أضيف في 4 يوليوز 2017 الساعة 17:58

مكافحة الشغب ........مكافحة الفكرة


رشيد اليملولي



مكافحة الشغب ....



مكافحة الفكرة ....


علت صورة أمن مكافحة الشغب و هي تحاصر ناشطين في البحر عبر وسائل التواصل الاجتماعي ، و الغرابة في هذه الصورة سورياليتها الأمنية ؛ أي أن تصل درجة محاصرة الاحتجاج ، الشرعي و غير الشرعي أو القانوني و غير القانوني ، بشكل قد يدفع إلى الاحتجاج مستقبلا في زحل أو الزهرة أو عطارد ، و هنا قد يتدخل بوليس الجو لمكافحة الشغب ، و لا أدري ما الخطر في احتجاج على صفيح أمواج صيفية و في شاطئ يقدمه الزائرون لأجل المتعة ؟ .


المفارقة في مدى الصورة و مضمونها ، امتدادها و عمقها ، و هي ملاحقة الفكرة ووأدها ، حتى لا تتحول نجوم السماء و أسماك البحر إلى أيقونات نضالية على شاكلة سعيدة المنبهي تزعج مملكة القرش .


دلالة الصورة في قبحها ، بمعنى أن فكرة الاحتجاج هي فوضى و شغب ، و تهديد للأمن العام ، في وقت أن حجم التضامن مع الاحتجاج يسري في شرايين المجتمع بأسره حسب ما تجسده كل حالات الاحتجاج في المغرب بمختلف جهاته .


فكرة فك اعتصام و تفريق احتجاج ، خارج أي سلطة تشريعية ، و المقصود هنا غياب القوانين الفعلية التي تؤطر الاحتجاج و تقننه و تعده حقا يتساوى مع الهواء و الماء . هذا المسلك صعوبته في حدود تأويله و منطق تأسيسه و فلسفة تكريسه ، الدالة وجوبا على إعلاء سلطة المخزن ، ليس بوصفه الأداة القانونية التنظيمية ، و لكن بناء على عنفه المبالغ فيه الخارج عن الحدود الدنيا للسقف الأخلاقي و القانوني في مستوياته الدنيا ، و التي لا تبطن إلا الطاعة العمياء و لو جار صاحبها ، أليس هذا أقصى ما وصل إليه " التفكير " السياسي السني ؟( طاعة أولي الأمر و لو جاروا بالإضافة إلى انعقاد الإمامة لمن قويت شوكته طبعا مخافة الفتنة ) .


الاحتجاج ـ الشغب في عرف المخزن ، هو خوف من فكرة الوعي الحقوقي و الثقافي و السياسي ، و من ثم التمهيد للأسس الميتافيزيقية لسلطة الإكراه المادي و الرمزي ، تحت ذريعة المرتكزات التاريخية و المسوغات القانونية التي صاغها فقهاء السلطة بالصيغة القديمة و الحديثة في يسمى تجاوزا الدستور ، لاستمرار السلطة ـ التسلط ، و الذي يغيب فيه الإنسان لصالح الآلة القمعية بمعانيها المختلفة في الشارع و المدرسة و التلفزة و مختلف وسائط التواصل السلطوية .


الخوف من امتداد الحركة الاحتجاجية ، يفسر بالإرادة الساعية لقتل الوجود في رحابته و تنوعه ، أي الوجود بالإكراه و القسر و الإرغام ، في هذا المقام الاحتجاج الذي يتحول إلى شغب في عرف الدول الفاشلة و العاقة لشعوبها ،هو تأجيل ثقافة الاعتراف بالحق ، و ارتداد مؤسس للسنوات التي حاول المغرب يائسا تجاوزها ، لسبب بسيط هو إهمال التربية المدنية و الحقوقية لصالح بناء هياكل " مؤسساتية " من دون روح حقوقية ، و لا أدل على ذلك من فشل قيم العدالة الانتقالية لفائدة استمرار البنية الذهنية و الثقافة المرافقة لها في جل مناحي الحياة العامة .


إن استمرار محاربة الاحتجاج انطلاقا من تأويله شغبا ، يعني تأبيد القطيعة بين الدولة الراعية للمجتمع ، لصالح دولة الاستعلاء على المجتمع .


لا يلاحق شغب الملاعب في بلادي ، لا شغب الطرقات و لا شغب المدارس و السجون ، التي تحولت بين عشية و ضحاها ـ دون تربية ـ إلى مكان للعقوبات البديلة ، و أحرى بالدولة أن تتعامل بالمثل في "شغب" الاحتجاج ، و تتنازل عن القوة و الركل و الرفس لصالح الانصات و تبادل الرؤى و الاعتراف.


الشغب في الشارع بعربات الخضر و السلع المهربة ، و لا تتدخل القوات العمومية أو قوى مكافحة الشغب .


الشغب في المقاهي و على حساب حق الارتفاق ، و لا تتدخل السلطات العمومية .


الشغب في احتلال الملك العمومي و التضييق على حقوق المارة ، و لا تتدخل قوات مكافحة الشغب .


الشغب في الفن و لا تتدخل قوى الرقابة ( أليس من الأجدر تكوين فرق أمن لحماية الذوق العام و القيم الاجتماعية النبيلة ).


الشغب في خدام الدولة و التطاول على الأملاك و لا تتدخل أجهزة حماية المال العام ( و كأن هناك خدام الدولة الأوفياء و مصاخيطها العامة و الرعاع و السفلة و الأراذل ) .


الشغب يطال تنفسنا ، خروجنا ، دخولنا ، و مع ذلك تعمد قوى مكافحة الشغب حبس و كتم أنفاسنا ، و تحول بيننا و بين حقنا في الرفض و رفع عقيرة الاحتجاج .


الإيمان بفكرة و الدفاع عنها قيمة يخلدها التاريخ ، و الخوف منها لا يعني إلا موتا وشيكا مهما طال الزمن .


فلتحيا الفكرة و الاحتجاج عليها و بها


و ليسقط الشغب مهما كان نوعه و مصدره من أفراد أو من مؤسسة أو دولة .


 



 



قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب