أضيف في 29 يونيو 2017 الساعة 00:23

متى تنزاح الغمة؟!


المصطفى سالمي

بخطوات متثاقلة تئن تحت وطأة الزمن العاتية نزلت (عائشة) أدراج الحافلة بالمحطة الطرقية بالعاصمة، لم تكن المرأة البدوية التي أشرفت على الستين تدري ما ستفعله في هذه اللحظات، تركت لساقيها العنان تقودانها حيث شاءت لها المقادير، لقد أصبحت الدنيا غمامة في عينيها، والحياة لعبة قذرة. خيالها ما زال طافحا بالمرارة والرجل ذو البدلة الأنيقة وربطة العنق يهددها بثقة مبالغ فيها بأنها لن تكمل الأسبوع على أرضها، سيأتي رجال (المخزن) ليطردوها من أرضها التي هي كل ما تبقى لها في هذه الحياة، لقد زعم أنه اشتراها وأدى ثمنها، ولكنها لم تبع شبرا واحدا منها، فكيف يكون اشتراها؟! جاءها بأوراق مختومة، ولوح أمام ناظريها مغريا بأكوام نقدية، لكنها تحدّت كل الخوف الذي كان قابعا في زوايا نفسها الآثمة مثل نفوس كل البدو الذين يرهبون كل ما يأتي من المدينة، ومن (المخزن)، ومن المؤسسات البراقة العالية.. وقد مرّ اليومان المواليان لزيارة الرجل ـ ذي البدلة السوداء ـ كالجحيم عليها، كانت تتسمع بأذنين مرتعشتين كل هدير سيارة لعلها تكون نذير شؤم قادم، فيتم طردها من أرضها واقتلاعها من جذورها، أرضها الفلاحية محاذية لطريق رئيسية كانت تغري لصوص العقار لإقامة مشاريع كبرى، وتحولت النعمة إلى نقمة، كانت ميزة أرضها أنها آخر ستر يقيها شرور دنيا القسوة والجبروت، فقط بضعة كيلومترات تفصلها عن المدينة، والعربات لا تنفك جيئة وذهابا، ولم تكن عائشة حين يستبد بها العوز تتردد في التوجه نحو مختلف الأسواق، تبيع ما جمعته من بيض الدجاجات، أو بعض الغلات الفلاحية، وتعود بما تيسر من سلع ودقيق وسكر وزيت .. المهم أنها تملك أرضا وسكنا يقيانها الحر والقر.

ها هي عاصمة البلاد تستقبل الوافدين، بعضهم يحتضنها بفرحة المكاسب، والآخر يبحث فيها عن حل للمتاعب، تتمدد أفقيا وعموديا أسوار المرابطين والموحدين ومعالمهم الأثرية كشاهد على ماض شامخ هازئ بالحاضر وأهله. تتبعت المرأة المسنّة أسراب شباب متوجهين إلى قلب المدينة، كانوا يحملون بعض اللافتات مما أثار انتباهها، فقصّت أثرهم، لعل الله يسعفها بملاقاة مسؤول تشتكي إليه طغيان واحد من المتجبرين في هذه الأرض السعيدة، وها هي تصل إلى ساحة فسيحة يتجمع فيها كثير من الناس، كانوا يرفعون أصواتهم بالصراخ والشكوى، لم تفهم مطالبهم، ولكنها قدّرت أنهم ربما سُرقت بعض ممتلكاتهم هم أيضا. توزعت شكاوى الناس هنا وهناك على امتداد الساحة الواسعة، لافتات وملصقات، توقعت (عائشة) أن يضيع صوتها وصراخها، ستتلاشى كلماتها هباء، وسيحل الظلام في نهاية اليوم، لابد أن تقابل مسؤولا مهما وتحدثه عن مأساتها، اختلطت أفكارها وهي ترى أن المشتكين الضائعين أكبر تعدادا ممن يفترض فيهم الاستماع واحتضان المعاناة.. كبرت الفكرة في رأسها وهي ترفع عينيها نحو السماء مبتهلة إلى من يسمع شكوى المحرومين التائهين المعذبين من أمثالها، وبقوة مندفعة من أعماقها شرعت تتسلق عمود الكهرباء الشامخ العملاق، كانت حواشيه الحادة كسكاكين تنغرز في قدميها اللتين أصبحتا فجأة حافيتين بعد سقوط نعلين من بلاستيك ممزقتين، تلاشى الخوف تماما من قلب (عائشة)، واستمدت من صراخ الشبان وعنفوانهم قوة وطاقة مضاعفة، بعضهم كان يطالب بالعمل، والبعض الآخر بالترقية أو الترسيم أو التنقيل.. أطباء وأساتذة وحملة شهادات عليا، ومطالب اجتماعية وحقوقية، أثار منظر المرأة البئيسة بملابسها التقليدية فضول بعض الصحفيين والنشطاء، فوجهوا كاميراتهم نحوها، كانت ما تزال تمارس الصعود، وأصبحت قريبا من قمة العمود، واكتسبت الجموع الغفيرة ما يشبه المشروعية من الوضعية المتمردة للمرأة، وكأنما هي شاهد صارخ على معاناة بحجم امتداد جغرافيا الوطن، كان الهلع قد استبد ببعض المخبرين بملابس مدنية من أن يحدث مكروه للمرأة فتنصب عليهم لعنة وغضب رؤسائهم من المسؤولين، ظنوها مجرد معتوهة أو متسولة أو مدفوعة مأجورة لتأزيم أوضاع البلاد، كان أسيادهم يصورون الوضع على أنه الشبع وأجواء الحرية يدفعان لابتزاز دولة محاطة بالأطماع والأعداء والخونة وأهل الفتن، هكذا كان يخيل لهؤلاء، بينما في وسط الساحة يقف بعض الحقوقيين والإعلاميين مترصدين منتظرين مثل هذه الفرصة كسبق صحفي لا يمكن أن يمر دون كشف خباياه وتفاصيله مع إضافة بعض التوابل الإعلامية المثيرة التي لا مانع أن تتحول إلى فبركات مفارقة للحقيقة والواقع.

توجهت أنظار المئات نحو المرأة البدوية، واخيرا أقنعوها بالنزول، والاستماع لمطالبها، مر وقت ليس باليسير قبل أن تجد (عائشة) ـ ذات الستين عاما ـ نفسها محاطة بالصحفيين ومن اندس بينهم من مخبرين وفضوليين وحقوقيين، وبدأت تسرد قصتها، بينما إضاءات الكاميرات تلتمع، والأقلام تدون، والصفحات تمتلئ سوادا، وما هي إلا دقائق حتى أصبحت المواقع الإلكترونية تضج بحالة جديدة وجدها البعض دليلا على فساد ينخر البلاد، بينما اعتبرها آخرون عنوانا على مؤامرة محبوكة الصنعة، متصلة الحلقات...

عادت (عائشة) لأرضها بعد أن أقنعها المسؤولون بفتح تحقيق في النازلة، وطمأنوها بأن أرضها لا احد سينتزعها منها، عادت لتصبح حديث الناس في وطن غائر الجراح، ناسه تريد حقا أن ترتاح، ولسان الحال يقول: متى الغمّة تنزاح؟!

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق