أضيف في 16 يوليوز 2017 الساعة 20:17

حالة اكتئاب جماعية


المصطفى سالمي

جلس (حمو) على كرسي في مطعم فاخر، كان الناس يأكلون من أصناف فاخرة وضعت على الطاولات: أسماك من أنواع شتى، ووجبات سريعة خفيفة وأخرى اندست بين الأطباق التقليدية قادمة من وراء البحار والمحيطات، كان المطعم يلبي ويرضي أذواقا مختلفة: (طاجين) و(شاورمة) ولحم دجاج مشوي أو مطبوخ في مرقه.. و(سلطة) وأرز وبطاطس مقلية وفاكهة موسمية.. أدخنة متصاعدة من هنا وهناك، وروائح زكية تبعث الشهية في النفوس، كان الناس بعضهم يأكل والبعض الآخر ينتظر أن يلبي النادل طلباته، وأثناء ذلك يتصفح شاشة هاتفه الذكي.

عادت الذاكرة بـ (حمو) إلى سنوات بعيدة للوراء، حين كان هذا المطعم نفسه ذات عام من أعوام سبعينيات القرن الماضي يقدم الحساء التقليدية لزبائنه، يتناولونها مع قطع خبز الشعير الأسود والبيض المسلوق، كان هؤلاء بعد الحساء يشربون الشاي متحلقين حول لعبة الورق، ويستمر صراخهم وحماسهم إلى ما يقرب من منتصف الليل، كانت السعادة ـ وقتها ـ لا تكاد تفارق (حمو) وخاصة مع ظهور جهاز التلفاز باللونين الأبيض والأسود، لكن وجوه وأجواء وظروف اليوم غير الأمس تماما، لقد كانت أربعة أو خمسة دراهم تملأ البطن، وكانت الجلسة وقتها تملأ الوجه تلألؤا وإشراقا وسعادة، وها هم زبائن اليوم ينفقون عشرات وربما مئات الدراهم في الوجبة الواحدة، ويتناولون أصنافا شتى من الأطعمة الفاخرة، ويلبسون ملابس لا علاقة لها بملابس ذاك الزمن البئيس، ولكنهم رغم ذلك مكتئبون متجهمون، منشغلون بأشياء لا ترى. كان المارة شأن من هم جلوس لا يقلون شرودا، يمرون بسرعة كأنما تطاردهم أرواح شريرة، وبين الفينة والأخرى يمر بعض المتسولين الذين هم غير متسولي الزمن الغابر الذين كانت تسعدهم كسرة خبز يابسة، بينما متشردو اليوم هم من المحترفين لا من الهواة، لذلك يعيشون التشرد بكل أحاسيسهم العميقة.

ملأ (حمو) معدته بسرعة ودون أن يستلذ أو يستسيغ ما كان يأكله، فالسرعة وكثرة المشاغل تجعله لا يحس بمرور الوقت، لقد مضى زمن كان يجلس فيه على حصير، ويطوي رجليه وهو يأكل ويتذوق محدثا بلسانه ولعابه وشفتيه أصواتا مسموعة تعبر عن التلذذ، مع أنهم في الزمن الغابر ذاك ما كانوا يعرفون إلا المرق والكسكس ـ في الغالب الأعم ـ من أصناف وجباتهم.

استعد (حمو) للانطلاق نحو عمله، كانت رنات هاتفه لا تتوقف، إنها تنغص عليه مأكله ومشربه، ولكنها ضرورية بالنسبة له، لأنها تنبهه إلى مواعيد لا يستطيع بدون هذا الجهاز أن يتذكرها، فهو أصبح سريع النسيان، كثير الاهتمامات. طأطأ الرجل رأسه وهو يتوجه نحو ورشة عمله، فزبائن مهمون في انتظاره، إن لعنة خفية تجعله ـ دون أن يدري ـ كئيبا مثل معظم أهل هذه المدينة من الأشقياء التعساء، رغم بريق وشعاع الألبسة والأطعمة والأرصدة المالية، ورغم السيارات الفارهة والمباني البهية الزاهية الراقية، فهل تكون عملية التعويض التي تسرق البهجة الحقيقية كلما قدمت كمقابل لذلك أصنافا من المظاهر الخارجية المتلألئة؟!

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق