أضيف في 12 يوليوز 2017 الساعة 20:05

هدايا ملغومة


المصطفى سالمي

انعزل (مروان) عن أخيه (عبد الرحيم) لأول مرة، لقد اشترى لهما والدهما ما وعدهما به من هدايا النجاح، كان (مروان) أشد سعادة بلوحته الذكية التي حمّلها ألعابا عجيبة كان يشاهد فقط نظيراتها لدى بعض أصدقائه ممن يجودون عليه بدقائق غالية حين يشاركهم لعبهم، وها هو الآن لديه لوح خاص به، يستغرق مساحة واسعة من وقته في هذه العطلة التي أعقبت نجاحه في نهاية السلك الابتدائي.

كانت سعادة (عبد الرحيم) كبيرة كذلك، فقد حصل على الرتبة الأولى في قسمه بالسنة النهائية للسلك الإعدادي، ونال شهادة التفوق من مؤسسته التي نظمت رحلة ترفيهية في منتصف الموسم الدراسي للمتميزين في الإعدادية باتجاه مدينة مراكش ومعالمها التاريخية، ولكنه الآن يحصل على جائزة الوالد التي هي هاتف ذكي سيتواصل به ومن خلاله مع عالم أرحب وأوسع.

بدأت تُسمع فجأة كثير من الرنات في البيت الذي كان هادئا من قبل، إذ ها هي أصوات موسيقى الألعاب الإلكترونية، وإلى جانبها رنات الرسائل ونغمات مواقع التواصل الاجتماعي التي لا تتوقف، إيقاعات من مختلف الأشكال بدأ يضج بها البيت، وتوارت أصوات اللعب الصاخب الذي كان يسمع قبل هذا الزمن، وما عاد الوالد مطالبا بتحديد مواعيد الولدين للخروج للعب أمام البيت، إنهما يحرصان على ملازمة غرفتهما كأنهما مسجونان، ولكن باختيارهما وطواعيتهما، حتى الأكل أصبحا يتأخران في الاستجابة لمواعيده، رباه.. هل سيفقد الولدان عافيتهما وهما لا يبرحان الظل والجمود، إن الطفولة هي الشقاوة والحركية واللعب.

كان ما يعول عليه الوالد هو أن يحس ابناه بالملل بعد حين ويعودا لجادة صوابهما، أم تُراه هو من فقد صوابه بأن اشترى هذه الأجهزة الإلكترونية التي لا يسلم من الإدمان عليها حتى الكبار. لقد استجاب للوعد الذي قطعه على نفسه، فهو يحترم وعوده ولا يخلفها مع أبنائه أبدا، كان كل صغار الحي تقريبا يمتلكون مثل هذه الأجهزة، فهل يمارس حرمانا لا معنى له في حق أولاده؟!

انتهى التفكير بالوالد إلى مسألة "النظام"، أي إنشاء قانون داخلي ينبغي الالتزام بقوانينه، وعليه هو نفسه أن يخضع له، فهو يلازم حاسوبه لساعات طويلة. سيمارس رقابة ذاتية على نفسه قبل الأولاد، واستجاب ولداه لهذا القانون، فهما ما زالا لم يقعا بعد داخل بؤرة الإدمان، ووجدها الوالد فرصة للاستنجاد بالسفر وصلة الرحم، لعل التجمعات العائلية الحميمية تساعد في استئصال الأورام الدخيلة على الفكر والسلوك.

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق