فشل طفلهم:» الخطأ خطئي، لا أعرف كيف أربي «، »لا أعرف كيف أتصرف في موقف مثل هذا«.

إن هذا المظهر العلائقي من الصعوبات المدرسية، الناتج عن الأدوار التي تخصها المؤسسة المدرسية للمتمدرس السيئ، قد يكون لها، علاوة على عدم اكتساب المعارف وإحداث تشويه بالإمكانات المهنية، أثارا خطيرة على شخصية الطفل ذاته، وعلى نمو شخصيته بصفة عامة ويخشى أن تمتد آثارها إلى ما بعد فترة التمدرس.

مرة أخرى، إن إدانة شروط عمل المتمدرس أمر له بالغ الأهمية:

قوى الأعداد الوفيرة للمجموعات المدرسية بالحضر، تسمح باستيلاب لشخصية الطفل، وذلك بفعل الكتل الضخمة وإمكانية التستر داخلها، أما ساحات الاستراحة، التي تبدو وكأنها خلية نحل حقيقية متحركة، فلا يكون للطفل فيها، بشكل مناقض، الحق في اللعب ب »عنف« و ال» صراخ«، علما أن ذلك يمثل حاجة حقيقية بالنسبة إليهم بعد قضاء ساعتين مختنقين بالقسم، دون أي ارتخاء جسمي.

أما المدرس، الضائع من جهته في قسمه المكتظ بالتلاميذ، والذي يتولى دور نقل المعارف، فإنه لا يجد الوقت للتوفيق بين مستلزمات استعمال الزمن وتنفيذ برنامجه، وبين الحاجيات الخاصة المختلفة للأطفال، مما يجعل النظام الصارم والعقوبة تمثل بالنسبة إليه الوسيلة الأوحد لضمان المحافظة على وضعيته.

والحق أن التلاميذ لا يستفيدون، جميعا، بنفس الطريقة من الثقافة التي تقدمها المدرسة، خصوصا وأنهم يخضعون لنفس نمط التعليم، الذي يفترض توفرهم على نفس درجة النضج الجسماني، والعقلي والوجداني، وعلى نفس الدوافع.

إن التلميذ لا يظل سلبيا أمام توفر والديه على مدخول يتيح إمكانية الحصول على مسكن واسع، تهويته مناسبة، مريح وهادئ، وتغذية سليمة ومتوازنة، ونوم عادي. وفي هذا الإطار وضح جيلي GILLY(2 ) أنواعا من الفوارق في النضج الجسماني وذلك بحسب اختلاف المستوى الاجتماعي- الاقتصادي.

إن أطفال الوسط الميسور يتمتعون بنضج قبل الأوان: حيث تبرز الأسنان الدائمة ثلاثة أشهر قبل موعدها؛ وتحيض البنات قبل الأوان. القامة بدورها تختلف (بسنتمتر إلى ثلاثة) ما بين الأطفال الذين يشتغل آباؤهم كأطر أو في المهن الحرة، وما بين من يشتغل آباؤهم كعمال.

ما من شك أن لهذا التفاوت في النضج الجسماني أثر على حالات الإنتباه، والحركية وعلى مقاومة التعب.

كما أن للضعف الجسماني، الملاحظ بقوة لدى تلاميذ الفئات الفقيرة، أثر سيئ على إمكانية التعلم بفعل ما تسبب فيه من حالات الغياب الذهني.

إلا أن الفارق الموجود بين الفقر الثقافي للوسط وحالات الاغتناء المعرفي الذي تتطلبه المدرسة بشكل مستمر هو الذي يعتبر السبب الأكيد لعدم الاستقرار المدرسي.

السرعة المفرطة في إيقاع التعلم بالمدرسة (تعلم النطق خلال الثلاثة أشهر الأولى) إضافة إلى غياب المعزز الثقافي والفقر اللغوي للعائلة المنتمية للأوساط الضعيفة، تتسبب جميعها في عدم استعمال الأطفال لإمكانيتهم بطريقة فعالة أكثر، لانطلاقهم منذ بداية مسيرتهم مجردين من أي سلاح.

إن التعليم المدرسي ومقرراته، اللذين يستندان أساسا على دعامة شفهية، لا يمكنه إلا أن ينتقي أولئك الذين يستهدفهم بالفعل، ومن ثمة لا غرابة في أن تعمل البنيات المدرسية على إعادة إنتاج البنيات الاجتماعية-الثقافية.

 

وضعية المعلم ( 3)

إن الطابع المحافظ للمؤسسة المدرسية، والذي هو في نفس الوقت متفشي ومتكتم ومختفي، تزيد من حدته بعض «المواقف المتشددة» من طرف هيئة التدريس ( 4).

إن الأصل الاجتماعي للمدرسين يؤكد بالفعل على التوجه التحرري للمدرسة. فهو يمثل النموذج الأمثل للحركية الاجتماعية التي يروجها التعليم، خلال» الزمن الجميل« بحسب الخطاطة الكلاسيكية: فلاح- معلم- أستاذ. وإذا ما عرفت الفئات الاجتماعية المتقاربة جدا وقوع تزايد في الحركات الإرتقائية، في زمننا هذا، فإن التدريس يبقى، بالنسبة للمدرس على الأقل، الوظيفة الأكثر» شعبية« (فلاحون، عمال، تجار، ضباط).

بطبيعة الحال إن الأساتذة يرون أن نجاحهم، إن لم يكن يعود لقدراتهم، فلعملهم الخاص بمدرسة تحقق تكافؤ الفرص. هذا يسمح لهم بنقل إيديولوجية »نظام الاستحقاق «ضمن مثلهم الأخلاقية والسياسية ( فهم دعاة للتحرر أكثر منهم ثوريون) وضمن الفكرة التي يكونونها حول الخاصيات الطبيعية التي يتطلبها التفوق المدرسي لتلامذتهم( النواقص الأكثر شيوعا التي سبق ذكرها ومنها الكسل وعدم الانتباه).

ويعتبر اختيار شريك الحياة بدوره عاملا ذا دلالة: 90% من الأساتذة متزوجون من نساء مدرسات ومثقفات.

أما فيما يتعلق بالمناهج البيداغوجية المستعملة، فإن الأجوبة الحذرة أو المتهربة، والامتناعات العديدة تشهد على ما يعانيه عدد من المدرسين من حالات عدم الارتياح: إذ ثمة رغبة في الحسم مع الرتابة، تحول دونها ماتفرضه المؤسسة من واجبات (المقرر، أعداد التلاميذ، نقص الوسائل ...) مما يعوق كل محاولة للتجديد البيداغوجي.

إجابة عن السؤال »أين تقضون أوقات فراغكم؟«، أبرزت الإجابات طابع» الضغط الزمني chronophagiqe**« المميز لعمل المدرس: ساعات العمل، إعداد الدروس، المهام الإدارية الخارجة عن أوقات العمل، تعمل جميعها على التهام جزء كبير من وقت المعلم، تاركة وقتا أقل لممارسة هواياته. يخصص جزء كبير من هذا الوقت للحياة العائلية والثقافة المهنية. وتكتمل صورتنا عن العزلة النسبية التي يعيشها المدرس حين نعلم أنه يختار إراديا أصدقاءه من وسطه المهني. عدم انفتاحه عن العالم يوضح لنا، من جهة، الوجه المحافظ للمدرسة، المفارق للواقع، و، من جهة أخرى، الطابع التلقائي للمثالية البيداغوجية الذي يظل المعلم، الذي كونته المدرسة، خير مدافع عنها.

وهكذا يعتنق المدرسون بقوة قيم النظام، الذي هم أنفسهم نتاجه، معتبرين أن الفضل في ثقافتهم ونجاحهم يعود إليه. هذه المعادلة بين المدرسين وبين الفئات الاجتماعية العليا لا تُرى، من طرف هؤلاء ولا أولئك، باعتبارها كذلك. وعلى هذا النحو، يمكن اعتبارها خطيرة أكثر من التواطؤ المنظم.

لنفس الأسباب يمكن لبعض من حالفه الحظ في مساره الدراسي، المنتمين للطبقات الدنيا، أن يُضْفوا نوعا من الشرعية على الانتقاء المدرسي حيث تترك الانطباع أن النجاح هو مسألة ملكات. » مستلبين بتحررهم، فإن نجاحهم المدرسي سيكون ثمنه قناعتهم في نظام الاستحقاق الذي تعد المدرسة مركزه، النجاح الذي سيضاعف قناعتهم في المدرسة، التي تتحمل على الأقل مسؤولية جزء من هذا النجاح (5 )«

---------------------------------------------------------------------------------------

* المقال مأخوذ من كتاب » الفشل المدرسي : موهوب أو غير موهوب « ، المجموعة الفرنسية للتربية الجديدة ،المنشورات الاجتماعية، باريس ،1976، ص22- 27

1- عمل هنري سيلفا HENRI SALVAT، في كتابه الأوهام والحقائق، على تجميع نتائج العديد من الأبحاث، ويراكم الوثائق، والتحاليل والدراسات النقدية، بغرض البرهنة على أن »الذكاء "الخالص" وهم يغطي حقيقة وجود ذكاءات متعددة التنوع، تحدث إبان الفترات التاريخية للأفراد؛ يتنافى هذا تماما مع الطرح الذي يجعل هذا ذكيا وذاك أقل منه ذكاءا«. إننا ندعو بإلحاح الأساتذة، والآباء والطلبة إلى قراءته. والصفحات التي ننشرها هنا [المقال مأخوذ من كتاب» الفشل المدرسي: موهوب أو غير موهوب؟ «، المجموعة الفرنسية للتربية الجديدة، المنشورات الاجتماعية، باريس، 1976 المترجم للعربية] مأخوذة من الفصل III، ص: 111وما يليها، و ص: 147ومايليها.(إشارة من المنشورات الاجتماعية)

2-النشرة السيكولوجية، عدد خاص، 1967

3 -ص.147 (انظر الهامش رقم 1 من هذا المقال(المترجم))

 4-لابد من قراءة كل الأبحاث السوسيولوجية المنشورة في هذا الموضوع، على الخصوص، العدد الخاص من مجلة طفولة حول» وضعية المدرس«، العدد رقم 2-3، 1966؛ عالم المدرسين لإيدا بيرجيه IDA BERGER ور. بنجمان R. BENJAMIN، مطبوعات مينويه، باريس، 1964؛ أساتذة التعليم الإعدادي لجيرار فانسون GERARD VINCENT، أ. كولون، باريس،1976. في هذه الأبحاث تعرضت أوهام وحقائق »الأستاذ« إلى دراسات من وجهة نظر إكلينيكية وذات ارتباط بالموضوع.(إشارة لهنري سالفا)

** ابتكرت في عصر النهضة من كلمتين إغريقيتين chronoالتي تعني الزمن وphageinالتي تعني أكل، والمصطلح يخص كل متسرع يعمل على التهام وقته، أو يحس أن الوقت لا يكفيه لإنجاز المطلوب.

- 5. بورديوه :الورثة، منشورات مينوي، باريس، 1964

 

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : نورالدين البودلالي

تربية وتعليم   / الدارالبيضاء , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق