أضيف في 19 يوليوز 2017 الساعة 12:40

من يحاسب الوالي


رشيد اليملولي

من يحاسب الوالي ؟ .

تقاس الأزمة في المغرب من الناحية السياسية و القانونية و التنظيمية بازدواجية المعايير ، معيار الشرعية السياسية المستمدة أساسا من السلطة الاجتماعية ، و مقياس التعيين و الوصاية الإدارية و القانونية ، باعتبارها تجاوزا صارخا لسلطة المحاسبة الاجتماعية طبعا عبر المؤسسة الفاعلة بقوانينها و إجراءاتها ، و ليس بشبكة علاقاتها .

الخاسر الأكبر في هذه الازدواجية هو المجتمع و الفرد معا و الثقافة السياسية ، فإذا كان معيار الشرعية السياسية يستجيب لمنطق المحاسبة ، و يجعل من التناوب و صراع الأفكار و الاتجاهات عبر البرامج شرطا لازبا لاكتساب مشروعية الفعل السياسي ، فإن التعيين ينفلت من كل قيود المحاسبة الاجتماعية و السياسية لدرجة أن الفاعل الرئيس في كل العملية هو صاحب التعيين ، بل و يعد الوالي أو العامل المسؤول الأول و المباشر عن التنمية في المجال الترابي ، خارج أي تعاقد اجتماعي أو سياسي ، و إن كان من قيمة قد تستخلص في هذا المستوى ، هي وجود نوعين من العمل السياسي ، يرتبط الأول بجذور الانتماء الساخن للمجتمع و التأثر به في حركاته و سكناته ، و محاولة التعبير عن هذا الانتماء بتبني طموحاته ، أحلامه و أحزانه ، و الثاني يستعلي عن المجتمع تارة بالوصاية و أخرى بالتعيين ، و كلها صيغ يراد منها بناء نسيج اجتماعي موالي من دون رأي أو حجة للاحتجاج و الدفاع عن الحق ، و هي قيم تجعل من العملية السياسية مجرد وجود بالضرورة ، تقترب من السياسة لتبتعد عنها ، و تنأى عن العمل السياسي لتقترب من الأمني .

ما الذي تفيده هذه البنية ؟

قد تبدو الكتابة عن إشكال ممتد في التاريخ ، مجرد تصريح بخبر ما دامت الثقافة السياسية و الإرث المرتبط بها يغذي هذا النزوع ، و هذه الفلسفة في تقويض كل مسعى دال نحو الديمقراطية ، التي عادة ما تحولت إلى " عاهرة " في كنف التسلط ووحدانية السلطة بتعبير ابن رشد .

و قد تعني كل الطقوس المرافقة لهذا الميتم ، إيحاءا بوجود شيء ما قد يحيل على الرغبة في الديمقراطية ، و لكن هذا الاختيار يصطدم بالالتفاف على القيمة الإنسانية و الاجتماعية للديمقراطية ، خاصة إذا كان التعالي على المجتمع ، مهما كانت طبيعة الصيغ الموظفة قانونيا أو دستوريا ، مشفوعا بإيمان راسخ و عقيدة لا يشوبها شك ، بأن التصرف يحتكم إلى قواعد خارج ما هو اجتماعي و ثقافي ، و المتفاعل مع القيم الكونية في اعتبار السياسة و التربية ، مجال لا يتقيد بحدود وهمية مصطنعة ، و إنما يتخذ من التفاعل و التراكم و التقييم ، و تجاوز العثرات سمة إنسانية .

لكن لماذا لا يحاسب الوالي ؟ .

الهاجس الثاوي وراء هذا النزوع ـ الإعلام من الأمني و جعله أولوية الأولويات ـ هو تشويه فعل ساس يسوس ، و جعله مرتبطا بكل قيم الحربائية و المراوغة و الالتفاف ، و الأكثر من هذا اعتبار السياسة طريقا معبدا نحو غياهب السجون و ردهاتها ، و إخراج الفرد من خدمة الدولة بالاحتجاج عليها أو معارضتها ، وجعله " مسخوطها " و حقيرها ، في مقابل الإغداق على خدامها ، و الإعلاء من شأنهم ، و إضعاف و تقزيم الأحزاب في أفق تنحية دورها ، و جعله غير حاسم و في أحسن الأحوال غير فعال بالمرة .

تفصح التجربة المغربية عن الكثير من معالم شيطنة الفعل السياسي ، و تبرئة الأمني في شخص ولاته ، بالرغم من الملف التنموي الفاشل الذي قاده الولاة و العمال و الدولة السلطوية القابعة خلف إطارهما النظري ، لدرجة أن التجربة السياسية المغربية وفق دستور 2011 و جهويتها المتقدمة ، لم تع بعد حجم و طبيعة و نوع الإجهاض المتوالي للتجارب التنموية التي تحمل مسؤوليتها العديد من الولاة و العمال على رأس هرم السلطة الفعلية صاحبة المبادرة في تنفيذ أو عرقلة المشاريع باسم قانون الوصاية ، و يكفي الوقوف عند نظام الجهوية الموسعة الذي تبناه المغرب في إطار " تطوير نموذج الديمقراطي " .

قد يعزى الفشل في الانتقال من 16 جهة بعد 14 سنة من التطبيق ، في طبيعته إلى الصلاحيات الحقيقية المكفولة لسلطات الوصاية أي العمال و الولاة ، الذين يعينون بشكل مباشر من المركز الإداري للدولة ، و في هذا المستوى ظلت الدولة حبيسة تصورها الخاص لعلاقتها بالمجتمع ، من خلال سياسة الريبة و الاحتياط و التعامل الحذر المؤطر بسياسة أمنية تكرس لنهج سلطوي ، يرى نفسه المنتج الحقيقي للمفاهيم السياسية و التنموية .

على الرغم من الاختصاصات التي أنيطت بالجهة وفق ما جاء في دستور 2011 في بابه التاسع من الفصول 135 إلى 146 ، يصطدم بحوالي 70 تدخلا للوالي ـ السلطة الوصية ـ في عمل رئيس الجهة ، و هذا ما يؤشر فعلا على التدخل الساعي إلى إنتاج التنمية السلطوية و ليس التنمية الاقتصادية و الاجتماعية ؛ فرقي الوثيقة الدستورية من خلال إعلاء قيمة الجهة و مختلف السلط الممنوحة لها ، و هذا لا يعد كافيا ما دام مرهونا قسرا بطبيعة تصور الفاعلين الرئيسيين ، و حسن النية المرافق للوثيقة الدستورية لا يشكل ضمانة تكتسي فعالية التنزيل سياسيا و حقوقيا .

تبدو الجهة وفق المنطق الأمني المغربي جهة تنطلق من الفكر نحو المجال ( التطويع و الإدماج ) بدل الارتفاع من المجال نحو الفكر ( التدرج في البناء و إيجاد سبل النجاح و الإنجاح ) .

إن الغاية من الجهوية المتقدمة لا تتماشى مع المتطلبات التنموية الداخلية ؛ إي أن عملية بناء المجتمع داخل المشروع المجتمعي تتخلف عن هذا المسار الجهوي ، الذي يتطلب فك الارتباط بين الدولة الأمنية و الريعية ، أي الفصل القانوني و السياسي بين الاختصاصات ، و جعل مؤسسة السلطة الاجتماعية مصدرا لا محيد عنه في بناء الدولة ، و ليس التعالي على المجتمع بأي صيغة من الصيغ .

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق