أضيف في 24 يونيو 2017 الساعة 16:07

جامع أحمد باشا القرمانللي


ناصر سالم المقرحي

 

لعبت المساجد والزوايا الصوفية ومراكز تحفيظ القرآن وتدارس علوم الدين فى مدينة طرابلس على الدوام، دورا أساسيا، فى المحافظة على الهوية الاسلامية التى طبعت المدينة على مر العصور ورسختها .

 

ومسجد "أحمد باشا" الذى نحن بصدد التعريف به هو أحد أهم هذه المساجد المنتشرة بمدينة طرابلس الغرب، خاصة داخل ما يعرف اليوم بالمدينة القديمة، التى تحتوى بين أسوارها على العشرات من المساجد والزوايا التى كانت عامرة بالعلم والمتعلمين، حينما كانت العلوم الدينية هى أقصى ما يمكن أن يتحصل عليه الطالب من معارف لأنها الوحيدة التى كانت متاحة حينذاك دون بقية العلوم الأخرى .

 

 

 

معمار مميّز

 

يقع المسجد الذى بدأ فى تشييده أحمد باشا القره مانلي، الذى حكم طرابلس بين الأعوام 1711 و1745 فى سنة 1736 وهو التاريخ الذى تبينه اللوحة التذكارية التى ثبتت فوق المدخل الرئيسى فى الجدار الشرقي، وذلك يعنى أن عمر هذا الأثر اليوم هو مائتان وواجد وثمانون عاما بالتحديد، يقع هذا المسجد بالقرب من مدخل المدينة القديمة المعروف بباب هوارة أو باب المنشية، وتحديدا بسوق المشير الذى يفصل المسجد عن قلعة السرايا الحمراء، والذى يطل عليه – أى السوق – بجدار طوله ثلاثة وخمسون مترا.

 

تتقدم هذا الجدار مظلة تقف على عدد خمسة عشر عمودا يصل بين كل اثنين منها قوس، فى حين تخترق الجدار ثمان نوافذ هى الوحيدة التى تطل على الخارج باعتبار ان المسجد يتوسّط منطقة مكتظة ومتراصة بالمبانى ومغطاة، ويحده من الشمال سوق الرباع القديم المختص ببيع الملابس التقليدية ويفتح عليه بأحد أبوابه الخمسة، ومن الغرب سوق الصياغة الذى يوجد به باب أيضا يؤدى الى المسجد.

 

ويمكن بلوغ المسجد من ناحية المدخل البحرى لسوق المشير الذى يبدأ من برج الساعة، وقد بنى المسجد على أنقاض سجن كان قد أسسه محمد باشا الساقزلى لإيواء الاسرى الاوروبيين وأسماه سجن سان أنطونيو، وثمة آراء أخرى ترجح بناء هذا الجامع على أنقاض جامع عمرو بن العاص الذى شيده عندما جاء فاتحا لشمال افريقيا .

وتعود أصول أحمد باشا الى بلدة "قره مان" فى الاناضول بآسيا الصغرى، قبل هجرة أسلافه ونزوحهم الى طرابلس، الذى دام حكمه لها 34 سنة وتوارث من بعده خلفاؤه من الأسرة الحكم لمدة قرن كامل .

 

وقد أراد أحمد باشا لمسجده هذا أن يكون تحفة فنية متميزة فسخر له كل الامكانيات ووضعها تحت تصرف البنائين وعلى رأسهم السيد القشطلى المهندس الذى يعتقد أنه من أشرف على عمل البناء .

وصف المعلم

 

وتبلغ مساحة المسجد الكلية حوالى 2584 مترا مربعا تتضمن بيت الصلاة الذى يشغل أربعمائة متر ويتخذ شكل مربع، ويقع وسط الفناء المحيط به من ثلاث جهات أما الجهة الرابعة فقد احتلتها المقبرة أو التربة المسقوفة والملحقة بالمسجد، والتى خصصت لدفن جثث بعض أفراد الأسرة الحاكمة وتضم مجموعة من الأضرحة تعلو بعضها شواهد قبور لازالت الى الآن تحتفظ بأسماء من دفنوا بداخلها وتواريخ وفاتهم، ومن ضمنهم ضريح مؤسس الجامع كما يرجح الباحثون . ويتكون بيت الصلاة من قاعة مرتفعة تغطيها خمسة وعشرون قبة نصف دائرية أسندت على ستة عشرة عمودا من الرخام المصقول بشكله الأسطواني حيث تمت زخرفة القباب بالزخارف الجصية وبنيت جميع القباب بنفس العلو والمقاس ما عدا قبة المحراب التي كانت أغلى من بقية القباب التي تتدلى من بعضها الثريات الجميلة .

 

وقد غطيت جدران القاعة والى ارتفاع كبير بقطع البلاط الخزفى "القيشاني" ذى التشكيلات البديعة والألوان المريحة للعين، وتعلو هذه البلاطات نقوشات مطبوعة على قوالب الجبس تضمنت كتابات واشكالا هندسية مستوحاة من تجليات البيئة الاسلامية، ويتوسط البلاط الخزفى والقوالب، شريط عريض من الجص نقشت عليه كلمة عافية بشكل متكرر يلف حول القاعة بالكامل.

 

وبمنتصف جدار القبلة يوجد المحراب وهو عبارة عن تجويف أو انحناءة مقوسة محفورة فى الجدار يؤطرها عمود من كل جانب وكسيت هذه الحنية وما يحيطها لقطع الفسيفساء و البلاطات الخزفية كي تتناغم مع ما حولها ، الى جانب شريط يكلل قوس المحراب يحتوى على آية قرآنية نقشت بالخط الكوفي، وعلى يمين المحراب يوجد المنبر الثابت الذى تم بناؤه هناك وغطيت أركانه بألواح الرخام الموشّاة بالزخارف المرمرية التى جاءت على شكل نباتات وورود، وبقمة المنبر بعد اجتياز عدة درجات تنتصب على أربعة أعمدة رخامية صغيرة قبيبة تم تغليفها بألواح النحاس المنقوش بطريقة الدق والطرق عليه، وبواجهة المنبر فوق السلم كتبت آية قرآنية .

 

توجد أعلى الباب المقابل لسوق الرباع داخل البيت، سدة خشبية مرفوعة على أربع أعمدة خشبية، وتنتهى عند الشرفات الجانبية المسيجة بالخشب وتطل على قاعة الصلاة ويصعد إليها بواسطة درج خارجى فى الفناء. وتستعمل ايضا كمكان للصلاة أوقات الازدحام فى العيدين والجمع، واستكمالا للمشهد الرائع تم دهن الاخشاب المكونة للسدة والمسيجة للشرفات بألوان زاهية ووضعت عليها تخطيطات بالأصباغ الزيتية اللماعة بهيئة أغصان ونباتات وأشكال انسيابية وتجريدية جميلة بشكل أظهر خصوصية الفن الاسلامي .

 

إشعاع روحاني

 

لعل الشيء الوحيد الذى يميز هذا المعلم هو الأعمدة التى يحتويها ويوجد منها أكثر من مئة عمود بأشكال وأحجام وتيجان مختلفة، ويلفت انتباه الزائر حال ولوجه فناء المسجد، الزخارف المطبوعة على البلاط الخزفى الذى يغلف كذلك الجدارن الخارجية لقاعة الصلاة وتحيط بالأبواب متقنة الصنع، وربما استمد الجامع جماليته التى نجده عليها من اكتظاظه بالتفاصيل الصغيرة وتجاور كل من البلاط الخزفى والمشغولات الجصية والأعمدة والخشب المحفور وتواجدها بجانب بعضها البعض وفق ترتيب متقن نابع من رؤية اسلامية .

 

ولعل ذلك تحديدا بالاضافة الى السكينة التى تلف المكان والإشعاع الروحانى الذى يلمسه الزائر، هو ما يجذب السياح الذين يحرصون على زيارة المسجد والتجول داخل أروقته ولا يستثنى من ذلك بيت الصلاة، والتقاط الصور التذكارية، حيث لا تكتمل زيارتهم للمدينة العتيقة بطرابلس إلا بالمرور على هذا الأثر الهام .

 

ويمكن الدخول الى بيت الصلاة من خلال خمسة أبواب متوزعة، توجد اثنان منها فى الجدار الشمالى والاثنان الآخران فى الغرب والباب الأخير من الجهة الشرقية وفى كل الأحوال ومن كل الأبواب الخارجية، الزائر مطالب بأن يصعد بضع درجات للولوج الى باحة المسجد بسبب أرتفاعه عما يجاوره من أبنية .

 

ويحتوى المسجد الى ذلك على العديد من النوافذ التى وضعت لغرض التهوية والاضاءة ولم يتسنثى من ذلك جدار القبلة الذى تقع وراءه التربة وبالامكان رؤية الاضرحة من داخل بيت الصلاة من خلال هذه الشبابيك التى يدخل فى تكوينها فى الأغلب الزجاج الملون

وفرشت الأرضية بالسجاد الفاخر وهو الأمر الذي ضاعف من من بهاء المنظر النابع من انسجام عناصره ومكوناته ولا جدال في أن لكل ذلك الجمال الغامر تأثيره المعنوي والروحي على المصلي والزائر على حد سواء الشيء الذي من شأنه أن يعزز الشعور بالسكينة والأرتياح ويهيء للأستغراق في أداء شعيرة الصلاة

وتقع الميضأة والحمامات فى ركن من الفناء الخارجي، والميضأة عبارة عن خزان مثمن الاضلاع تغطيه طاقية من الخشب طليت باللون الأخضر تأخذ شكلا مدببا، وتحيط بهذا الخزان من جوانبه الثمانية صنابير تستعمل للوضوء، ويتم تصريف مياهها عبر مجرى يحوط الخزان بشكل دائرى يقع على حافة المكان المعد لجلوس المتوضئين، هذا قبل أن تتم اضافة صف آخر من الصنابير بالقرب من الخزان ولوحظ أن الميضأة تتشابه وتلك الموجودة ببعض مساجد القاهرة كجامع ابن طولون وأن دل هذا على شيء فإنما يدل على التواصل والتأثر الذي كان سائدا حينها

 

أما المئذنة المنفصلة عن البيت والتى اتخذت لها مكانا فى أقصى الركن المطل على سوق المشير، فتتكون أيضا من ثمانية أضلاع وتم تشييدها على قاعدة خرسانية مربعة الشكل ومرتفعة قليلا، ويبلغ قطر المئذنة ثلاثة أمتار تقريبا فى حين يصل طولها الى ثمانية عشرة مترا وتنتهى بشرفة دائرية أو مثمنة بالأحرى تمكن المؤذن من الدوران حول المئذنة لإيصال صوت الآذان الى كافة الأرجاء بينما ترتكز هذه الشرفة على قواعد ذات هندسة إسلامية تشدها إلى جسد المئذنة تتصاعد من أعلاها حتى تبلغ الطاقية الخضراء المدببة التي بدورها تنتهي بهلال نحاسي

 

وللوصول الى باب المئذنة الذى يعلوه نقش لآيات قرآنية من سورة الجمعة تحث على ترك البيع والتوجه لأداء فريضة الصلاة بسبب وقوع المسجد بمنطقة تكثر بها الأسواق وتكتظ بالناس، للوصول لابد من اعتلاء بعض الدرجات، هذا فيما يتعلق بالمئذنة المجوفة من الداخل والمحتوية على سلم حلزوني , وتعتبر مدرسة جامع أحمد باشا من أشهر وأعرق المدارس الدينية فى طرابلس وتتكون من طابقين مقابلين لبيت الصلاة ويشتملان على الخلاوى والفصول التى استعملها الطلبة والمنقطعون للعلم، الى جانب مساحات أخرى أصغر لإقامة الصلاة .

 

وقد تم بناء هذا المسجد على نفس النمط والهندسة التى تم بها تشييد جامع شائب العين الذى يقع داخل سوق الترك وجامع قرجى الذى يقع بالقرب من قوس ماركوس أوروليوس الرخامى بطرف المدينة العتيقة الشمالي إلا أن مؤسس الجامع أراد له يكون مميزا ومتفوقا على هذين الجامعين من ناحية المساحة والأتساع بالنسبة لجامع قرجي الذي يفوق جامع أحمد باشا ثراء وغنى في الزخارف والتشكيلات البديعة بينما يتفوق جامع أحمد باشا على جامع شائب العين بزخارفه ومساحته مع تشابه الهندسة والهيكل الأساسي لكل من المساجد الثلاثة

وقد تحقق للمؤسس هذا الهدف ببنائه الذي ابتغى له أيضا أن يكون شاهدا على ازدهار طرابلس سنوات حكمه التي امتدت لأربعة وثلاثون عاما . وتعرض هذا الجامع كغيره من المعالم لعوامل التعرية والتآكل بفعل المتغيرات البيئية والتقلبات الجوية الموسمية فكان لابد أن تتم صيانته بين الحين والآخر أما أكبر عملية صيانة أجريت له فقد تمت على يد مشروع تنظيم وإدارة المدينة القديمة واستمرت من العام 1988 إلى الشهر الثالث من العام 1990 حيث تم افتتاح المسجد بحلته الجديدة . خضع بعد ذلك المسجد لعملية صيانة أخيرة قامت بها هيئة الأوقاف والزكاة بحسب الشاهدة الرخامية المعلقة على مدخل المسجد الرئيسي .

*********

كُتِبَ هذا المقال عام 2006 ونُشِرَ في صحفة العرب اللندنية

ناصر سالم المقرحي

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : ناصر سالم المقرحي

محاسب   / طرابلس , ليبيا

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق