أضيف في 19 يوليوز 2017 الساعة 21:26

سلطة الأقدار


المصطفى سالمي

ليت الزمن يتوقف برهة أو يخفف من تسارعه، إنه شبح وغول يهدد أنوثتها، كل يوم يمر من عمرها يغتال جانبا من أحلامها في مستقبل يبدو مجهولا قاتما أكثر من أي وقت مضى، لقد بدأت تجاعيد خفيفة تظهر على مرآتها وتحاول إخفاءها بمساحيق التجميل. كانت في العشرينات من عمرها ترى نفسها أجمل وردة في حديقة الحياة وبستان العمر، ولكن الزهور عمرها محدود، استهلكت الدراسة والشهادات جانبا من حياة مشرقة واعدة، وها هي تصبح مجرد موظفة بسيطة في مصلحة وزارية، رصيدها المعنوي وأناقتها يجعلانها ترضى بواقع عمل كان حقيقة أقل من الطموحات، وها هما الوالدان يرحلان دون أن يفرحا بابنتهما الوسطى، لقد تزوجت أختها الكبرى واستقلت بحياتها، وتزوج أخوها الأصغر واختار البقاء في البيت الكبير، بيت العائلة، ويتفتق الوجود عن وجوه صغيرة كان سيكون لها مثلهم لو حققت الحياة والقدر ما كانت تتمناه، وفي مدينة الدار البيضاء العملاقة الغول استمرت (فاطمة) تعيش حياة متشابهة رتيبة إلى أن اقتحمت أختها (مريم) وزوج أختها (عزوز) غمار حياتها الشخصية مقترحين عريسا يكبرها بما يزيد عن عقدين من الزمن، وأقنعا (فاطمة) بالتفكير في الأمر، ومهدا للقاء والتعارف، تحركت فجأة غرائز الأنوثة في أعماق (فاطمة) بعد أن عاشت ما يشبه سباتا طويلا أشبه بالنوم الموسمي للدببة القطبية، وتحركت الآمال واشتعلت المشاعر التي كانت كالجمر الملتهب تحت الرماد، وتكررت اللقاءات رغم أن (فاطمة) كانت انتظاراتها أكبر بكثير، إنه يظهر كشخص وقور، يعيبه فقط ـ بالنسبة لها ـ لحيته التي تجعله أقرب إلى داعية ديني، ولكنه لم يتردد في شراء كثير من الملابس والهدايا لـ (فاطمة) التي أصبحت شبه مشروع مضمون بالنسبة له، وذات يوم وهما جالسان يتدارسان الاستعدادات الأخيرة لتجهيز لوازم الزفاف وترتيباته أطلق حينها (العربي) من شفتيه ما يشبه الرصاصة اتجاه خطيبته:

ـ ما مقدار أجرتك الشهرية؟

ردت (فاطمة) بتلقائيتها المعهودة:

ـ كما تعرف، فالوظائف الحكومية بالنسبة لسكرتيرة الأجرة فيها لا تتعدى الحد الأدنى للأجور، أو ما يسمى (السميك)..

وبعد لحظة صمت وتأمل من الرجل، ردد:

ـ كنت أظن أن راتبك لا يقل عن ستة أو سبعة آلاف درهم!

وبحدس الأنثى انتفضت (فاطمة) في وجهه وقامت من مكانها مرددة:

ـ كنت اظنك تبحث عن أنثى تكمل بها دينك، لا عن شركة استثمارية تحقق لك الأرباح المادية، هداياك ستصلك في الحين.

حاول (العربي) تهدئتها وأنه لم يكن يقصد شيئا، وأنها مجرد أسئلة فضولية عادية..

تمر الأيام رتيبة قاسية على (فاطمة)، لدرجة أنها نسيت التجربة بعد أن ردت للرجل هداياه حتى الصغيرة التافهة منها، إلى أن كان يوم جاءت فيه أختها بخبر عن عريس جديد، إنه رجل متعقل ناضج، ماتت زوجته بمرض عضال مفاجئ تاركة له ولدين: فتاة في السابعة عشرة من عمرها، وطفل في السادسة، حاولت (فاطمة) الاعتذار عن الأمر، لكن أختها قالت لها بأنها عوض أن تعيش في بيت العائلة مع صغار أخيها وصخبهم، يجدر بها أن تعيش في بيت رجل هو زوجها، ومع أبناء ستجعلهم أبناءها، لكن هذه العبارة طرقت أحاسيسها بقوة، إذ من يضمن لها أن لا يطالبها هذا الزوج المفترض بأن لا تلد له أولادا وأن يكتفي بأولاد الزوجة السابقة، ثم إن الشابة ذات السبعة عشر ربيعا ستكون خصما لدودا لها، ولن تقبل بها بديلا عن أمها، قد تعيش الجحيم مع مراهقة يصعب ترويضها، واعتذرت (فاطمة) بتصميم تاركة المقادير تفعل فعلها، وتمر شهور أخرى، لتتدخّل هذه المرة صديقة لها متحدثة لها عن زميل في المصلحة الإدارية، وقالت لها إنه معجب بأخلاقها ولباسها المحتشم، وانغلاقها على نفسها في زمن الانفلات الأخلاقي، وردت (فاطمة) قائلة:

ـ ولكنه يا صديقتي سكير راتبه ينفقه فقط في الحانات!

ـ ستصلحين أنت من شأنه وتعيدينه إلى جادة الصواب، هذا هو دورك، وكثيرات نجحن في إصلاح الزوج، كما أن أخريات كن السبب في انحراف الزوج وإدمانه على الخمر والمخدرات، بل تسببن حتى في انتحاره!

ـ ولماذا أقامر هذه المقامرة الصعبة التي نسبة الفشل فيها قائمة وراجحة؟

ـ رفضت الملتحي الملتزم، وها أنت ترفضين الآن الضال التائه، ماذا تريدين بالذات؟ هذا هو مجتمعنا القائم على المتناقضات!

ـ سيأتيني كل مساء بقنينة السوائل الحمراء يشترط علي أن أشاركه شربها، وإلا يكسرها على أم رأسي فيهشمها!

ـ أبدا، إن السكارى كرماء، لا كالكهل الطماع الذي كنت ستتزوجينه، فالملتحي يشتري لك في الصباح رغيفا بدرهم، ويعيرك به في المساء، وأثناء الغداء يحصي عليك كل لقمة!

ـ لا لا يا صديقتي، لن أصوم كل هذا الزمن لأفطر على بصلة.

ـ لن تجِدِي حتى هذه البصلة إذا انتظرت وقتا آخر إضافيا، إن هذه العينات التي تقدمت لك هي أفضل ما هو موجود في سوق الرجال لهذا الزمن، صدّقيني، إن الأزمة أكبر مما تتصورين!

ـ كهل طماع، أرمل، وسكير، ماذا بعد كل هذه الآفات؟!

ـ هؤلاء واضحون يفصحون عن أنفسهم، الكارثة هي المصائب التي لا تعرفينها إلا بعد أن تقع الفأس في الرأس، إنهم مثل شراء بطيخ أحمر لا تدري كيف يكون!

تمر الأيام والسنون، وتصبح (فاطمة) كائنا متجهم الملامح، حاقدا على الواقع والناس، لقد غابت البسمة وإشراقة الحياة تماما، تركت الوظيفة الصغيرة التي كان مكسبها مظهرا أنيقا ومكانة معنوية رمزية، واشتغلت في قطاع التعليم الخصوصي، مردودية مادية أكبر، ولكن بمعاناة نفسية مريرة في ظل شقاوة هذا الجيل الصاعد، ومع العزلة الداخلية، والآلام الخفية، وتلميحات مجتمع قاس لا يرحم، ظهرت تجاعيد في أماكن مختلفة من الوجه، وما عادت المساحيق التجميلية كافية لإخفاء ما يمكن إخفاؤه أو طمسه، ومع العجز حل اليأس وتراجعت محاولات التزين والتجمل، ولمن التجمل أصلا؟! لقد تغيرت مفاهيم الحياة، وتعددت دروسها، أصبحت (فاطمة) تستمع لحكايات زميلاتها في العمل وهن يسردن كيف أنهن لا يترددن في إبداء المشاركة المادية في أعباء الحياة وتكاليفها من أجل أن يحظين بزوج المستقبل، فهن لا ينتظرن الإملاءات والشروط، بل يسارعن للاعتراف بها كواقع، كمن يشارك في لعبة ويفرض على نفسه شروطها القاسية، هكذا ما عادت (فاطمة) تستغرب أن تسمع أن (فلانة) تزوجت بعاطل، أو (فلانة) ساعدت زوجها برأسمال لإقامة تجارة أو مشروع ما، فلا شيء من هذا أو أكثر منه يثير العجب، ولكن (فاطمة) تؤكد لنفسها أن الزمن لو عاد بها للوراء فإنها لن تختار إلا ما قررته وما اختاره لها قدرها، ولكن هل تقول أعماقها الدفينة هذا الأمر، لقد كبر صغار أخيها وأطلوا على الحياة، وها هي الأيام بدأت تلتهم آخر سنوات عقدها الرابع، وبدأت (فاطمة) تعود لألبوم صورها وهي في المرحلة الجامعية، صور الإشراق والبهاء، إنها وميض يكرس الانغلاق والقوقعة والكمون، كحلزون عليها البحث عن سبات طويل أبدي، هي الأقدار التي تخطط من أعلى لتفاصيل حياة قد لا نفعل فيها إلا ما تمليه علينا قوى خفية، سطرت منذ الأزل تفاصيل الحكاية، بهذا الاستسلام القدري وحده يمكن أن تستكين الآلام، وتنام في مثواها الأخير أجمل الأحلام.

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق