أضيف في 6 يوليوز 2017 الساعة 15:22

اقطع لسانك.. لديك مهلة!


المصطفى سالمي

تروي الحكاية كيف أن جماعة من الكسالى كانوا يحسون بالحرج كلما رفع مجتهد القسم أصبعه وأجاب عن أسئلة الأستاذ، كانوا في هذا الوقت يطأطئون رؤوسهم خجلا، لقد تعودوا ألا ينجزوا تمرينا واحدا، هم لا يستطيعون ذلك، لأنهم تائهون أمام ما يعتبرونها مجرد طلاسم وألغاز ولست مجرد دروس عادية، لذلك اجتمعوا يوما لتدارس سبل تحطيم النموذج والمثال الذي لا ينفك الأستاذ يعيرهم به، وإن كان المدرس يريدهم فقط أن يستيقظوا من سباتهم، إلا أنهم كانوا يعتقدون أنه يتعمد إذلالهم وتحقيرهم، وخرج الكسالى من اجتماعهم بنتيجة أو خلاصة وافقوا عليها بالإجماع مفادها أن يمزقوا نتيجة التفوق الدراسي لآخر السنة عند من يعتبرونه عدوهم، وفعلا أحاطوا به إحاطة السوار بالمعصم، ومزقوا ورقة التميز وشهادة النجاح، ولا تسألني بعد ذلك عن نتيجة ما اقترفوه وكم من دموع سخية حارة سكبها المجد الذي ما عاد مجدا ولا مهتما أو مشاركا.. ولعل الأشرار في هذه الحكاية حاولوا استنساخ قصة الشريرة الذميمة التي كانت تغار من حسناء زمانها، والمؤشر الدال على الحسن كان هو: "المرآة"، فعمدت الشمطاء الشريرة إلى كسر هذا المؤشر وتحويله إلى شظايا، فهي من يذكرها بالبشاعة والقبح الشنيع.

حكايات الماضي تتحدث عن حالات شبيهة شعرا ونثرا، فماذا يعني للقارئ إن هو قرأ الأبيات الشعرية الذائعة الصيت لأبي العلاء المعري:

إذا عير الطائي بالبخل مادر # وعير قسا بالفهاهة باقل

وقال السها للشمس أنت خفية # وقال الدجى يا صبح لونك حائل

فيا موت زر إن الحياة ذميمة # و يا نفس جدي إن دهرك هازل (مادر) ذاك الزمان بخيل بخلا ماديا شنيعا (من بخله أن يحتلب شاة بأن يمص من ثديها حتى لا يسمع الناس صوت الحلب في الإناء فيأتون طالبين حليبا)، و(باقل) العرب لذاك العصر كان قمة الحمق والغباء والحصر اللغوي (تلقنه أمه اسمه أول النهار فينساه مع الظهر، وتضع عليه قلادة فيأتي أخوه في الليل فيأخذ القلادة فيلبسها، وفي الصباح يقول باقل لأخيه: يا أخي أنت أنا، فمن أنا؟!)، و(السها) ـ الذي هو نجم لا يكاد يرى بالعين المجردة ـ يقول للشمس التي يغمر ضوؤها العالم: "أنت كسيفة!"..

لو اكتفى (باقل) و (مادر) و(السها) بما هم عليه من بخل وعيّ وخفاء لهان الأمر، ولو اكتفوا بأن عيروا حاتم الطائي وقسا بن ساعدة والشمس بنقيض ما هم عليه لكان الأمر مقبولا على مضض ومرارة، لكن أن يأمروا الفصيح بقطع لسانه، والمشرق المضيء بأن ينطفئ والسخي بأن يشح ويعطوه مهلة قاسية حتى ينسلخ من طباعه التي جبل عليها فذلك ما لم يجرؤ على فعله هؤلاء في زمنهم، لكن حل زمان وأصبحت الشريرة تدعو جهارا نهارا حسناء زمانها بأن تتخلص من وجهها بملء إرادتها، كما أصبح الكسالى يطلبون من المجد أن يمزق بيديه ورقه تميزه، وأن لا يفعل ذلك غيره هو، لا تتعجب أيها القارئ والسامع، فعربان هذا الزمان يشترطون للعفو عن قناة إخبارية أن تقطع لسانها وتكف بيانها وتطمس ضياءها، جماعة (باقل) و(مادر) و(السها) لهذا العصر طورت أساليبها، ولجأت للاصطفاف، ولعل قصتهم تنتهي إلى مآلات المجد والكسالى، فيصاب الألمعي المجتهد بحالة اكتئاب وينضم إلى جماعة البلادة التي استقالت في كنفها الأدمغة، وألغي الجهد، وانتهوا إلى لفيف يريح ويستريح.

كل شيء يتوقف على استعداد القنفذ لمطالب الذئب المكار الذي جاءه في صبيحة يوم من الأيام قائلا:

ـ رأيت يا عزيزي ليلة الأمس حلما جميلا، حيث قنفذ لطيف قام بنزع أشواكه الواحدة بعد الأخرى، ورمى بها كسهام في اتجاه جذع شجرة.

رد عليه القنفذ الذكي قائلا:

ـ أنا رأيت ليلة الأمس حلما أجمل، حيث قام ذئب رائع بنزع كل أنيابه وباقي أسنانه وجعل منها عقدا وضعه حول عنقه.

من يجرؤ إذن أن يقدم أسلحته الدفاعية لذوات الناب والمخلب؟! ومن يقبل أن يقطع لسانه بيده في زمن الدجل والمكر والحربائية؟!


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق