أضيف في 1 يوليوز 2017 الساعة 17:06

الفكاهة بين التربية و السلطة


رشيد اليملولي

الفكاهة بين التربية و السلطة .

أن تضحك معناه أن توجد في نفسك رحابة أمل ، و أن تعايش الاختلاف في ذاتك ، و ذوقك و إحساسك و انتماءك ، ثقافيا و اجتماعيا و نفسيا ؛ فالفكاهة انتماء لإنسانية الإنسان ، وروح تتقاطر منها شيم الوجود بامتياز ، تتغازل فيها الانتماءات الظرفية ، بغرض معنى يتجاوز أفقه لصالح انسياب يمتد في لزمان ، لا تحيط به الحدود الضيقة للفهم ، و لا تعتوره الآليات الساعية إلى كبح جماح الإنسانية في أبهى تجلياتها.

الفكاهة ثقافة و أداة ثورية تستجدي كل الإمكانات الراغبة في إحداث الفارق الزمني و النوعي في النفوس البشرية ، علها تجود بما يستحقه الزمان من سعي حثيث نحو غاية الكمال الإنساني ، و هي بذلك وسيلة تغييرية في المقام الأول الهدف منها البناء و التثقيف و التوعية و بناء الأجيال التواقة إلى الندية .

الفكاهة أرقى الوسائل التربوية لتحصين الأفراد من براثن الجغرافيا ، و تذكية الحماس الداخلي ، لأنها تعلم من دون عنف " مؤسساتي " و بعيدا عن السلط المادية ، بتعبير أرقى توجد لنفسها مساحة رمزية لاستنهاض الهمم بعيدا عن أدوات القهر و بأسلوب اجتماعي و ثقافي و نفسي ، يتكامل من أجل دلالة اسمها السخرية السوداء ؛ أي الجمع بين وسيلتي الإضحاك و التربية في أفق التغيير ، لذلك ضحكت الشعوب و تضحك من أجل تنويع مصادر التربية و التغيير ، و من هنا تخاف السلط السياسية من السخرية البناءة ، لأنها لا تملك أن تنتج فكاهة مضادة ، وكأن الساحة مجال لصراع المشروعيات الهادفة إلى بناء نموذجها ليتسيد المجال و يحتكر شرعيته .

ما معنى أن تسود وجوه فكاهية مشهدنا اليومي و التلفزي و الوسائطي و المذياعي ؟ .

هل في احتكارها المشهد دلالة على قوتها ؟ و هل تقف وراءها خلفيات معينة ؟

تعلمنا أن التكرار يفيد إثبات و ترسيخ التوجه و النمط و الوسيلة و الثقافة ، و الإرادة في تسويقه تعني تعميمه و تسليعه بغرض نسخه اجتماعيا و ثقافيا و سياسيا ، من هنا يبدو أن التكرار قد يؤسس للاستحمار و الاستبلاد و خلق الفقاعات الآدمية التي سرعان ما يسفوها الزمن عند أول وهلة و بداية امتحان ، و قد يعني استبعاد أشكال و أنماط أخرى هادفة ، إقصاء حق اجتماعي بالمعنى الفلسفي ـ أي شرائح مهمة ـ من الحق في الوجود و التعبير عنه بما يراه مناسبا لذوقه و نمط تفكيره ، من هنا السلطة معادية بالضرورة للاختلاف و سننه ، و مؤبدة لنموذج ( أنا ) صارخ يعبر عن نزعة و ألوهية تتخفى وراء أقنعة يدبر أمرها بليل ، يراد بشعبها أسوأ الاحتمالات ، و أقذرها تعطيل تنميته و نموه و اتساع مداركه و مصادر وعيه .

تنهال علينا وجوه " فكاهية " يوميا باسم الفكاهة و الإضحاك ، تند عن الوصف و تستعصي على الوعي ، و تحاول جاهدة أن تكسبنا " ذوقها " الخاص في تمثل الأشياء و فهمها و تقديمها ، تسعى بكل قواها أن تعبر عن نموذجها الخاص في الوجود ، باعتباره الأرقى شكلا و مضمونا ، و لا تدخر جهدا في مدح وسائطها ، و أولياء نعمتها بغية تعميم الاستهلاك و كأنه نظام قيم لا محيد عنه .

أن تستهلك و تتباهى بذلك ؛ معناه أن تكون مواطنا صالحا ، أن ترفل و ترمح في البساطة ، دليل على عدم انفصالك ، أن تتغنى بالتمايزات البدوية و الحضرية ، و أن تضحك بواسطتها دليل على دخولك نادي الفكاهيين .

إن ذيوع و انتشار أسماء محددة في سماء الفكاهة المغربية سواء في رمضان أو غيره ، قد يوحي بالتنوع و الغزارة ، لكنه يرقى إلى النمطية و الأحادية الدالة على فقره الثقافي ، و سلبيته التوعوية مادام أسير الإضحاك و الضحك ، و ليس الفكاهة بمعناها الشامل .

لعل النظر إلى العديد من الفقرات الفكاهية ، من خلال الأسماء التي طبعت المشهد الإعلامي بمختلف مشاربه ، يلاحظ أن الإضحاك البسيط سمة من سمات الإسفاف في أبهى تجلياته ؛ فإذا سلمنا بأن الفكاهة مشارب متعددة ترنو نحو التوعية و التحسيس و التثقيف ، فأن الغائب الأكبر هو ثقافة أو فكاهة الموقف ، التي تتخذ من الفكاهة وسيلة للضحك و ليس الإضحاك ، و في السياق ذاته تنمية الوعي و الإسهام في الرقي بالذوق الإنساني ، و في تجلياته المعبرة عن التعدد و التنوع ، و الذي يميز الثقافة المغربية ، إذ إن طغيان هاجس اللكنة البيضاوية على حساب الوجدية و الصحراوية و الريفية و الأطلسية ، يؤكد أن هناك نزعة لمركزة هذا الوعي الترفيهي ، و عده الأصل و النقاء الذي يقاس عليه ، و يصيغ المدنية المغربية ، و لا أدل على ذلك من تنمي دعم الأسماء المعبرة عن هذه اللكنة و ما جاورها على حساب باقي الجهات الوطنية .

لا يعد غياب فكاهة الموقف المظهر الوحيد المعبر عن ضحالة الفكاهة المغربية ، بقدر ما يمتد إلى المرجعية الفكاهية ، حيث لا زالت المواضيع و النصوص بعيدة عن العمق المغربي في مستوياته الاجتماعية و الرمزية ، إذ يتم التركيز فقط على الإيماءة و الإشارة ، و تغيير ملامح الكلام و اللكنة و اللباس ، دون الغوص في هوية المادة الفكاهية ، و تلتقي غالبية الأسماء في هذا المجال و إن اختلفت من حيث شكل تقديم هذه الفكاهة ، حيث أن تقليد الأسماء الفنية و الشخصيات المجالية ـ حسب المجال ـ و البدوية بالخصوص تعد علامة مميزة لا تشير إلى حيوية و فاعلية النص ، بقدر ما تهرول نحو الإضحاك و بأقصر السبل و أبسط الطرق ، و لا أدل على ذلك من تواتر أسماء محددة ، تحولت مع الزمن إلى قاطن يومي في التلفزة و المذياع ، و طبيعي أن يتم استثمار هذا الامتداد في الإشهار .

أما ثالث أزمة ؛ فتخص الخطاب الفكاهي ، حيث يستمد مادته من العادي و الروتيني ، و لا يقوم على رؤية تجدد الثقافة الفكاهية ، أي رفع منسوب الخطاب و تضمينه رسالة بناء التوعية و التربية التي لا تختلف عن المدرسة و الأسرة ، عوض تسويق خطاب يطبعه الهزال و يميزه الإسفاف ، و الذي يوغل في تفقير الوعي و تحقيره و تحويله إلى طابع عنيف ، من خلال التعامل البريء مع السوق الخطابية باستمداد حقلها الدلالي و إلصاقه قهرا في " النص " بدعوى ترجمة الواقع و نقله ، ولسنا في حاجة إلى خطاب يهوي بنا بعيدا في براثن المستنقع ، بقدر ما نحن في حاجة إلى خطاب يهوي بنا إلى أعماقنا ، ويرقى بنا نحو تذكية و تطوير و تحسيس و تجديد وعينا بأنفسنا .

إن الأسماء الطاغية على المشهد " الفكاهي " تحيل على إشكال تغييب أسماء تمتلك فكاهة بديلة ، قائمة على بناء نموذج تواصلي فعال ، و إن كان من أزمة في هذا المستوى ، فهي أزمة سلطة ترى في الإسفاف و البساطة وسيلة لتمريغ الحس النقدي و التوعوي في حياض الربح السريع و الترقية الاجتماعية الفلكية ، بغرض صناعة نجوم الوعي الهامشي و المجالي ، و تحويلهم إلى صانعي قرار و رأي عام و إرادة القوة هاته في تحويل الفكاهة إلى نص مهزوز يبتغي الإضحاك سبيلا ، لا تنفصل عن فلسفة الدولة في " تمييع " المشهد الإعلامي ، وجعله خاضا لميزان قوى تشتغل من داخل النسيج السلطوي ، عوض أن يكون مجال الفكاهة حاضنا للتعبير عن القيم الاجتماعية المختلفة و المتعددة ، التي إن لم تخدم المجتمع ، فهي تغنيه و تخصبه ، لذلك الدولة بمؤسساتها مدعوة إلى توسيع مجال التربية بإقحام التربية الفكاهية فيه ، عوض أن يكون مزرعة لإنبات الكائنات المهدرجة و المعدلة جينا وفق فكاهة على المقاس ، ديدن هذا المجال هو التربية على نظام قيم حضارية ، وليس قيم سلطوية

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق