أضيف في 29 يونيو 2017 الساعة 21:45

حصار المقاومة بين غزة وقطر


محمد هنيد

منذ بداية الأزمة وإعلان الحصار على دولة قطر خلال شهر رمضان، فيما يعرف اليوم "بحصار رمضان الثلاثي"، كانت كل المؤشرات الداخلية والخارجية تتنبأ بأن المسألة تتجاوز دولة قطر، وتتجاوز استهداف الدوحة.

بل إن قائمة الشروط المخزية التي وضعها المحاصرون من أجل فرض الوصاية على القرار القطري، تؤكد بما لا يدع مجالا للشك اليوم، أن الأزمة مع قطر لا تعدو أن تكون جدار من جدران الدخان لتخفي مشروعا أكبر يتجاوز البعد الإقليمي لدولة خليجية صغيرة بحجم قطر. 

بالأمس، باشر العدو الصهيوني قصف قطاع غزة وهو قصف سبقته تصريحات تطبيعية واضحة تؤكد أن الهجوم كان بتنسيق عربي إقليمي وبتواطؤ دول عربية بعينها. 

قطاع غزة يعرف منذ سنوات طويلة حصارا خانقا يشمل الدواء والغذاء وكل ضرورات الحياة اليومية بهدف تركيع القطاع وضرب المقاومة التي تمثل حركة المقاومة الإسلامية حماس أبرز وجوهها. 

بالأمس القريب أيضا، أعلن المشاركون في قمة الرياض الأمريكية العربية أن حماس حركة إرهابية وليست حركة مقاومة وهو شرط لم توافق عليه قطر بل رفضته معتبرة حماس حركة مقاومة مشروعة تهدف إلى تحرير الأرض الفلسطينية من الاحتلال الصهيوني.

في فلسطين مكونان أساسيان هما حركة المقاومة الإسلامية حماس، وحركة فتح . 

المكونان يختزلان بشكل مركز الحالة العربية الرسمية، حيث تمثل حركة فتح النظام الرسمي العربي بكل خصائصه لأنها تحظى باعتراف دولي، وبالتطبيع شبه كامل الكامل مع العدو الصهيوني، بل إنها تكاد تكون في بعض الأحيان ناطقة باسمه. 

أما حركة حماس بتاريخها النضالي الطويل، وبقوافل شهدائها من الشيخ عز الدين القسام والشيخ أحمد ياسين والدكتور الرنتيسي والمناضل محمود المبحوح، فإنها تمثل النقيض الوظيفي للمكون الأول لأنها تختزل الجانب المقاوم الصلب في فلسطين وفي المنطقة العربية بأسرها. 

في الأمة العربية اليوم أيضا مكونان أساسيان لا يختلفان عن الجسد الفلسطيني، حيث مثلت الثورات العربية المكون المقاوم والصامد في وجه القوى الاستبدادية بما هي جزء أساسي من المنظومة الاستعمارية. 

قطر لا تخرج عن هذا التصنيف بما هي اليوم جزء أساسي من المكونات المستهدفة وليس الحصار الأخير المضروب حولها إلا جزءا من هذا الاستهداف. 

الانقلابات سواء منها المنجز أو ما هو بصدد الانجاز بشكل عسكري مباشر أو بشكل ناعم هي الأخرى تنتمي إلى الجزء الثاني من مكونات الأمة الفاعلة. 

فالانقلابات شكل آخر من أشكال الحصار وقلب نظام الحكم لإلحاق المكون الثاني بالمكون الأول، أي إلحاق المكونات المقاومة بالمكونات المطبّعة.

ليس حصار غزة وحصار قطر وضرب الثورات الشعبية السلمية وإنجاز الانقلابات الدامية والناعمة وبث الفوضى في المنطقة وتحديدا في مجال الربيع العربي إلا حركة واحدة بتجليات مختلفة، تهدف إلى الإبقاء على المنطقة العربية تحت الوصاية الاستعمارية، وتحت مطارق النظام الاستبدادي العربي. 

يمكن القول اليوم إن الثورة المضادة تحاول أن تصفي آخر المكونات التي تشكل عقبة في طريقها، من أجل استعادة المجال الذي كان لها قبل الانفجار التونسي الكبير الذي دشن ربيع الشعوب. 

تعي الثورات المضادة جيدا أن المجال العربي هو مجال واحد، لهذا فهي تتحرك على طول الطيف المكون لربيع الشعوب من مصر إلى ليبيا إلى غزة إلى تونس وصولا إلى قطر.

بناء عليه، لا يمكن الفصل تحليليا بين ما يحدث في هذه النطاقات الجغرافية المختلفة لأنها تتحرك وتتفاعل في إطار واحد وتحت تأثير نفس العوامل والفواعل.

إن رفض الاعتراف بالانقلابات العسكرية ومخرجاتها ورفض المشاركة في حصار الثورات ومحاربتها هو الذي جلب لدولة قطر كل هذا العداء من طرف الدول الراعية للانقلابات، كما أن رفض تصنيف حماس حركة إرهابية هو الذي ضاعف من هذا الحصار، وأوجب على دول العدوان المرور إلى مرحلة أشبه ما تكون بإعلان حرب. 

الحرب بالإرهاب، لا الحرب على الإرهاب، هو السلاح الأقذر الذي تستعمله قوى الثورة المضادة بما هي وكيل استعماري مباشر من أجل ضرب خطوط إمداد المقاومة العربية والإسلامية الحقيقية والتمكين من جديد للنظام الاستبدادي العربي في شكله الما بعد ثوري.

المشهد اليوم شديد الوضوح حيث يمثل التطبيع العلني والكامل مع الكيان الصهيوني الهدف المعلن للنظام العربي الرسمي بمباركة أمريكية أعلن عنها الرئيس الأمريكي ترامب خلال قمة الرياض الأخيرة. 

فالتطبيع مع الكيان الصهيوني هو الشرط الأمريكي للمحافظة على الوضع السياسي القائم عربيا ولبقاء أنظمة تخشى على عروشها من الزوال والاندثار بسبب إمكانية تمدد الربيع العربي إلى مجالها الإقليمي. 

الثابت الأكيد أن الوعي الناشئ بعد ربيع الشعوب هو أعظم المكاسب التي لا يمكن تصفيتها أو إلغاؤها لأنها ستمثل خطوط الإمداد البديلة لروح المقاومة العربية التي لا تسعى إلى غير الانعتاق والتحرر من ربقة الاستبداد ومن أغلال الوصاية على القرار الوطني. 

لن تستطيع الصهيونية اليهودية ولا الصهيونية العربية التطبيع مع الوعي العربي الناشئ ولا اختراقه ولن ينجح الوكيل الاستبدادي العربي في استعادة المجال الذي كان له قبل الانفجار الكبير، لأن شروط تجدد الوعي بالواقع والتاريخ لا تقبل العودة إلى الوراء تحت أي ظرف كان.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : محمد هنيد

​أكاديمي وباحث تونسي وأستاذ جامعي محاضر بجامعة السربون بباريس   / , تونس


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق