أضيف في 12 يوليوز 2017 الساعة 21:21

حتى الحمير بيتيمة المدائن تبكي وتصرخ وهي عَطْشَى!!!


نورالدين الطويليع

رأيت اليوم قوما خرجوا من أجداث هضبة الكنتور, أجسادا يابسة تظهر عليها علامات الاجتفاف, ووجوها تنطق ببؤس الأرض الجافة القاحلة, وملامحَ تسلم نفسها منذ البداية, لمن يريد, مفاتيح قراءتها, كلوحة رسمت بدقة عالية لتعبر عن واقع عنوانه العريض جفاف الإنسان والأرض, وجفاف الضمير الذي ما عادت تؤلمه نفوس ظمأى تستجدي شربة ماء وتتوسلها, ولا من يرد تحيتها البائسة بمثلها أو بأقل منها, أو يقول لها:لقد أوتيت سؤلك، فارم نعال النحس والخيبة بعيدا، إنك بأرض اليتيمة المقدسة الضاربة جذورها في تاريخ الإنسان الأول.

وربما لانتمائهم إلى قطعة العذاب هذه المسماة يتيمة المدائن, اقتضى الأمر أن يزج بهم في دائرة الجوع والعطش, وأن يكتفوا بالتقاط خشاش الأرض ليقيموا أصلابهم الواهنة النخرة, وأن يتيمموا لأداء صلواتهم, ويطلبوا من العلي القدير أن يرحمهم لوجه حميرهم التي رفعت اليوم أصواتها أمام مبنى العمالة, ونهقت بكل ما أوتيت من قوة صوت, لتقول لمن يهمهم الأمر أنها, وإن تحمل مالكوها العطش الشديد, طفح بها الكيل, ومَلَّتِ الصمت, ولم تعد لها طاقة لمزيد من العذاب, نهيق متصاعد جمع بين التوسل والغضب, اختار له أصحابنا الحمير أن ينطلق مدويا في لحظة صَمَتَ فيها الجميع, بعدما بَحَّتْ حناجر الإنسان الذي قطع أزيد من عشرة كيلومترات مشيا على الأقدام, تحت شمس حارقة لافحة, لتخبر من يتحسسون منهم لواذا أن حبل الاحتجاج مستمر, وأن دورها جاء لتلقي كلمتها, عسى أن يفقهوا قولها, بعدما جهلوا قول الإنسان جهلا مبينا.

هم فتية وشباب وشيوخ, معهم حميرهم وبغالهم, أقامواجميعا, اليوم أمام مبنى العمالة, مندبة الفاقد لمعنى الحياة, لم يلطموا الخدود, ولم يشقوا الجيوب, لكنهم بكوا عبرات صامتة نطقت بها عيون غائرة تحسب أصحابها سكارى وماهم بسكارى, ولكن عذاب العطش شديد, عذاب تنطق به ثيابهم التي لو قدر لها أن تتكلم لنطقت عَطَشًًا وأشياء أخرى أستحيي أن أذكرها احتراما لهم, وتنطق به أجسامهم التي خاصمت الماء, أو خاصمها الماء, حتى تخضبت بلون التربة, وتتحدث بها لغتهم العفوية البسيطة التي لا تخرج عن مطلب واحد ووحيد, ظلوا يدندنون حوله, واتخذوه بؤرتهم ومنطلق ومنتهى صفاهم ومرواهم حول مبنى العمالة, دون أن يجدوا ريحه, ودون أن يُلْفُوْا من يلقي عليهم قميصه لِيَرْوِيَهُمْ ويسقيهم, لا أن يكتفي بالتفرج على أحوالهم وهم يصارعون البقاء, ويلقي عبارات التيئيس في وجوههم قائلا: تاالله, إنا لنراكم في ضلالكم القديم, مع حرصه على ألا يقترب منهم مخافة أن تختلط رائحة عطره ذات الماركة العالمية بروائح عطنهم, أو أن يفسد حاسة شمه التي اعتاد أن يطعمها ويسقيها من ورود حديقة منزله الغناء.

لا أدري هل كان الشاعر أمل دنقل راجم غيب, فاسترق السمع عن طريق جن الشعر وعلم مُسْبَقًًا، قبل أن يغادر هذه الدنيا، أن إنسانا في أقصى أرض المغرب غير النافع سيموت عطشا من أجل جرعة ماء, كما مات قبل سنوات أحد الشيوخ المنتسبين إلى قبائل الكنتور, وكما يموت أهالي هذه القبائل كل يوم, ويسلمون أرواح كرامتهم بتوسلات تذهب سدى, لتستقر في زاوية الإهمال والنسيان.

مات من أجل جرعة ماء

فاسقني يا غلام...صباح مساء

اسقني ياغلام

علني بالمُدَامِ

أتناسى الدماء!!

غاب عنك يا أمل أن مُدَامَنَا غيض وحسرة وألم ممض نتجرعه صباح مساء دون نداء أو استعانة بغلام, غاب عنك سيدي أننا تناسينا أنفسنا ودماءنا وواقعنا, ولم يُجْدِنَا ذلك نفعا في كبح وَخْزِ الإهانة البليغة التي سكنت كياننا وحولتنا إلى جلمود صخر, يستغضب فلا يغضب, يستثار فلا يثور.

غاب عنك يا شاعرنا العظيم أننا نموت باستمرار بجرعات شتى, وليس فقط بجرعة ماء, وأننا "سكرنا ولم نشرب ــ وما ينبغي لنا أن نفعل ذلك ــ من الخمر جرعة, وحتى تعلم حالنا سنترك لشاعرنا المتنبي ليحكي على لساننا ما نحن فيه:

مصائب شتى جمعت في مصيبة....ولم يكفها حتى قَفَتْهَا مصائب

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : نورالدين الطويليع

, المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق