أضيف في 26 يونيو 2017 الساعة 07:25

قصة قصيرة


غالية يونس الذرعاني

             ...


حُمَّى


 


مِنْ نَافِذة الحكايات المُشرعة على سماءِ الغيابِ ، بِالقربِ مِنْ القريةِ المسْكوُنةِ باِلضجيجِ ، والمُكْتظَّة باِلأطفالِ ذوي القلوبِ البيضاء ، والعيونِ القزحية ، مرَّتْ كلابٌ غريبة .


قيلَ أنَّ الكلابَ الغريبة ،شَربتْ مِنْ الآبارِ ، وعَطَستْ في الدُّروبِ...فاحمرتْ عيونَ الأطفال حتى نَزعُوا أثوابَ البراءة ، وراحوا يركضونَ في الطرقات عراةً بلا خجل.


طَالتْ أنيابهم ، وتَحولتْ أصواتهم إلى زمجرةٍ مُتوعدة .


أمَّا أظافرهم فَقدْ صَارتْ قاطعةً كَحدِّ السكِّين ، حتى أنَّهم رَاحوا يَتلذذونَ بِلحمِ القطط.


ليلاً ، أدمنُوا اللهاثَ في الأزقة ، والنُباحَ المتواصلَ في وجهِ القمرِ.


نهاراً اعتادوا قضاءِ الحاجةِ على كلِّ شيء، للإعلان عن فحولتهم أولاً ، ولتحديد مناطق سطوتهم ثانياً ، فاختنقتْ القرية بالعفن.


في بيتِ الوزير العابد ، أُصِيبتْ شهرزاد بِالزّكام ، فَلاَزمَتْ الحَديقةَ وهيَّ تُتمتمُ ببعض الأدعيّة.


الكِلاب في القرية زاد سُعارها ، دارتْ بهم الأرض ، حتى تناهشوا لحم بعضهم البعض .


كانوا في إحدى صولاتهم حين رَأوها هُناك تتدثرُ بشال من الصوف موشى بالقصائد .


سَالَ لُعابهم ،تغامزوا ، تهامسوا وضَربوا ضَربةَ كَلْبٍ وَاحدٍ .


قَطعوا حَنَاجِرَ الحُراس ،وكَمَّموا ضمير والدها بخرق موروثة بالية .


طَوقُوها مِنْ كُلِّ نَاحيةٍ .


صَرختْ ، ثارتْ ، قاومتْ بَكتْ ، ثُمَّ جَمعتْ شَجاعتها ، قَفزتْ فَوقَ أوهَامِهم وهَربتْ .


لمْ يتركوها ، راحوا يُطاردونها بِنباحِهم المسْعُور .


في كَبدِ الظلام ، ومِنْ على قمَّةِ جبلِ الخوفِ كاد اليأس أن يسدُّ منافذ النجاة حين سَقطتْ بَيْنَ ذراعيّ شَهريَار .


غَمرها بِملامحه المُتلألأة بِالبراءة تَحْتَ ضُوء القمرِ ، قال بهدوئه المُعتاد:


- أنا هنا يا صديقتي ...لا تخافي أبداً .


وقف في وجوههم .


تصدى لهم بسيف لسانهِ القاطع .


نَهرهُم ببركانٍ من الحزم تدفقَ من عينيه وترجمتهُ حواسه ، حتَّى ارتدُّوا على أعقابهم خَاسرين ، وعادوا يركضون في دروب القرية البائسة يجرُّون أذيال الخيبة .


نظر شهريار إليها .


أهَداها وردةً برية ، عادة اقتطفها من زمن البراءة .


قرَّبتها مِنْ أنفها ، فانتعشتْ ، قالَ:


- هيَّا نَلعبُ بعيداً عنْهم .


- سأكون بأمان كالعادة .


حدَّثت نفسها مطمئنة.


ابتسمتْ، وأسلمتْ يَسارها له.


عِنْدما صَارا وحيدين ،نَظرتْ إلى عينيه .


لمْ تَكنْ قزحية كانت بلون الدمِّ.


ذُعرتْ ، تراجعتْ ، ابتسمَ للخوفِ في عينيها فلمعَ في ثغره نابان طويلان.


تمتمتْ مفزوعة :


- أنتَ..أن...


- أجل، أنا...


بعد لحظة ..


غادر شهريار المكان ، وهو يَمسحُ لعابه الممزوج بدمها ،و يَصمُّ أذنيه عنْ نُباحها البغيض.


 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : غالية يونس الذرعاني

أستاذ جامعي   / المرج , ليبيا