أضيف في 15 يوليوز 2017 الساعة 11:19

بلدياتى د. مصطفى محمود


إبراهيم عوض

بلدياتى د. مصطفى محمود

د. إبراهيم عوض

حين اتصل بى الأستاذ فيصل أكرم الكاتب بجريدة "الجزيرة" السعودية للمشاركة بكلمة فى الملف الخاص الذى كانت الجريدة المذكورة تنوى أن تخصصه للدكتور مصطفى محمود، شفاه الله وأطال عمره وأسعده وهنّاه، والذى صدر فعلا مع عدد الاثنين الرابع من رجب 1429هـ، الموافق للسابع من يوليه 2008م، لم أستطع أن أمنع نفسى من الحزن بسبب طبيعتنا غير المتحضرة القائمة على إهمال العلماء والمفكرين وكل من ينفعنا من كبار الرجال، وإن كنت لا أبالى أن يحدث هذا لى عندما يحين دورى، ولسوف يحدث بكل يقين، مع فرق هام هو أننى لم أكن فى يوم من الأيام مشهورا شهرة الدكتور مصطفى محمود ولا غير الدكتور مصطفى محمود. إلا أننى قد دعوت الله منذ وقت بعيد أن يصرف عنى الرغبة فى الشهرة أو انتظار المكافأة على ما أفعل من أحد من البشر، وهو دعاء أحس أن الله تعالى جَدُّه قد استجابه لى. وهذه منة عظيمة لولا هى لكانت حياة الإنسان مرة مرارة لا تطاق. فالحمد لله. إلا أن لموقفى من حالة الدكتور مصطفى محمود وضعا آخر.

ولقد فكرت فى طبيعة الكلمة التى أُسْهِم بها فى الملف المذكور، واحترت لمدة يومين، وأنا لا أدرى ماذا أصنع... إلى أن انفرجت الحيرة بُعَيْد مغرب الجمعة الثامن من جمادى الآخرة لعام 1429هـ الموافق للثانى عشر من يونيه من عام 2008م، إذ برقت خاطرة فى ذهنى وأنا أتوضأ للصلاة مؤداها أن أنظر فى بعض أحداث حياة كاتبنا اللافتة للنظر ثم أحاول استلهام الدروس منها، فوجدت نفسى بعد الانتهاء من الفريضة أتجه إلى الكاتوب وأجلس إليه وأبدأ الرقن، فكانت تلك الكلمة التى انتهيت منها فى شوط واحد تقريبا لم أقطعه إلا لأداء بعض الأمور البسيطة.

والآن إلى بعض ما شدنى فى حياة الدكتور مصطفى محمود: لقد لفتتنى بقوة فى حياة الرجل ذلك التبرع الذى قدمه له أحد رجال الأعمال فى صورة "صَكٍّ على بَيَاض" كما يقولون كى ينفق منه على إعداد حلقات برنامجه الشهير: "العلم والإيمان". وكان التلفاز المصرى قد قرر لكل حلقة مبلغ ثلاثين جنيها لا غير، فى الوقت الذى تتكلف فيه الحلقة أضعاف أضعاف ذلك المبلغ، مما وقف الدكتور مصطفى أمامه حائرا يائسا لا يدرى ماذا يصنع، فجاءت مبادرة رجل الأعمال الشهم الكريم لتنقذ الموقف. والحق أن ذلك الشخص الذى تحمل كل تلك النفقات الطائلة هو عندى أفضل ممن يبنى مسجدا مثلا، إذ إننا لا نشكو، والحمد لله، من قلة المساجد فى بلادنا، بل من انتشار الجهل وعدم اهتمام الأغنياء بنشر الثقافة والعمل على إيصالها لمن يحتاجها ولا يستطيع القيام بنفقاتها. وأنا أنتهز هذه الفرصة وأدعو أغنياء العرب والمسلمين إلى تبنى هذا المشروع، مشروع نشر الثقافة بين جماهير المسلمين المغيبة العقل، تاركا لهم الاستعانة بالمختصين كى يرسموا لهم الطرق الموصلة إلى هذا الهدف، وإن كان من الممكن أن أشير هنا إلى ما أكرره دائما من أن معظم أغنيائنا للأسف (وكذلك الحال مع الفقراء وأوساط الناس أيضا حتى لا يغضب أحد) لا يفكرون أبدا فى شراء كتاب ولا فى قراءته. ورأيى أنهم إذا كانوا لا يقرأون ولا يريدون أن يقرأوا، وهذا بلا أدنى ريب عيب، وعيب قبيح، فلا ينبغى لهم أيدا أن يضيفوا إلى هذا العيب القبيح عيبا آخر، وهو عدم تشجيع من يريد القراءة ولكنه يعجز عن تدبير المال اللازم لها، وكذلك عدم تشجيع المؤلفين، الذين يستطيعون أن يكتبوا ويبدعوا ويخدموا أمتهم ودينهم وشعوبهم، إلا أنهم تنقصهم نفقات طبع الكتب التى يؤلفونها فيتوقفون يائسين مكروبين، على حين يستطيع الأغنياء أن يتقربوا إلى الله بشراء مثل هذه الكتب وإهدائها حسبةً إلى القارئين غير القادرين فينفعوا بذلك الطرفين: المؤلفين والقارئين على السواء، ويكسبوا بذلك أجرين لا أجرا واحدا، والله يضاعف لمن يشاء.

وأنا من هذا المنبر أرفع يدى إلى السماء وأبتهل إلى الله أن يكرم ذلك الغنىّ الذى قدم الصك المفتوح إلى الدكتور مصطفى وقال له: أنفق على حلقاتك كل ما يحتاجه هذا المشروع، ولا تشغل بالك من هذه الناحية، وأدعوه سبحانه أن يكتب له الفردوس الأعلى. فهذا الرجل هو مثال للمسلم الغنى المتحضر الذى يفهم الإسلام فهما عميقا ولا يكتفى بذلك بل يطبق هذا الفهم أحسن تطبيق. اللهم آمين. أما التلفاز المصرى الذى أوقف إذاعة تلك الحلقات بعد أن نجحت نجاحا هائلا واستولت على ألباب المشاهدين، وكانوا يجنون منها شهدا علميا صافيا، فليس له عندى إلا أن أقول: أنت بهذه الطريقة لا ترحم ولا تترك رحمة ربنا تنزل. وهنيئا لك اهتمامك بالتفاهات والمضار الكثيرة التى أفسدت عقول الناس على اختلاف أعمارهم وطبقاتهم، وإن لم تكن أنت وحدك الذى تصنع هذا، بل كل التلفازات العربية تفعل نفس الشىء. روحوا، منكم لله!

ومما له دلالته هنا أن د. مصطفى محمود قد جمع بين الخيرين: العبادة والعلم، إذ بنى من أموال أهل الخير والصلاح مسجدا، وألحق به أربعة مراصد ومتحفا تلقى فيه المحاضرات العلمية، ثم زاد فأنشأ مستشفى لمعالجة المرضى بأجر رمزى. ولو أنه أضاف إلى هذا تشجيع الكتاب المبتدئين الذين يُشَام منهم الخير، من خلال طبع ما يؤلفون من كتب ودراسات فى المجالات التى لا تجد من يقبل عليها من الباحثين والعلماء، لكان قد بلغ سماء عالية من سماوات الخير والنفع الجزيل، وبخاصة أن هذا العمل لو تم لاجتذب الانتباه وحذا حذوه كثير من الناس. ومع هذا فيحمد له ما فعل، وعلى غيره أن يواصل الطريق ويكمل المشروع.

أقول هذا لأن للعلم والثقافة فى الإسلام مكانة لا تدانيها مكانة حتى لقد فضل الرسول الكريم العلماء على العابدين تفضيلا كبيرا، وأكد صلوات الله عليه أن سبيل العلم توصل صاحبها إلى الجنة. كذلك فالله لم يأمر رسوله بالاستزادة من شىء سوى العلم: "وقل: رب، زدنى علما"، وبيَّن عز شأنه أنه لا يمكن أن يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون. ومع هذا فإن المسلمين، فى هذه الفترة التاعسة البائسة من تاريخهم، يبغضون القراءة وأمور الفكر والثقافة بغضا شديدا كأنها سمٌّ ذُعَافٌ رغم أن الإسلام لا يصلح دون علم، إذ هو عنصر جوهرى فى بنائه لا يتم إلا به، فضلا عن أنه لا مستقبل للمسلمين إلا بالعلم والثقافة مهما ظن العوام والقاصرون منهم خلاف ذلك.

ومما لفت نظرى أيضا بقوة فى حياة الدكتور مصطفى محمود ما قرأته من‏ أن الرئيس السادات قد ‏طلبه‏ ذات يوم‏ ‏ليكلفه‏ ‏بمهام‏ ‏وزارة‏ ‏من‏ ‏الوزارات‏، بَيْدَ أنه ‏اعتذر‏ ‏قائلاً:‏ لقد‏ ‏فشلت‏ ‏في‏ ‏إدارة‏ ‏أصغر‏ ‏مؤسسة‏، ‏وهي‏ ‏مؤسسة الزواج‏، ‏فقد‏ ‏تزوجت وطلقت مرتين‏، فكيف أستطيع أن أنهض بأعباء وزارة من الوزارات؟ وفوق ذلك فإنى ‏أرفض‏ ممارسة ‏السلطة‏ ‏بكل‏ ‏أشكالها. ولأنى أنا مثله لا أحب الأعمال الإدارية فقد أحببت هذا الموقف منه حبا عظيما. وإنى لأستغرب تهافت كثير من المفكرين وأساتذة الجامعة على أن يتولَّوْا منصبا وزاريا، مع أن مكانة المفكر والمبدع والأستاذ الجامعى لا يعادلها، فى رأيى، أى منصب وزارى مهما علا شأنه، وبخاصة أن الوزراء فى بلادنا لا قيمة لهم فى كثير من الأحيان ولا يتمتعون بأية حرية، بل هم أقرب إلى الخدم، إذ عليهم أن يصدعوا بالأمر دون أن يتنفسوا. أو هكذا نفهم الأمر. وأنا دائما ما أقارن بين رجلين فى العصر العباسى: أحدهما هو الجاحظ الأديب المفكر المبدع العظيم الذى عُيِّنَ كاتبا فى ديوان الخليفة العباسى المأمون بن الرشيد فتردد عليه لمدة ثلاثة أيام، ثم لم يطق الاستمرار بعد ذلك فاستعفى فأُعْفِى. والثانى هو سهل بن هارون، الذى كان يتولى شؤون بيت الحكمة فى عهد المأمون أيضا، وهى مؤسسة تشبه هيئة الكتاب المصرية الآن. ومن كلام سهل فى هذا الموضوع أن الجاحظ لو كان بقى فى الديوان لأفل نجم الكتاب جميعا. ومع هذا فقد رفض الجاحظ الاستمرار فى ذلك العمل الإدارى لما فيه من تضييق على حريته. ورغم أن سهلا لم يكن شخصًا عاديًّا ولا كان الإداريون بوجه عام فى ذلك العصر أشخاصا عاديّين، بل كان كثير منهم من كبار المثقفين، كما كان عدد غير قليل منهم كتابا وأدباء يشار لهم بالبنان، فإن أعباء العمل الإدارى لم تترك له من الفراغ وروقان البال ما كان يتمتع به الجاحظ. وهذا سبب من الأسباب التى تكمن وراء الفرق الهائل بين ما خلّفه الجاحظ وما خلّفه سهل من الإبداعات كمًّا وكيفًا. وأنا أوثر الجاحظ على سهل إيثارا شديدا لهذا، ويكفينى أنه قد أمتع ويمتع وسيظل يمتع العقول الكبيرة والأذواق الراقية على مدى الدهور إلى يوم يبعثون، ويأخذ بأيديهم إلى الأعالى دائما أبدا. وهذا عندى أفضل وأعظم وأكرم من وزارات الدنيا جميعا.

لفتنى كذلك فى أمر الدكتور مصطفى أنه كان فى بداية حياته الفكرية شاكًّا، وبعضهم يقول: بل كان ملحدا. ورغم أنى لم أمر بمثل تلك الفترة فى مسيرة حياتى، وإن كنت أتوقف بين الحين والحين لأقلب الفكر فيما أومن به، وأفعل ذلك دون خوف أو تحرج، ودائما ما أخرج من المعاودة أقوى اعتقادا وأعمق فهما وأصلب موقفا وأبصر بأبعاد جديدة فى أمور الحياة والدين والإيمان، فإنى لا أجد شيئا فى أن يشك الإنسان، لكن المهم أن يكون الشك نابعا من داخله هو لا تقليدا لأحد آخر. فكثير من الملاحدة بين المسلمين الحاليين ليسوا ملاحدة عن اقتناع وتفكير بل عن تقليد لما يَرَوْنَه فى الغرب أو بين زملاءَ لهم يخشون أن يخالفوا لهم عن أمر. وكنت أعرف فى شبابى بعض هؤلاء، كما كان معنا من طلاب الجامعة من ألحدوا لحساب الشيوعية والاتحاد السوفيتى، ثم فوجئنا بهم ينقلبون على وجوههم مع انقلاب الأحوال فى بلادنا وييممون وجوههم وعقولهم شطر العم سام، مع احتفاظهم بإلحادهم القديم بعد إعطائه نكهة ورائحة أمريكية، ولله فى خلقه شؤون. وعلى أية حال فالفيصل بين شك وشك هو الفيصل بين شخص يريد بلوغ بر اليقين والاطمئنان الروحى وبين شخص يستزيد من الكفر ويوغل فيه لأن هذا الكفر يطلق له الحبل على الغارب فيصنع ما يشاء ويجرى وراء شهواته وانحرافاته وشذوذاته ملء عنانه دون رقيب ودون تفكير فى حساب أو عقاب. ومصطفى محمود لم يترك الشك يغتال عقله، بل ظل يفكر ويعاود النظر والتأمل حتى هُدِىَ إلى الإيمان وسجل هذه التجربة الغنية فى كتاب من أهم كتبه، بل من أهم الكتب فى ميدانه، وهو "رحلتى من الشك إلى الإيمان"، الذى قرأناه له بعد صدوره بقليل واستمتعنا بقراءته ورأينا الحرب التى أُعْلِنَتْ عليه من رفاق الأمس الذين ساءهم أن يهتدى واحد منهم من ضلاله القديم. بالضبط مثلما استاء رفقاء الدكتور محمد حسين هيكل الذين كانوا يسيرون معه على نفس درب الإعجاب بالغرب والتبعية له والثقة به عندما ألف كتابه فى سيرة المصطفى، واجدا نفسه بعد الضياع الذى ضاعه أيام بعثته إلى فرنسا للحصول على درجة الدكتورية فى الاقتصاد السياسى والذى سجل بداياته بكثير من التفصيل فى كتابه: "مذكرات الشباب"، ذلك المخطوط الذى ظل حبيس الظلام أكثر من ثمانين عاما ورأى نور النشر لأول مرة فى منتصف تسعينات القرن الماضى وتناولتُه بالدراسة التحليلية فى فصل كامل من كتابى عن "الدكتور هيكل ناقدا وأديبا ومفكرا إسلاميا".

كذلك قرأت ذات مرة فى إحدى الصحف تحت عنوان "عاش طويلا في التابوت" أن الدكتور مصطفى محمود كان، قبل أن يداهمه المرض الحالى، يقيم معظم الوقت في غرفة فوق مسجده يسميها: "التابوت"، وأن الموت لم يكن يبارح مخيلته. وسبب التفاتى إلى هذه المعلومة أننى أنا أيضا دائم التفكر فى الموت منذ أعوام غير قليلة لا يكاد يغيب عن بالى بعد أن كنت أفزع من فكرته وأحس بالحزن لأننى بعد كل تلك السنين سوف أغادر الدنيا وأُطْرَح فى التراب وحيدا لا حول لى ولا طول ولا قوة، ويأكلنى الدود ويصبح جسدى رميما كأنْ لم يكن، مع أنى كنت ولا أزال قوى الإيمان بالله وباليوم الآخر، لكن ماذا يستطيع الواحد منا أن يعمله أمام مثل تلك المشاعر؟ إلا أن الأمر انقلب تماما منذ مدة ليست بالقريبة وأضحيت أتكلم عن الموت وما أرجوه من كرم المولى الرحيم عز شأنه كما أتكلم عن رحلة أنوى القيام بها. والطريف أن كل من يسمعنى أتحدث عن موتى يسارع بالرد قائلا: بعد الشر! فأقول: أوتظن يا فلان أن كلامى هذا سوف يقرّب الموت منى أسرع مما قدر الله لى منذ الأزل؟ لكن الناس يتشاءمون عموما بالحديث عن الموت، وكأن الموت رجل نائم، ومن شأن الكلام عنه أن يوقظه من غفوته. وعادة ما أضحك وأنا أتذكر الموت فى حوارى مع معارفى، وهذا الضحك علامة قوية على قوة التفاهم الذى أصبح يربطنى به.

وبالمناسبة كان علىّ منذ يومين أن أعمل أشعة بجهاز الرنين المغناطيسى على رقبتى، التى تبين بحمد الله أنه ليس فيها إلا بعض الخشونة، وهو أمر عادى تماما فى مثل سنى. وفى البداية لم أكن مرتاحا إلى الدخول فى الجهاز الذى أشبّهه ضاحكا بكبسولة الفضاء مما أضحك الطبيبة صاحبة اقتراح الأشعة. وكدت أقوم من رقدتى حين وضعت الممرضة شيئا يشبه نظارة بلا زجاج على وجهى وأذنى لتخفيف وقع صوت الجهاز العنيف على سمعى لولا أن قلت لنفسى: عيب يا أبا خليل، فقد خرجَتْ قبلك مباشرة سيدة بسيطة دون أن تحدث ما سوف تحدثه أنت من ضجة وإرباك. فهل تعجز، وأنت الرجل، وإن لم تكن لك شوارب يقف عليها الصقر ولا حتى أبو فصادة، أن تتحمل الشعور بأنك محصور داخل هذا الأنبوب لمدة عشرين دقيقة؟ ثم توكلت على الله وتركت الممرضة تدفعنى إلى داخل الأنبوب بعد أن أغمضت عينى وشرعت أركز تفكيرى كله فى ربى ، وظللت أجرى حوارا طوال الوقت من جانبى أقرأ فيه الآيات القرآنية التى تتحدث عن يونس وهو فى بطن الحوت فأجد لذة غريبة. ولم أعد أشعر بأنى محصور ولا مقيد، بل كنت أتخيل أن سقف الأنبوب هو نفسه سقف الغرفة. كما كان الهواء بالداخل فى غاية الإنعاش، وأحسست أننى قريب من الله تمام القرب، ولم أكف عن الابتهال له من أجل أولادى. ودعوتُه، إذا ما قُدِّر لى أن تكون نهاية عمرى فى تلك الكبسولة، أن يسامحنى فلا يعذبنى على ذنب اجترحته. وكنت أسأل نفسى وأنا ممدد هناك: ماذا لو حدث شىء أدى إلى موتك وأنت بداخل هذا الأنبوب؟ فأجبت قائلا: وماذا فى ذلك؟ وهل أنا استثناء من البشر؟ ألم يمت الرسل أنفسهم، فما بالى أنا؟ ثم إن فى العالم مليارات من البشر، ولن يضيرهم أن ينقصوا واحدا لا يقدم ولا يؤخر. فسكنتْ نفسى عندئذ أيما سكينة. وكانت تجربة روحية عميقة خرجت منها فى منتهى السعادة. وحين غادرت المستشفى إلى الشارع كانت الدنيا أجمل وأبهج.

هذا، ولا يصح أن يفوتنى التنويه بأن الدكتور مصطفى، شفاه الله، قد نشأ فى طنطا قريبا من مسجد السيد البدوى، وهو المسجد الذى كنت أتردد عليه بعد انتهاء اليوم الدراسى فى المرحلة الإعدادية حيث كنت أستذكر دروسى وأصلى الأوقات كلها مع المصلين، وحيث كنت ألعب الكرة أحيانا حوله ليلا مع بعض أبناء قريتى الذين يتلقون العلم مثلى فى طنطا. بل لقد سكنت ذات مرة فى غرفة بإحدى الحارات المطلة على المسجد الأحمدى وأنا فى السنة الأولى الثانوية. أى أننا نشأنا فى نفس الجو تقريبا، وإن كان هو أكبر منى بسبعة وعشرين عاما. وهذا مما يشعرنى الآن بأن كلينا قريب من الآخر، وهو ما أضفى على هذه الكلمة شيئا من الدفء والحميمية، إلى جانب ما أعدانى به الأستاذ فيصل أكرم الكاتب بجريدة "الجزيرة" السعودية والمشرف على الملف الحالى، فقد اتصل بى برسالة مشباكية على غير معرفة بيننا وطلب منى مشكورا أن أساهم بكلمة فى الكتابة عن الدكتور مصطفى محمود لافتا نظرى إلى أن من حق الرجل أن يشعر بنا حوله فى ظروفه الحالية، فخلق عندى بهذا الطلب إحساسا بالقرب من العالم الجليل قبل أن أتذكر أنه قد نشأ كما نشأت فى طنطا، تلك المدينة التى تلقيت فيها تعليمى فى أثناء المرحلتين الإعدادية والثانوية والتى لى فيها كثير من الذكريات والأفراح والأشجان، وكنت أحلم بها فى أكسفورد وأنا متغرب أدرس للحصول على درجة الدكتورية فى النقد الأدبى فى النصف الثانى من سبعينات القرن الماضى.

ولا يفوتنى أن أشرح للقارئ أنه لم تكن لى صلة مباشرة بالدكتور مصطفى فى أى وقت، ولم يحدث فوق ذلك أن رأيته مواجهة، بل تقتصر معرفتى به عن طريق كتبه ومقالاته وبرنامجه عن "العلم والإيمان". ومع هذا فقد أرسلت له ذات يوم من عام 1984م أستسمحه فى نقل ما كان قد كتبه فى بعض مؤلفاته عن النتائج التى توصل إليها رشاد خليفة بخصوص الرقم 19 فى القرآن الكريم ودلالته على إعجازه ومصدره الإلهى. وكنت أيامها حديث عهد بالعودة من بريطانيا، ولا أزال أتذكر التحقيق الذى كنت قرأته قبل سفرى إليها فى أواسط السبعينات من القرن المنصرم عن ذلك الموضوع. فعندما أردت آنئذ أن أصدر كتابى: "المستشرقون والقرآن" خطر لى أن ألحق به الفصل الذى كتبه الدكتور مصطفى فى تلك القضية، فكتبت له رسالة بذلك وبعثت بها طالبا من طلابى الذين يعرفون مسجده ويترددون عليه للصلاة فيه، فوافق الرجل بخط يده مشكورا، ونشرت الفصل المذكور فى آخر الطبعة الأولى من ذلك الكتاب. إلا أن الطلاب سرعان ما نبهونى مشكورين إلى ما كنت أجهله جَرّاء غيبتى عن البلاد طوال ست سنين فى بلاد جون بول، وهو أن عددا من العلماء والباحثين قد ردوا على ما قاله رشاد خليفة وبينوا أنه لا يصمد أمام البحث العلمى، فطلبت منهم أن يوافونى بذلك فأحضروا بعض تلك الردود، فقرأتها لأجد نفسى وقد حاكت فيها أشياء بعد أن كنت مطمئنا إلى ما قرأته عن ذلك الموضوع من قبل. ولهذا يجدنى القارئ قد حذفت هذا الملحق من كتابى السابق ذكره فى طبعته الثانية. ليس ذلك فقط، بل زادت معرفتى بفكر رشاد خليفة ابن قرية شبرا النملة، التى تبعد عن طنطا فى اتجاه مدينة كفر الزيات بضعة كيلومترات والتى لعبت فيها ذات عصرية مع بعض زملائى مباراة ضد فريقها فى أواسط الستينات حين كنت طالبا فى المرحلة الثانوية. وكانت ثمرة هذه المعرفة، وهى مستمدة من الموقع الذى يحمل اسمه ومن ترجمته البهلوانية للقرآن العزيز، أن كتبت عنه دراستين مطولتين فضحت فيهما انحرافاته وضلالاته والشذوذ الذى تتسم به تلك الترجمة.

وفى النهاية أحب أن أقول إننى لا أتفق مع كل ما كتبه الدكتور مصطفى، وهذا أمر طبيعى، فليس هناك كاتب أو مفكر يتفق معه جميع الناس فى كل ما كتب، بل الطبيعى أن يكون هناك ولو بعض الاختلاف فى الآراء والأفكار ووجهات النظر. ومن ذلك مثلا ما كتبه عن الشفاعة وتصوُّره أنها تناقض العدل الإلهى وأن القرآن لم يقل بها، مع أن القرآن الكريم قد تحدث عنها فى مواضع متعددة منه، وإن لم ينص بصريح القول على شفاعة النبى بالذات، وهو ما لا يصلح رغم هذا أن نتخذه متكأ لنفى شفاعته لأنه ما دام القرآن قد قرر مبدأ الشفاعة، وإن كان قد علقها على مشيئة الله وإذنه، فهل هناك من يَفْضُله ممن يمكن أن يأذن الله له فيشفع فى بنى البشر ويحرمه هو؟ كما أن الشفاعة لا تناقض العدل الإلهى، إذ لا أظنها ستكون لكل من هب ودب، بل أتصورها ستقوم على قواعد دقيقة. ولعلنى لا أكون مخطئا إذا شبهتها، من باب التقريب ليس إلا، بقواعد الرأفة فى الامتحانات المدرسية والجامعية، إذ لهذه الرأفة قواعد تنظمها، فهى فقط للطلاب الذين اقتربوا من درجة النجاح، لكنهم قصروا قليلا فلم يبلغوها. ويريد المولى سبحانه أن يتم عفوه عن المقصرين على يد خاتم الأنبياء وأكبرهم شأنا، إذ هو صاحب الدين العالمى الوحيد الذى وضع الأسس لحضارة إنسانية تقوم على الإيمان السليم وعلى الخلق الكريم وعلى العلم والتفكير وعلى الذوق الراقى الجميل وعلى السلوك اللائق ببنى الإنسان جميعا، ولا يقتصر على بعض المواعظ التى لا تبنى حضارة ولا تنشئ مجتمعا. ثم ماذا نفعل بالأحاديث النبوية التى تؤكد شفاعته عليه الصلاة والسلام؟ وحتى لو قلنا إن أحاديث الشفاعة لم يصح منها شىء لدى الدكتور مصطفى فإن آيات القرآن تقررها كما قلنا، ولا معنى لاستثناء سيد الرسل بالذات منها. وهذا لو قبلنا أن تكون كل الأحاديث فى هذا الصدد غير صحيحة، وهو أمر مستبعد أشد الاستبعاد. وهناك أمثلة أخرى نكتفى عنها بهذا المثال لأن السياق ليس سياق اختلاف بقدر ما هو سياق تعاطف وتشارك وجدانى، فكلنا نستقل زورقا واحدا فى بحر الحياة اللجى المتلاطم، والزمن دوار، ولسوف يسعدنا إذا ما قُدِّر لنا الوقوع تحت وطأة التعب أن نجد الآخرين يهتمون بنا ويظهرون مشاعرهم الطيبة نحونا. شفى الله الدكتور مصطفى محمود وأسعده. ولقد قلت ذات مرة فى رسالة بعثت بها من الطائف إلى الدكتور صفاء خلوصى حملها له الدكتور يوسف عز الدين حين سافر فى أحد الأصياف من تسعينات القرن الماضى إلى بريطانيا حيث كان يعيش الدكتور خلوصى، الذى بلغنى وقتها أنه مريض: لو كانت لى دعوة مستجابة عند الله لرجوته عز شأنه أن يمحو المرض بكل أنواعه من قاموس الحياة!


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : إبراهيم عوض

أستاذ جامعى   / , مصر


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق