أضيف في 20 يوليوز 2017 الساعة 07:26

المجلس الحضري لمدينة اليوسفية وسؤال الحصيلة ـــ حكاية مجلس حضري اختار مُذْ ولادته الرقود في غرفة العناية المركزة، واستمرأ استيطانها ـ نورالدين الطويليع


نورالدين الطويليع

يقول الشاعر: خطبت فكنت خَطْبًا لا خطيبا... أضيف إلى مصائبنا العظام

حرص رئيس المجلس الحضري لمدينة اليوسفية أثناء حملته الانتخابية على توزيع باقة جميلة من الوعود الوردية على المواطنين, وعدهم من خلالها بالتكفير عن أخطاء الماضي ورد الاعتبار للمدينة اليتيمة, ولأبنائها المُيَتَّمِين, ورسم في مُخَيِّلَةِ الكثير, وهو يذرف دموع الحسرة على واقعها, صورة حسنة عما سيكون عليه المجلس الحضري، في عهده إن فاز، من فاعلية ودينامية ونجاعة تدبيرية...، ها قد اقترب المجلس الآن من إكمال سنته الثانية دون أن تلوح في الأفق أي بوادر للقطيعة مع سنوات رصاص تدبير الارتجالية والتخبط, بل طفت على السطح فقط مؤشرات الوفاء للماضي والسير على منواله, وتعقب خطواته بدقة متناهية, وبعيدا عن منطق إطلاق الكلام على عواهنه, سوف نعرض مجموعة من النقط التي تزكي هذا الطرح, وتؤكد سلبية التجربة ودخولها عالم المجهول وسباحتها في بحر ظلمات تدبيرية ذات طبقات سميكة, بعضها فوق البعض, مهما حاول المرء اقتناص شعاع نور منها فلن يجد إلى ذلك سبيلا.

1-- ضاع الشرف منذ البداية مع وثيقتي الشرف: يقول المثل "من حسنت بدايته, حسنت نهايته", والمعنى بضده ونقيضه يُفهم, فعوض أن يكون هَمُّ الفرقاء السياسيين الاجتماعُ على مشروع تنموي واضح, وأن يكون معيار التحالف هو التعاهد والتعهد بأجرأة عناصره ونقاطه وتفعيلها والعمل بكل تفان وإنكار للذات على تنزيلها على أرض الواقع, طلع علينا هؤلاء بما سموه "وثيقة شرف" تكررت مرتين, وثيقة اختزلت التجربة وقزمتها في توزيع المقاعد على الفرقاء والأشخاص, وكأن الأمر غنيمة اقتُنِصَتْ, وتحتاج فقط إلى القِسْمَة, مكافأة لأصحابها على إبلائهم الحسن في ساحة وَغَى الحملة الانتخابية, مما يعبر عن قصور نظر, وعن نظرة اختزالية جعلت من الوسيلة غاية, ومن محطة العبور نقطة نهاية.

لقد كان أولى وأجدى أن يطلع علينا المستشارون المحترمون بتعهدات واضحة حول ما سيقومون به خلال ولايتهم, وأن تصدر وثائق شرف فردية, سواء من مستشاري الأغلبية أو المعارضة, يضعنا كل مستشار من خلالها في قلب الصورة, ويبين لنا خطة عمله كرئيس, أو كنائب للرئيس, أو كرئيس لجنة, أو كعضو فيها, أو كمعارض, وأن يبقى في تواصل تام مع المواطنين عبر مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها، ليحدثنا عن مدى توفقه في إنجاز الموعود, وعن الإكراهات والصعوبات التي تواجهه, وحينها يستطيع أن يلقح أفكاره بتفاعلات المواطنين واقتراحاتهم, وإن كان ثمة من "بلوكاج" سيعرف الجميع من يقف وراءه, ولا أظن, والحالة هذه, ما دام أن التجربة معروضة بشكل مكشوف, لا أظن أن أحدا سيقصر أو يتهاون, أو يقف في وجه نجاحها, لكن ما دام الظلام الدامس مُلْقٍ سُدُولَهُ على عمل المجلس, فالكل في مأمن تام وطمأنينة من أن تصله عيون المراقبة أو ترصده وهو في حالة تهاون أو نكوص أو لا مبالاة, لأن الليل أخفى لِلْهَمِّ كما يقول العرب, ولأن هرج السوق مدعاة وحافز لكل من يبحث عن الفوضى، وينشد العيش في كنفها، ويسعى إلى طمس وإضمار التجربة المَعْبُوثِ بها.

2-- رئيس المجلس يضع يد الميت على التجربة في يوم انتخابه: في تصريح لبعثة القناة الثانية زرع الرئيس بذور اليأس في نفوس المواطنين من خلال رفع شارة الهزيمة والإعلان عن اقتصار دور المجلس على صرف تعويضات الموظفين, بما قيمته 70%من الميزانية المخصصة له, وتخصيص 30% المتبقية للتسيير, ما يعني تغييب تام لعنصر الاستثمار, وهو ما يُبَلْوِرُ نَعْيًا رسميا للتجربة في يوم ولادتها, وتراجعا واضحا من الرئيس عن الوعود التي قطعها على نفسه في حملته الانتخابية, التي كان جديرا به أن يخبر المواطنين أثناءها بهذه "الحقيقة", لا أن ينتظر الحصول على تأشيرة مقعد الرئاسة, ليأتي بِأَسْوَدِ القول الذي استولى على بياض ما قبل التنصيب, وأسس لقطيعة معه, ظهرت معالمها الآن جلية وواضحة, يلمسها كل من يراقب المجلس ويتتبع مساره, كهيأة تقوم بدور تصريف الأعمال, دون أن تملك مفاتيح حل المشاكل المستعصية التي تتخبط فيها المدينة, وتقف عاجزة أمام أبسطها وأقلها عناء ومشقة, ولنا في الحفر التي تملأ كبرى شوارع المدينة خير مثال.

3-- غياب مخطط جماعي أغرق المجلس في الارتجالية والتخبط: كان من المفروص أن ينظم المجلس لقاءات تواصلية مكثفة مع الفاعلين الجمعويين, ومع الساكنة, ومع كل مَنْ مِنَ المفروض أو المحتمل أن يكونوا شركاء, وأن يبلور المطالب والإمكانات المتوفرة في وثيقة رسمية تشكل خارطة طريق, يهتدي بهداها, ويسير على إيقاعها, ويظهر للمواطن من خلالها, مدى نجاعته وقدرته على النجاح, أو عجزه وقصوره عن بلوغ هذه الغاية, لكن ما دام أنه لم يفعل, فقد آثر السلامة, وفضل الارتهان إلى الظل بعيدا عن "صداع الراس", وعن بذل مجهود جبار, يتطلب وصل الليل بالنهار, واشتغال أفراده كخلية نحل بدينامية ونشاط دائبين, لا يعرف أصحابها الكلل والتعب, مهما كان حجم التحديات التي تواجههم.

غياب مخطط جماعي إذن يكرس خيارا استراتيجيا لمجلس يفضل أن يبقى خارج الزمن, ويصر على أن يكون استثناء من ضمن المئات من المجالس التي ارتضت هذا الخيار وانخرطت فيه, فقد جاء في إحصائيات رسمية أن عدد الجماعات المنخرطة في مسلسل التخطيط وصل إلى 1203 جماعة, تمكنت 1007جماعة منها من إعداد مخططاتها وانتزاع مصادقة الوزارة الوصية عليها...., ومادام أن السيد الرئيس ومجلسه يفضلون التغريد خارج سرب التدبير الحديث والعقلاني, ويرتضون لأنفسهم القيام بإجراءات تصريف الأعمال, فإننا نتساءل عن جدوى وجود هذا المجلس الذي برمج مبلغ 412800.00 لهذه السنة كمصاريف لرئيسه ولذوي الحقوق, و10000.00درهم لتأمين الأعضاء, و20000.00درهم لتنقل الرئيس والمستشارين, واستنزف من بداية 2016 إلى غاية 2016/09/22 ما مجموعه 542667.98, في اشتراء الوقود والزيوت, و 200000.00في اشتراء قطع الغيار والإطارات المطاطية للسيارات والآليات, وبرمج 180000.00لتأمين السيارات والآليات, و40000.00لأداء الضريبة الخاصة على السيارات, مع العلم أن أسطول الآليات هو في معظمه عبارات عن سيارات موضوعة تحت تصرف الرئيس وثلة من المستشارين, ونتساءل كذلك عن جدوى وجود مجلس يستهلك سنويا ما مجموعه 300000.00 إلى 400000.00 في الاتصالات الهاتفية, وكأنه في وضعية انعقاد دائم, لا تكف هواتف مستشاريه عن الرنين, ولا يتوقفون عن تبادل وجهات النظر بهواتفهم لساعات طويلة حول وضع المدينة وسبل تنميتها, ثم نتساءل عن مغزى تخصيص مبلغ 20000.00 لما يسمى التكوين المستمر للمنتخبين, إذا لم يترجم هذا التكوين إلى عمل وانخراط في صياغة المخطط الجماعي, وانكباب على إخراج المجلس من دائرة الدوران في حلقة مفرغة؟؟؟

لو تعطل المجلس, وأوكل الأمر في تدبير الجماعة لكاتبها العام وفريق من المساعدين, لصارت الأمور بشكل طَبَعِيٍّ, ولما ظهر أي أثر لغياب مجلس يستهلك كثيرا, وتبقى مردوديته جد هزيلة, إن لم نقل في درجة ما تحت صفر التنمية التي يُعتبر المخطط الجماعي مرآتها التي تعكس مدى تحققها, وبأي درجة تحققت, ونشير هنا إلى ما جاء في البوابة الوطنية للجماعات المحلية من تأكيد على أن هذه الوثيقة ركن أساسي وفرض عين, لا تقوم لأي جماعة قائمة تنموية بدونه: "يعتبر المخطط الجماعي للتنمية آلية قانونية جديدة وحديثة لتدبير الشأن المحلي وتحقيق التنمية المحلية,تُحَدَّدُ فيه الأعمال التنموية المقرر إنجازها بتراب الجماعة لمدة ست سنوات في أفق تنمية مستدامة وفق منهج تشاركي يأخذ بعين الاعتبار مقاربة النوع".

ولابد من الإشارة أن المجلس تلقى من وزارة الداخلية, وبالضبط مديرية الجماعات المحلية مجموعة من المناهج والوثائق المساعدة على تتبع التخطيط المحلي, منها: دليل إعداد المخطط الجماعي -- دليل المساطر -- النظام المعلوماتي الجماعي, لكن مع الأسف رميت هذه الوثائق في الرفوف, ولم يتم الانكباب عليها ودراستها من أجل أخذ تصور علمي واضح وشامل عن كيفية إعداد مخطط جماعي.

4--اعتمادات محتجزة في غرفة العمليات المركزة, وأخرى تصرف بسرعة البرق: برمج المجلس مبلغ 255000.00خلال سنة 2016 لما سماه الصيانة الاعتيادية للطرقات, لم يصرف منها, ولو سنتيما واحدا إلى حدود 2016/09/22, وكأن طرقاتنا في صحة جيدة, ولا تحتاج إلى ترميم وإصلاح, مع أن القاصي والداني يتجرع مرارة حفرها صباح مساء, وفي الشوارع والطرقات الرئيسية, وبرمج كذلك في نفس السنة مبلغ 420000.00 فيما سماه العناية والإصلاح الاعتيادي لشبكات التوزيع ومنشآت الإنارة, وشراء عتاد صيانتها, ولم يصرف من ذلك إلى حدود التاريخ المشار إليه, ولو درهما واحدا, مع العلم أن مدخل المدينة لوحده يشهد على جريمة إغراقه في الظلام الدامس, دون أن يحرك المجلس ساكنا, رغم أن الاعتمادات متوفرة, لإصلاح ما يمكن إصلاحه, والتخلي عن سياسة صم الآذان تجاه نداءات المواطنين, وصيحات استغاثتهم بهذا الصدد, وعبد ربه هذا طالما ناشد وترجى التدخل لوضع حد لهذا المشكل, ولمشكل عمود الإنارة المائل الموجود قرب مصحة الإدريسي, الذي يهدد حياة المواطنين, وبقيت مناشداته صيحة في واد عميق.

اعتمادات أخرى تقدر ب 40000.00برمجت خلال السنة الفارطة في ما يسمى الصيانة الاعتيادية للمناطق الخضراء والحدائق والغابات, وصيانة الساحات العمومية والمنتزهات, لم يصرف منها أي شيء إلى حدود شتنبر 2016, مع أن سكان المدينة يعانون من الاختناق, وكان جديرا بالمجلس أن يعمل على تخصيص مناطق خضراء بكل أحياء المدينة, لتكون متنفسا لساكنتها, وخصوصا الأطفال الذين لا يجدون أمكنة خاصة للعب والترفيه سوى ما أنشأه المكتب الشريف للفوسفاط بما يسمى حديقة السبع, لأنهم تَيَتَّمُوْا في مجلس مات بمجرد ولادته, أو ولد ميتا بالأحرى, ودخل إلى قبر اللامبالاة ليرقد جثمانه هناك رقودا طويلا, فَقَدَ معه كل إحساس بمعاناة الساكنة بهذا الصدد, لأن عظام إحساسه وشعوره صارت رميما.

بمقابل هذا العجز أو الموت نجد حياة ودينامية كبيرة في صرف اعتمادات سهلة الامتصاص, ولا يكلف هضمها عناء كبيرا, ولا مُرَابَضَةُ في الساحة, ولا اعتكافا على مشاريعها, ونذكر من ذلك:

--شراء التحف الفنية والهدايا التي خصص لها المجلس سنة 2016 ما مجموعه 40000.00, أتى على 39780.00 منها, قبل أن تنتهي السنة, وبالضبط في شهر شتنبر من ذات السنة.

-- مصاريف الإقامة والإطعام والاستقبال: خصص المجلس لهذا الباب سنة 2016, ما قيمته 100000.00, التهم منها قبل انتهاء شهر شتنبر 27000.00

-- مصاريف النقل بالخارج: خصص لها 20000.00, وأتى على 18000.00منها قبل نهاية شتنبر.

-- مصاريف التنقل داخل المملكة: خصص لها 70000.00, استهلك منها إلى حدود شهر شتنبر 41380.00.

-- مصاريف المهمة بالخارج,خصص لها 20000.00, استهلك منها إلى حدود شهر شتنبر 18000.00

--لوازم المكتب,ولوازم العتاد المعلوماتي: خصص لهما على التوالي 180000.00, و 80000.00, واستهلك منها 7872.00و 79980.00 على التوالي, مع العلم أن هذا الباب مُغْرٍ جدا, ويحرص الرئيس على إيفائه حقه وزيادة, بل يتعامل معه بإحسان وبيد ممدودة كل المد لِيُسْرِهِ ومرونته, وتلاؤمه مع أسلوب طلبات السند (البوند كوموند), فبالإضافة إلى الاشتراء,نجد بابين مواكبين تحت عنوان الصيانة, صيانة عتاد المكتب, والصيانة المعلوماتية, وكلاهما خصص لهما المجلس في سنة 2016 مبلغ 110000.00, وفي سنة 2017 مبلغ 80000.00.

-- صيانة وتجديد العتاد الصغير: خصص له مبلغ 50000درهم, أتى منها إلى حدود شهر شتنبر على 49920.00

-- رسوم ومستحقات المواصلات اللا سلكية: وهذه النقطة كذلك تشهد على سخاء منقطع النظير, فقد خصص لها 300000.00, أتى عليها كلها في مطلع شهر شتنبر, ما يعني قابلية الزيادة والضخ, بما يمكن أن يصل إلى 400000.00.

-- اشتراء لوازم الرياضة: خصص لها 15000.00, وأتى على 14868.00 منها قبل نهاية شتنبر

ونلاحظ هنا أن جميع الخانات التي تبتدأ باشتراء (في الوثيقة الصادرة عن المجلس كتبوا شراء, وهذا خطأ سنوضحه بحول الله فيما بعد), شهدت على حيوية المجلس وديناميته, بما يؤشر على عقلية تجارية حازمة في البيع والاشتراء, وهذا ما علق عليه أحد الظرفاء الذين فاتحتهم في الموضوع قائلا: " لو حولوا مقر الجماعة إلى سوق ممتاز, يديره مكتب المجلس تحت إشراف الرئيس, لأفلح وتفوق, ولأظهر براعة كبيرة في إدارة عمليات البيع والاقتناء والبحث عن الوسطاء واقتناص الزبناء ومضاعفة الأرباح, أما أن يكلف بالأشغال, فهذا مما لم يُخلق له رئيسنا ومكتبه, لأن ذكاءهم قاصر في هذا المجال, أو لأن الأمر يحتاج إلى الركض والجري في حلبة التدبير المحلي, بما لا يتلاءم مع لياقتهم التدبيرية الضعيفة ونفسهم الخائر, ونشير هنا إلى خانات الاشتراء التي أخرجت المجلس من خانة الانطواء والتقوقع والجمود, وحولته إلى كائن نشيط ودينامي:

-- اشتراء مواد إبادة الفئران, واشتراء المبيدات للطفيليات والحشرات، واشتراء عتاد صغير للمكاتب البلدية للصحة: 40000.00, صرف منها إلى حدود شهر شتنبر 39660.00, هذا ونسجل جهلنا التام بالطريقة التي حارب بها المجلس الفئران والطفيليات والحشرات, فلا علم لنا ولا معرفة بأي إجراء في هذا الميدان, ولم يبد للعيان أي أثر لعمل ما في ظل استنسار الطفيليات بالمدينة واستئسادها, وتحولها إلى كابوس يقض مضجع المواطنين.

5-- مصاريف يومية باهضة لا تتناسب مع مجلس مستهلك كسول وخامل: تقيس لجان الافتحاص مدى نجاعة أي مؤسسة عمومية من خلال المقارنة بين ما تستهلكه وما تنتجه, ونحن هنا, انطلاقا من هذا المنطلق نستطيع أن نقول بكل اطمئنان أن ما يلتهمه المجلس من أموال دافعي الضرائب لا يعدو أن يكون صبا للماء في صحراء قاحلة, أو إنفاقا من أجل إرجاع الحياة لميت, تتنفس عوضا عنه آلة اصطناعية, توهم من يتمنى وقوفه على رجليه, أن روحه لم تصعد إلى بارئها, وأنه مازال حيا يرزق, مجلس عاجز عن وضع مخطط جماعي, وعن جلب شركاء, وعن اقتراح مشاريع تنموية لصالح المدينة, وعاجز حتى عن مراقبة سير أشغال شركات خاصة تمارس العبث والاستهتار, دون أن يخفق لأصحابها قلب, أو تطرف عين, خوفا من الحساب والرقابة...., مجلس هذا شأنه وزيادة, يستهلك أموالا طائلة, ولا يمكن إلا أن نعتبره عبئا على المدينة, وخطبا من خطوبها العظيمة, وحتى نخرج من دائرة الكلام المجرد, نضع أمامكم, قراءنا الكرام, قائمة ببعض الأبواب وما تلتهمه من أموال بشكل يومي, ونترك لكم استنتاج ما يمكن استنتاجه.

-- تعويضات للرئيس ولذوي الحقوق, يعني نوابه ورؤساء لجان مجلسه:1146 درهما يوميا.

-- مصاريف الهاتف: 1111درهما يوميا.

-- اشتراء الوقود والزيوت: 1666درهم يوميا.

-- اشتراء قطع الغيار والإطارات المطاطية للسيارات والآليات: 833درهما يوميا.

-- صيانة وإصلاح السيارات والآليات ومصاريف تأمينها وأداء ضرائبها: 1055درهما يوميا.

-- أدوات المكتب والعتاد المعلوماتي, اشتراء وصيانة: 1027درهما, وبالمناسبة فهذا الباب بالضبط هو حبيب كثير من رؤساء الجماعات المحلية, يهيمون به حبا, ويبذلون لصالحه الملايين, حتى إذا انتهت جروا إليه فائض الميزانية جرا, ونحروه على أعتابه نحرا, وهذا ما يفسر الاستغناء عن أبواب أساسية, وبرمجة اعتماداتها ضمن فائض الميزانية, مثل إصلاح الإنارة والطرقات والمناطق الخضراء, تمهيدا لتصديره إلى هذا الباب الذي شغفهم حبا, وملك عليهم السمع والبصر والفؤاد, فصاروا لا يرون إلا إياه, كما قال الشاعر:

إني لأفتح عيني حين أفتحها......على كثير, ولكن لا أرى أحدا.

6 -- قحط ثقافي واجتماعي يعانق جفاف التنمية الاقتصادية ويضاجعها: سنتان عجفاوان تلكما اللتان مرتا من عمر مجلس لم ينبت خلالها زرعا ثقافيا, ولم يسمن أثناءها ضرعه الاجتماعي ليسقي نفوسا عطشى..., وكل المؤشرات تدل أن الثلاث سنوات من عمر المجلس تنطق باستمرارية القحط وبأن ليس في الإمكان أبدع مما كان, أو أقحط مما كان إن صح التعبير, ولا تخفى أهمية الثقافة في أي مجتمع, ودورها الكبير في الحكم على تقدم المجتمع أو تخلفه من خلالها, وكذلك الجانب الاجتماعي الذي يؤشر على سيادة قيم التضامن والتكافل الاجتماعيين, وعلى روح إنسانية مبرأة من الجشع واللهاث وراء الصفقات وطلبات السند, ويعنيها كثيرا أمر المريض والفقير والمعوز, ودائما في إطار محاكمة تجربة المجلس الفاشلة, سنعرض عناصر هذين البابين, والأموال الهزيلة المرصودة لهما, مع العلم أنها لا تصرف, ويقذف بها في الغالب في شباك فائض الميزانية الذي يتيح فرصة الخلوة بأموال تأتي على شكل جداول صغيرة أو سيول, لتكون بحيرة كبيرة, تتيح لأصحابها إمكانية السباحة العارية فيها بكل فنون السباحة وأشكالها.

-- مصاريف النشاط الثقافي: خصص له مبلغ 50000.00 درهم في سنة 2016, لم يصرف منه, ولو سنتيم واحد إلى حدود نهاية شتنبر من نفس السنة, ما يعني خلو ذهن القائم على عرش المجلس من أي تفكير في هذا المجال, أو تصور لتحقيق نهضة ثقافية في مدينة تحتضر على هذا المستوى, وهنا أفتح قوسا لأقول بأن الكثير من رؤساء الجماعات لا يفهمون ولا يعرفون عن الثقافة سوى جلب الفرق الموسيقية في الأعياد والمناسبات, وما دون ذلك لا عهد, ولا قبل لهم به.

-- اشتراك في الجرائد الرسمية والجرائد: خصص له سنة 2016مبلغ 3000.00, لم يصرف منها إلى حدود شهر شتنبر, ولو سنتيم واحد.

-- شراء لوازم مدرسية: خصص له مبلغ 10000.00, لم يصرف منه أي شيء إلى حدود شهر شتنبر, مما يؤشر عن تخلف المجلس عن مبادرات تشجيع التمدرس ومحاربة الهدر المدرسي, التي كان من المفروض أن يكون في قائمة المطلعين بها, خصوصا أن كثيرا من المتعلمين يغادرون مقاعد الدراسة لعوز أوليائهم وعجزهم عن تسديد مصاريف هذه اللوازم.

-- مصاريف الختانة: خصص لها مبلغ 5000.00, ولم يصرف منه أي شيء إلى حدود شهر شتنبر.

--مصاريف نقل الأطفال للمخيمات: بقيت خانتها فارغة, وكأن المدينة تعج بالمخيمات, ولا يحتاج المعوزون من أبنائها إلا إلى الاستمتاع بشواطئها وعيونها!!!

-- هبات ومعونات لصالح المحتاجين: خصص لها مبلغ 5000.00 0, ولم يمس بإحسان, على هزالته, إلى حدود شهر شتنبر, ما يعني ربما أن العوز والفقر والحاجة عملات مفتقدة في يتيمة المدائن, وأن المدينة يستوطنها غلاظ المال وسِمَانُهُ الذين يحتاجون إلى حِمْيَةٍ طويلة, تقيهم شر التضخم المالي, وتنقص من ثرائهم الفاحش.

-- مصاريف استشفاء المعوزين ونقل المرضى للمراكز الاستشفائية: خصص لهما مبلغ 20000.00درهم, لم يصرف منه أي شيء إلى حدود شهر شتنبر, ربما لأن السيد الرئيس هو وحده الذي يعاني من المرض, وغيره من المواطنين هم من صنف الغلاظ الشداد الذي يدكون الأرض دكا, ويتمتعون بالسلامة الجسدية والعافية النفسية, جراء بحبوحة التنمية التي أسكنهم فيها هذا المجلس, ورفع بواسطتها مؤشر طمأنينتهم ورفاهيتهم وسعادته إلى مستويات عليا, أشعرتهم أنهم في جنة الخلد, لا يظمؤون ولا يمرضون, ولا يحتاجون إلى الذهاب إلى المستشفيات التي ستذكرهم, إن هم فعلوا, بجحيم الأرض وعذابها المهين.

7- العجز عن كبح جماع العبث التدبيري لأشغال ما يسمى بالتهيئة: أمام وَضْعِ المكوث في غرفة العناية المركزة, أُطْلِقَتْ بعض المشاريع من لدن جهات أخرى, اختار السيد الرئيس أن يبقى بعيدا, وأن يترك الشركات التي عهد إليها بالأشغال تصول وتجول, وتمارس العبث والفوضى, بكل ما أوتيت من دهاء, ومن قدرة على استفزاز المواطنين, وما حدث في شهر رمضان الأخير خير مثال على ما نقول, حيث طفق العمال يرمون الإسمنت فوق التراب مباشرة, دون وضع ولو قضيب حديدي واحد, في وقت متأخر من الليل, أثناء تبليط أزقة خربت لإصلاح قنوات الصرف الصحي المتهالكة, التي بَلَّطُوْا الأرض فوقها, ولم يكلفوا أنفسهم إصلاحها منذ البداية...هؤلاء العمال تلقوا تعليمات من رؤسائهم بتهديد المواطنين بالرحيل وترك أزقتهم على ما هي عليه إن سولت لهم أنفسهم "التطفل" بتقديم طلب التجويد، أو الاستفسار عن سبب العبث ...., وتبدو ها هنا مسؤولية رئيس المجلس جسيمة, فهو مسؤول مسؤولية مباشرة عن كل ما يجري ويدور داخل المدار الحضري, وما فعله بهذا الصدد من نكوص وتراجع إلى الوراء يذكرنا بقصة ذلك الرجل الذي تكفلوا بإصلاح منزله, وعوض أن يسهر على مراقبتهم، غادره طيلة المدة المفترضة للأشغال, ليجده عند عودته مهدما.

8-- مجلس عاجز عن استقطاب الشركاء والبحث عن مشاريع تنموية تدفع المدينة إلى الأمام: توجد بالمدينة مجموعة من المؤسسات العمومية والشبه العمومية, يملك المجلس بقوة القانون, صلاحية استقطابها لملعب التنمية, مثل اتصالات المغرب, والمكتب الوطني للسكك الحديدية, والمكتب الشريف للفوسفاط, وبما أن البوصلة متجهة لهذا الأخير, فسوف نفرد الحديث عنه في هذه النقطة لنعري بلادة مجلس عجز عن استثمار واستغلال إمكانيات هذه المؤسسة لتحقيق التنمية بالمدينة, من خلال الدخول في شراكة استراتيجية معها, (دعونا من الشراكات السطحية) يشارك المجلس من خلالها بقوته الاقتراحية, وبتصاميم المشاريع التنموية مثل المناطق الخضراء, ومناطق اللعب والترفيه, والمؤسسات الاجتماعية والثقافية, على أن تتكفل مؤسسة م ش ف بالتغطية المالية, ولا أظن أن مجلسنا سيجد عناء ما بهذا الصدد, خصوصا إذا تحلى بالعلمية والدقة, لأنه في هذه الحالة, سيضعها أمام الأمر الواقع, وفي صورة لا تريدها لنفسها, وهي التي تسعى إلى تلميع وجهها كمؤسسة مواطنة, وإن حدث وفعلت, فهذا سيكون مدعاة للتفاف المواطنين حول مجلسهم, ولتأجيج مشاعر غضبهم عليها, وهي مشاعر في غنى عنها, في ظل ظرفية سياسية تنذر بالاشتعال, ونحن نقولها الآن لرئيس المجلس صريحة وواضحة: قدم مشاريع لهذه المؤسسة، واجعلنا شهودا على ذلك، وإن حدث ولقي طلبكم الرفض والإهمال، فحينئذ ستكون المعركة معركتنا نحن، وسنعلن في الناس أنكم أردتم الإصلاح، ولم تجدوا المساعدة والمعين.

من الطرائف والنواذر التي تحكى بهذا الصدد أن مسؤولي المكتب عرضوا على رئيس سابق اقتراح مشاريع لتمويلها بالكامل, فرد عليهم: "اعطوها لينا فلوس".

9-- معارضة ضعيفة ومفككة لا تقل موتا عن الأغلبية: يفترض أن تكون الاختلالات التي تحدثنا عنها بمثابة غيث, يؤتي بإذن إرادة قوية, أُكْلَهُ في شخص معارضة قوية, ستجد التربة مناسبة لتنبت من كل احتجاج بهيج, ولتصول وتجول على ظهر هذه الاختلالات, بما يمكن أن يخلق دينامية وتدافعا كبيرين داخل المجلس, ويفضي إلى عدم استلام الرئيس وأغلبيته مفاتيح الطمأنينة والنوم العميق في غرفة العناية المركزة, والبقاء بعيدا عن تنغيص الطَّرْقِ القوي على أبوابها ونوافذها وجُدُرِهَا, في مجلسنا لا يوجد أي شيء من هذا القبيل, لأن المعارضة انتهت صلاحيتها في الشهور الأولى التي بدت فيها قوية ومتماسكة, وأوهمتنا وهي تصدر البيانات, وتطعن في صحة القرارات, وتلهب دورات المجلس المتقاربة بحرارة تدخلاتها, أننا سنكون أمام تجربة جديدة ورائدة, قبل أن نتفاجأ باندثارها, وتحولها إلى أثر فَقَدَ بريقه بسرعة شديدة لافتقاده النَّفَسِ الطويل, ولعدم قدرته على الجري في حلبة تتطلب جَلَدًا مدته خمس سنوات, الآن تفرق دم المعارضة طرائق قِدَدًا، هناك مستشارون من المعارضة دخلوا في حلف أبي سفيان ليطعمهم من جوع (لا نقصد جوع الخبز), ويؤمنهم من خوف، وآخرون انصرفوا إلى حال أمورهم الخاصة, وتركوا الكل قائما, ولم يعد يعنيهم في شيء أمر زيد أو عمرو, ومنهم من وضع رجلا هنا ورجلا هناك, فهو داخل دواليب المجلس من حواريي الرئيس وصحابته الأكرمين, وفي أوساط المواطنين من المتعوذين أشد التعوذ من تجربته الرجيمة, ومن المسبحين بحمد ربهم على نعمة خلاصه من جحيمها المقيم.

في ظل وضعية هذه سماتها, يتضح بالواضح والملموس أننا إزاء تجربة استنسخت الفشل من سابقتها, وأَخْلَصَتْ تَعَقُّبَ خُطَاهُ, وأَبَتْ إلا أن تقيم وإياه جسور الوصال, ويبقى الضحية الأول والأخير لهذا الوضع هي المدينة اليتيمة وأبنائها الذين حكم عليهم, كما حكم على الذين من قبلهم, بعذاب الإقصاء والتهميش المبين, وبالتلظي بنار خيبة وخذلان تصلي وجوههم وقلوبهم وعقولهم كلما صدقت سذاجتهم وعودا انتخابية تتبخر بمجرد الجلوس على الكرسي, لتقول على لسان نيرانها المشتعلة: "بعدا وسحقا للمغفلين".

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : نورالدين الطويليع

, المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق