أضيف في 20 يوليوز 2017 الساعة 13:28

زلة قدم


عفراء علوي محمدي

رأته قابعا فوق غصن شجرة فارع عال، كان شابا في مقتبل العمر، طويل القمة، بسيط الحلة، أسمر البشرة، كان يرمقها بعينين لوزيتين واسعتين، وعلى وجهه ابتسامة عريضة لا تخلو من وداعة.. وكانت هي التي تزور المكان للمرة الأولى تنظر إليه في استغراب، فما يفعله فوق شجرة سامقة مترامية الأطراف؟ وما السر وراء ابتسامته؟

كانت الفتاة التي تقطن في القرية المجاورة مذ أزيد من أسبوع ترغب في اكتشاف الربوة المطلة في الأفق، إذ طار سحرها ومنظرها الأخاذ بعقلها، وبعد حزم و جزم قررت المجيء أخيرا لتكتشف هذه اللوحة التشكيلية الطبيعية عن قرب، ولم تكن في مستهل الأمر تجرؤ على الابتعاد عن منزلها، لكن الفضول وحب الاكتشاف كانا أقوى من كل شيء.

جلست الفتاة القرفصاء على العشب الأخضر الندي، ثم تنفست الصعداء بعد تعب المشي الطويل. مدت ساقيها البضتين لتضعهما في النهر المنساب أمامها، كانت خصلات شعرها الذهبي المسترسل تتطاير مع مهب كل ريح عليل.. وكانت الشمس تلمع في عينيها الصغيرتين ما جعلها تحميهما بظل يدها اليمنى... كان الشاب لا يزال فوق الشجرة ونظراته لا تفارق الفتاة، أما هي، فكانت لا تعير لوجوده أدنى اهتمام، فرونق المكان كان يروقها لدرجة أنها نسيت أمر الشاب ونظراته وابتسامته.

كان تجاهلها له يغيضه شيئا ما، ولهذا حاول أن يستدرجها بطريقة تجعلها تنتبه له أكثر، فلوح لها بيده وهو يناديها :

- أيتها الفتاة، ما بك تجلسين وحيدة هناك؟ تعالي لنتبادل الحديث بيننا...

بيد أن الفتاة قد سمعته، لم تستجب لدعوته، وواصلت تأملها للنهر الجاري دون أن تنبس ببنت شفة، فكرر دعوته لها قائلا بصوت أعلى :

- تعالي يا أخيتي ! لم تتجاهليني؟ أو أنك تفضلين الجلوس على جنب النهر؟ لا بأس إن بقيت هناك، لكن ألم يعلمك أهلك أنه من قلة الأدب ألا تردي حين يكلمك شخص ما؟

أحست الفتاة أنه يحاول استدراجها حتى تكلمه، فقررت أن تصمت للحظات قبل أن ترد أخيرا وبصوت رقيق :

- علموني ألا أكلم الغرباء.

- يبدو أنك ساكنة جديدة هنا، لم أرك قط قبلا في الجوار..

- ومالك بي وبشؤوني؟ لا يحق لك معرفة شيء عني.. دعني لحالي..

قالت ما قالت ورفعت جسدها قائمة.. ثم مشت لتبتعد وتعود إلى حال سبيلها..

كانت منذ ذلك اليوم تلحظ وجود الشاب كلما غادرت المنزل لتجلب الماء أو الحطب.. كان يرقبها من بعيد وفي تمعن، فتنفرج شفتاه دون أن يكلمها.. ثم يتجاهل وجودها ويرحل.. ولأنها وحيدة بالمكان كانت تستأنس برؤيته، حتى بدأت تغادر البيت وتبحث عنه.. ثم تتظاهر بجمع النباتات الطبية أو قطف الثمار حين تجده حتى لا يظن أنها جاءت خصيصا لرؤيته.. وكأنما تحاول بذلك إخفاء احتياجها إليه..

وذات يوم وكعادتها خرجت لقضاء الحاجة التي في نفسها، فبحثت عنه في كل الأماكن فلم تجده. خيم الظلام على الوجود فكاد اليأس يسيطر عليها فتعود أدراجها دون لقاياه، لكنها واصلت البحث دون أدنى جدوى.. فقررت أخيرا أن تبحث عنه في المكان الذي رأته به في المرة الأولى، في تلك الربوة البعيدة التي يقسمها النهر المنساب ذو المياه العذبة إلى شطرين.. خارت قواها بعد مشي وعناء طويل، فانبطح جسمها الهش القوام أرضا.. استرجعت جهدها فكابرت بوضع أقدامها مرة أخرى على الأرض قصد النهوض فتمكنت من ذلك بصعوبة.. سحنة التعب والضيق بادية على وجهها البلوري، و الضعف مسيطر على جسدها الهزيل المقهور.. والسبب في كل هذا فراغ قاتل وشوق وطول الطريق التي لا تدري إن كانت ستقودها فعلا لما رغبت به..

وها هي ذي تصل أخيرا للربوة بعد أن أنزل الليل ستائره، فتنفرج أساريرها ويهتز صدرها فرحا لرؤية الشاب الذي يجلس في أعلى غصن الشجرة المعلومة.. قبضت على طرف فستانها الطويل الرث وجرت نحو الشجرة دون تخطيط مسبق، فاتسعت عينا الفتى الذي لم يتوقع منها أن تقدم على المجيء.. توقفت الفتاة للحظة بعد أن اكتشفت مدى الحماقة التي اقترفت، فشبكت أصابعها أمام ظهرها واحمرت وجنتاها خجلا.. ضحك الشاب بقوة قبل أن يستهل المحادثة التي كان ينتظرها منذ زمن..

- كيف حال الأميرة الضائعة؟ ما الذي جاء بك إلى هنا؟

- جئت لآخذ بعض الثمار..

- أشجار الفاكهة في كل مكان.. لكن هذه الشجرة متميزة.. وثمارها ألذ وأطيب.. اصعدي وستكتشفين ذلك بنفسك

- اقطفها لي وسأجربها..

- يقال أن عليك قطفها بنفسك إذا أردت أن تستمتعي بمذاقها الفريد، أما إذا قطفتها لك أنا فستكون شديدة المرارة..

عقد الفتاة حاجبيها متعجبة.. ثم قالت في استغراب :

- لم أفهم..

- من يقطف ثمار هذه الشجرة هو الوحيد الذي يستمتع بمذاقها اللذيذ يا عزيزتي..

- إذا فلا داع لقطفها..

- لن تندمي إذا جربتي..

صمتا قليلا ثم استطرد الشاب بنبرة مصرة:

- اصعدي الشجرة ولا تخافي، فإن بها ثمارا كثيرة ستروقك، ها أنذا أنتظرك فوقها.. هيا اصعدي لنتناولها معا..

- لكنني لا أجيد التسلق.. و لي أعمال علي قضاؤها.. والوقت متأخر ويجدر بي العودة للبيت.. و...

- دعك من هذا و اصعدي، سأساعدك في الصعود و سأمسك بك..

- أ ستمسك بي حقا؟ أ لن تدعني أسقط؟ إني أخاف المرتفعات..

- و لم سأدعك تسقطين؟ لم سأتركك؟ أ تظنين أني من هذا النوع من الأشخاص؟

- لا أعلم، إني لا أعرفك..

- حسن، فكري كما تشائين..

صمتا قليلا ثم تسلقت هي الشجرة بأقدام حافية، فلم يساعدها في ذلك قط واكتفى فقط بالنظر إليها بإمعان، لكنها تشجعت و استمرت في التسلق، حتى بلغت المنتصف، فلما التفتت يمينا و شمالا، لم تجده، و لم تجد حتى الثمار التي تكلم عنها.. فنظرت إلى قدم الشجرة فوجدته يتطلع إليها بنظرة استهزاء قائلا :

- يا لغبائك! أ لم تقولي أنك لم تثقي بي؟ إذن فلم صعدت؟

- لكنك طلبت مني ذلك..

- لكني كاذب و سافل كما قلت، فلما صدقتني؟

- أنا لم أقل عنك شيئا و لم أقصد الإساءة، لكن خوفي من التسلق هو ما أربكني.. وأنا الآن خائفة... أنزلني أرجوك.. أنا أخاف المرتفعات.. و أقدامي تزل..

- ليس كل ما يقال صوابا، و ليس كل ما نراه جميلا.. الحياة لا ترحم، ولا يسكنها إلا الذئاب، لذلك فلابد للمرء أن يكون ذئبا بدوره ليستطيع التعايش مع الآخرين، فإن كنت أنت أو غيرك سذجا.. فلا مكان لكم بيننا..

- أعلم كل هذا.. أنا واعية بكل هذا... لكن الآن.. إني أترجاك أن تنزلني.. فإن لم تفعل,, سأبقى عالقة هنا.. و ما من أحد يزور المكان حتى يراني فينقذني..

- لم أجعلك تصعدين بالقوة، فقد فعلت ذلك عن قناعة شخصية، ثم لم أساعدك في الصعود لأساعدك في النزول، كان كل ذلك بمحض إرادتك، إذن فلا شأن لي بمشاكلك، فأنا لا أعرفك..

مشى و ابتعد عن نظرها، فأجهشت بالبكاء والعويل، ولا أحد موجود ليسمعها، فصمدت ساعات طوال وهي تعانق جذع الشجرة، وغفت بعدها بعد كل الجهد والعياء، ثم سقطت فماتت.

--

عفراء علوي محمدي

فاس، فبراير 2015

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : عفراء علوي محمدي

كاتبة صحافية   / مكناس , المغرب

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق