أضيف في 4 يوليوز 2017 الساعة 22:08

بين بَنِي أَنْفِ الناقة وبَنِي يتيمة المدائن


نورالدين الطويليع

كانت في الجاهلية قبيلة تدعى "أنف الناقة"،وسَبَّبَتْ هذه التسمية لأبنائها حرجا شديدا، إلى درجة أن الواحد منهم كان إذا سئل عن اسم قبيلته، أجاب بأنه من بني قريع، واستمر حال الإحساس بذل الانتماء ومهانته عندهم، إلى أن خلصهم منه الشاعر الحطيئة بهذا البيت:

قوم هم الأنف والأذناب غيرهم......وهم يساوي بأنف الناقة الذَّنَبَا

فتغير أمرهم، وصاروا "يتطاولون بهذا النسب ويمدون به أصواتهم في جهارة"، وشيعوا بذلك عقدة الاسم إلى مثواها الأخير.

وأنا أقرأ هذه القصة قفزت إلى ذهني قصة يتيمة المدائن، وكيف تحول أبناؤها إلى أضحوكة ومَعَرَّةٍ، ومصدر تشفي العدو وإشفاق الصديق، ليس بسبب اسمها الذي هو أجمل ما فيها (اليوسفية)، كما حصل لأبناء قبيلة "أنف الناقة"، وإنما لواقعها البئيس الذي تدثره ظلمات الحكرة والإقصاء والتهميش، وتعشش فيه عناكب الفساد، متخذة من فضائه بيوتا واهنة، تتحرك فيها وتصول وتجول بكل أريحية واطمئنان، ويجد فيه المصطادون في الماء العكر ضاَلَّتَهُم لممارسة شذوذهم الاختلاسي، ومراودة المدينة عن نفسها بشتى الطرق والأساليب، بما في ذلك تمزيق قميصها من دُبُرٍ، وتغليق الأبواب مع ترك الأيتام خلفها يتصايحون، دون أن يَأْبَهَ أحد من العالمين لنداءات استغاثتهم المتعالية، وطلبات إنقاذهم من العار والشنار المتصاعدة، حتى يئسوا وأصابهم قنوط شديد من أن تجاب دعوتهم أو يغاثون، في وقت اطمأن فيه الآثمون المذنبون بأن عقاب جريمتهم ضمير مستتر لا تقدير له ولا وجود، وأن لَحْنَهُمُ السياسي والاجتماعي والاقتصادي والخُلُقِي مُؤَمَّنٌ بالعيون المغمضة والآذان الصماء.

بهذا القاسم المشترك بين يتيمة المدائن و"أنف الناقة" في زمن ذِلَّتِهاَ، صار أبناء اليتيمة يتحرجون من ذكر اسم مدينتهم، وغادرها الكثير منهم، وقطع بعضهم كل صلة بها، وربما أجاب وهو يُسْأَلُ عن مسقط رأسه، بأنه من البيضاء أو الرباط أو غيرهما من مدن الإشعاع، وحتى من فُرِضَتْ عليهم الإقامة الجبرية في سجنها الممتد، ولم يجدوا مُرَاغَمًا في الأرض وسعة ليغادروها، طأطأوا رؤوسهم، وانزووا في زاوية الخيبة والانكسار، معانقين عارهم، ومكتفين بإلقاء اللوم على القدر الذي أوجدهم في هذه القطعة من العذاب الأليم، التي يقال بأنها سقطت من الجحيم، بعدما استنفذوا كل محاولات إرجاع الاعتبار إليهم، والإفراج عليهم من سجن الإحساس بالدونية الرهيب، ليتطاولوا بدورهم بنسبهم، ويمدوا أصواتهم في جهارة، كما فعل الذين من قبلهم، لأن الحطيئة الذي راهنوا عليه غير ما مرة، وفي أكثر من صورة أبى إلا أن يكسر أفق انتظارهم، ويطيل بنيان خيبتهم، إذ وهم عليها قعود شهود، مر أمامهم وحواليهم حطيئات كُثُرٌ، توسموا فيهم تخليصهم من عذابهم الشديد المهين، ليكتشفوا بعد حين من الدهر أن حطيأتهم ليس سوى عُرْقُوبٍ، ذاك الذي ضربت به العرب المثل في المماطلة وعدم الوفاء.

هذا الذي خدعهم فقال بأنه حطيئة زمانه، وما هو إلا عرقوب جديد، أو من نسل عرقوب القديم، اتخذ أَسَامِيَ عديدةً وهيآت كثيرة، أتاهم يوما في صورة مناضل، فأقعدوه على الكرسي بلا تردد، لكنه تبسم ضاحكا من غبائهم، وانصرف إلى وأد ما تبقى لديهم من أمل في خندق سعيه إلى الثروة والإثراء الشخصي الفاحش، وجاءهم كذلك من أقصى المدينة يسعى في صورة مسؤول وعدهم بأن يُمَكِّنَهُمْ لهم في الأرض، ويجعل حقولهم جنات وأنهارا، ويتيح لهم فرصة جني تمره حينما يُونِعُ بفضل عنايته الفائقة بنخله السامق، قبل أن يتسلل حاطبو الليل، مستغلين غياب الحراسة، ويجتثوا النخل بتمره وسعفه، ليستيقظ النائمون على وقع الفراغ، ويجدوا الحقول فارغة على عروشها، كما لم تغن بالأمس، أو كما لم يُحَدَّثُوا بأنها سَتُثْمِرُ من كل زوج بهيج.

ما أكثر ما صادف أبناء اليتيمة من عراقيب، وما أكثر من نُقِّلُوا من يد هذا العرقوب إلى ذاك بأمانة، كأنما هم وديعة ورهينة قدرها أن تقذف في كل اتجاهات الخيبة والانكسار، ليس لهم إلا أن يرددوا، كلما وجدوا أنفسهم مستقرين في شباكهما قول الشاعر كعب بن زهير:

فلا يغرنك ما مَنَّتْ وما وعدت...... إن الأمانيَ والأحلام تضليل

كانت مواعيد عرقوب لها مثلا...... وما مواعيدها إلا الأباطيل

أو قول الأشجعي:

وَعَدْتَ وكان الخُلْفُ منك سَجِيَّةً......... مواعيد عرقوب أخاه بيثرب

 

 

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : نورالدين الطويليع

, المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق