أضيف في 25 يونيو 2017 الساعة 13:20

بداوة المدينة


رشيد اليملولي

بداوة المدينة.


لا شك أن البداوة باعتبارها مجالا يحتضن قيما اقتصادية و اجتماعية و سياسية و ثقافية ، قد أسهمت بحظ وافر في بناء تصورات الحضارة الإسلامية ،و شكلت جانبا مهما منها ، و من أهم معالم هذا التوجيه ؛ أن غالبية الدول أو الإمارات السياسية ، قد انطلقت في معظمها من أطراف المدينة ، و من ثخوم الصحاري و البراري و المجالات التي كانت تضعن فيها ، و لا غرو أن علاقتها بالمدينة ( السلطة السياسية ) ، قد صيغت على مفهوم اللقاحية و هو الافتخار بعدم الانتماء لأي سلطة سياسية أو مجالية سوى سلطة زعيم القبيلة ، باستثناء تجربة الشعراء الصعاليك أو المعارضة السياسية التي انتدبت مكانا قصيا ، من هنا الحديث عن البداوة لا يعني في تقديرنا إلا مستوى معين من التفكير و نمط من الوعي ، أنتج في ملامحه الكبرى نزوعا نحو عدم التغير و الارتداد الدائم و الحنين إلى وطن البداوة و مجالها ، باعتبارها مجالا للحرية و رفض التبعية مهما كانت درجتها .


لعل البداوة بمفهومها الذهني تعبير عن حمولة و طاقة مخزونة في الذوات المهاجرة ، التي غالبا ما يستعصي عليها الاندماج بمعناه البناء ، أي القدرة على تطوير المخزون بالمحمول الطارئ و الجديد ، و تقديم شكل تكاملي للوعي ، يفضي به إلى تجاوز المعيقات الذهنية و داء الارتداد باعتباره مجالا للأصالة الخيرة و المروءة و الخلال الحميدة ، وتصوير المدينة رمزا لكل القيم السلبية كالتخاذل و التكاسل و المكايسة و المخاتلة بتعبير ابن خلدون ، و كل دلالات الازدراء و التحقير و في أقل الأحوال التصنيف المعد سلفا ، و التي لا تعني إلا فشلا ذريعا في تمثل الجديد بمعناه الحداثي ، أي آلية التفكير و النظر و التأويل وفق منطق العصر بتعبير هيجل ، ذلك ما يجعل من الذات الواعية حاملة بالضرورة للشقاء ( الوعي الشقي ) ، و غارقة في براثن الانتصار للثنائيات الضدية ؛ البداوة رمز للخير و المدينة رمز للشر و الغربة ، و يكفي أن هذا النوع من التفكير و التصنيف ، يعد إرهابا بالمعنى الفلسفي و الأخلاقي ، أي أنه يقيم حدودا فاصلة و جوهرية ما بين الأصالة في طبعها الخير و المحدث و الجديد في نموذجه الشرير .


إن الحديث عن نمط البداوة في المدينة ، لا يرتد إلى أسباب الهجرة الجوهرية ، و لكنه يرتقي إلى مستويات إدراك حقائق المجال النفسية منها و الثقافية و البيئية ؛ فتربية الحمام و الدجاج في أعالي السطوح ، قد لا يفسر في مستواه الحقوقي المستمد من الحرية في التعامل مع المسكن الخاص ، و لكنه يرجع إلى أثر هذه الفعل على مستوى السلوك و التفكير في تأثيث الفضاء ، و تقويمه خارج شكله و نوعه الخاص ، و حين تهجر نباتات الصحراء و نخيل الواحات لتزيين الشوارع احتفاء بمناسبة أو رغبة في إضفاء رونق معين ، فإننا هنا أمام أزمة في الوعي ، حيث تتحول النخلة إلى منظومة في التفكير ، تحاول قسرا أن تفرض ذاتها على محيط لا يكن لها الاعتراف و شهادة الميلاد ، في وقت تعيش هذه النخلة أزمة وجودها و استمرارها ، لا لشيء سوى أن بداوة الفاعل السياسي و الأمني ، قد تحكمت في تهجيرها ، اعتقادا منهما تحويل مجال النفاق المجالي الخاص بالمدينة ، إلى فضيلة المروءة و الأخلاق الحميدة للبادية .


أما أن تتحول مقاهي المدينة إلى أوكار للتجميع ، و إنتاج الفلكلور الكروي و النميمة السياسية ، فذلك ما يعني موت الصالون الأدبي و المقهى الثقافي ، و أن يعني ارتشاف كأس قهوة تزجية وقت و قتل متعة الحياة سواء بالحشيش أو أنواع المخدرات الأخرى ، و أن يتحول ملبس البادية و المنزل إلى وسيلة للتعبير عن الحرية في أماكن تقتضي هنداما ما و سلوكا ما ، فهذا يعني أن يجلس الحمار مرصعا بالجزر و الطماطم على كرسي سيمون دي بوفوار و يناقش في صالونات القرن التاسع عشر .


هذا الابتلاء المجالي بتوجيه من الأزمة السياسية للفاعل السياسي ، يطفو في عمليات نحر الأشجار في المناسبات ، و في وأد المساحات الخضراء بسكين الآجر و الإسمنت بدعوى القضاء على مدن الصفيح ، بعيدا عن أي ميثاق بيئي أو اجتماعي أو أخلاقي مفعم بالإنسانية ، و ليس تسكين الناس و البشر في أشباه أكواخ احتل الآجر و الإسمنت مكان الوبر و عر الماعز .


لعل سياسة التعمير التي قادها النمط البدوي في الفهم المجالي ، تبدو جلية في أشكال و أنواع الزحف العمراني بعيدا عن أي قاعدة عمرانية أو بيئية أو مجالية ؛ فالتصحر قد لا يعني فقط زحف الرمال على حساب المساحات المزروعة ، و لكنه يفهم أساسا و قصدا في تحويل السكن العمراني إلى فضاء مرعب في بعده الجمالي و الهندسي ، يحتضن قيم العنف تجاه الذوات و المحيط ، حين لا يعيره القيمة اللازمة ، و لا يرى فيه سبيلا للتربية و التوعية ، و يدافع من دون كلل أو ملل على العملية في بعدها الإيوائي و السكني فقط دون أي اهتمامات أخرى ، و كأن العملية مرهونة بالخوف و الرهاب من العراء و كشف العورة ، في إلغاء صارخ لقيم المحيط المحفز على الإبداع و العطاء .


إن أزمة المدينة في المغرب لا تقاس في المستوى العملي ، و لكنها تعود في جانب كبير إلى الأصول الذهنية في تمثل الظاهرة المجالية و هندستها ، بما ينسجم و روحها الخاصة ، و تمتد هذه الأزمة إلى الفاعل الرئيس السياسي و الأمني معا ، و الذي لا زال أسير منطق التحكم في التعمير و الهندسة الاجتماعية ، بقوالب ذهنية لا تميز بين المجال البدوي و المديني ، و ترى المجال إطارا وجب إخضاعه انطلاقا من هواجس أمنية صرفة ، دون أي اعتبارات أخرى ، و هو ما أعطى مجالا هشا يصعب فيه الحديث عن المواطنة و الاندماج و الانتماء إلى قيم المجال المبدع ، و في هذا تبرز معاني الفوضى المتأتية من البدونة باعتبارها انعكاس أمين لعدم القدرة على بناء مدينة تمارس الحكمة و الفلسفة ، تعارض و تشاكس و تبني معمارها الخاص من دون روافد لا تحبذ الاندماج ، و إنما تسعى لإغراق المدينة في براثن الرعوية و اللقاحية بالمفهوم الذهني .


 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب