أضيف في 21 يونيو 2017 الساعة 15:37

الدين و التدين و المفارقات الحدية


رشيد اليملولي

الدين و التدين و المفارقات الحدية .


يقصد بالدين المنظومة المرجعية التي تشكل إطارا تنظيميا و تشريعيا ، يسعى إلى تقنين و تأطير مجالات الحياة بما ينسجم و هذه المنظومة المرجعية ، و في تقديرنا الدين مجال خصب تستمد منه روح الإنسية و الإنسان و العلم و الفن و الثقافة ، شريطة أن تترافق هذه الروح مع الأسلوب الراقي في الإبداع ، و الذي يراعي منطق العصر و خصوصيات المرحلة ، يروم بناء الندية في إنتاج الذات مع الآخر ، بنفس يهفو خدمة الحضارة و إكسابها المناعة اللازمة للاستمرار في إطار العطاء ، و القدرة على احتواء الاختلاف و صياغته في قالب منتج للدلالة الإنسانية و أشكال وجودها .


أما التدين فهو الصفة الشخصية المستمدة من الدين ، أي أشكال الوعي و التمثل الذهني و النفسي و الاجتماعي ، وزاوية النظر التأويلية للقضية الدينية أو السلوك المرتبط بها .


نستخلص من هنا أن الدين ملك عام و التدين شأن شخصي ، و لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون الاجتهادات من الناحية الدينية ملزمة ، ما دامت نابعة من " رؤية " خاصة ، و تأويل معين خاضع لاعتبارات ظرفية ، قد لا تمتلك بالضرورة ناصية " القول " الحق أو الفعل ، و إن صدرت من الأئمة ، كل ما في الأمر أن هذا الاجتهاد حين تحتضنه السياسة يتحول إلى دين مقدس ملزم في إطار فقه الضرورة ، و سياسة و سلطان الطاعة و الإجبار و القسر .


إذن حين تتزاوج السياسة بالدين ؛ يتحول بالضرورة الدين إلى مجال للفرقة ، لأنه خاضع لإرادات الهيمنة و السيطرة ، في أفق تدجين و إنتاج الأفهام و الأجساد الطيعة .


يقال المناسبة شرط و الشرط قراءة معينة ، تستحضر كل السياقات بهدف تقديم " رأي " يحمل المشاكسة و يرتوي من الطابع الإشكالي الذي قد تستعصي معه الإجابة بالمعنى الدقيق .


في المقهى و إن طفت على كراسيها علامات اللهو و الترفيه تشنف المسامع بالقرآن و الدعاء .


على صفائح السيارات و الشاحنات و الحافلات كتب عليها هذا من فضل ربي .


في باحات المساجد ، و الدروب و الأزقة ، في الملهى و التلفزة و المذياع .


في وسائط التفاعل الاجتماعي ، خطاب ديني مفرط يغالي في التسويق و الكلام العابر ، و المساجد فارغة و الأرواح عارية .


على جنبات الملاعب و في استجوابات الراقصات علامات توبة و ندم و وورد يومي و قراءة قرآن .


دروس رمضانية و قيام الليل و صلاة التراويح و الصدقات الجارية ، و في كل همسة و لمسة و إيماءة و إشارة ، يتقاطر كرذاذ يبتل به كل مار أو محاور .


لماذا كل هذا ؟ هل الأزمة أزمة تدين بالفعل ؟


أم أزمة أخلاق ؟ أو تربية ؟ أم ماذا ؟


الناظر إلى كل هذه المظاهر ؛ يقول أن التدين علامة صحية ، و دليل على يقظة الضمير ، و الصحوة من عالم تشوبه المادة ، و تطغى عليه الدنيا بمفاتنها .


التوبة نعم ، لكن ليس إلى هذا الحد .


ما معنى الغش في الامتحانات و في السلع و في الكلام اليومي و العلاقات الاجتماعية ؟


ما معنى المحسوبية ؟ و ما معنى سرقة ثروة البلاد ؟


و أين التدين من النفاق و الرياء و حق الارتفاق و استغلال الملك العمومي ، و إنتاج التفاهة و السفاهة و الإسفاف ؟ .


أين التدين من الظلم المنظم باسم القانون ؟و الود و الاحترام و تقدير الإنسان أليس الإنسان مكرما في الدين و القرآن ؟


أين العدالة و الحق و الفضيلة و الكرامة ؟


و أين الحق في الاحتجاج و التظاهر و العيش الكريم ؟.


أين أبسط القيم النبيلة من كل هذا التدين ؟و أين الدين من هذا التدين ؟ ، بل و أين تسوية الصفوف في المساجد و غياب اللغو من كل هذا التدين ؟ .


لا نصنع ملاكا من خلال المقارنة ؛ التدين التام و المطلق و النوعي مع دين قح و أصيل ، و إنما نسائل الفجوة بين المعيار و الفعل ، نحاول قدر المستطاع تلمس طريق للفهم في الحدود الدنيا للفهم و التأويل ، علنا نظفر بدلالة ملقاة على ساحل الأرض .


قد يكون التدين الطقوسي تعبير عن وجود بدلالة الفعل خارج أي تمثل نظري للدين و مقوماته .


و قد تكون المغالاة في الاحتفالية الدينية ، غاية يرجى منها تغطية العوز و الفشل في مواجهة التحديات بنفس منطقها .


و قد يكون تعبير راق عن أزمة نفسية لا تستطيع التعبير عن نفسها إلا بالارتماء المجاني في تعنيف الواقع باسم الدين .


القصد و الغاية ليست محاكمة الدين أو التدين ، و لكن الأمر منوط بتقدير الموقف أخلاقيا و علميا ، و رسم مساحة العلة و التباين ما بين حدين ، صورة احتفالية طقوسية لا تندغم و تنسجم مع أبسط السلوكات اليومية أليس الدين معاملة ؟ .


قص الشارب و العفو عن اللحية قد يكون سنة ، و لكن لا معنى لهما في ظل ساكن نذل ( بيت حسن فيه ساكن نذل ) .


في ذكرى 27 رمضان 1438 موافق 21 يونيو 2017.


 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب