أضيف في 21 يونيو 2017 الساعة 14:41

الناقدة التشكيلية خيرة جليل: الفنان محمد موسيك : انبلاج الذاكرة الجماعية التراثية من وسط النسيان والعتمة لتراقب الصحوة التشكيلية بالمغرب


خيرة جليل

 

أحيانا تكون الخلفية الفكرية أقوى من النص التشكيلي في حد ذاته فيمنحه قوة تجعله يرقى إلى مقام التوشح المجازي والتناص الإبداعي ، وهنا نلاحظ توافق الذات المبدعة والذات الواقفة خلف هذا الإبداع والذات المدبرة للنشاط ككل ليضاف لقوة الرسم قوة التحليل والتدقيق والتنظير للعمل الإبداعي ككل، لنرتشف من ينبوعه إبداع صافي المرمى وعميق الدلالة . قوة العمل منحتني متعة القراءة لرصد الحس المرهف والتلاعب الفني بالألوان والرؤية أو الخلفية الفكرية التي ينتح منها التشكيل لدى محمد موسيك ببعده الفكري ، لكن عند قراءة العمل بشكل متأني تحس أن الفنان سافر بك في الزمان من برزخ الواقع إلى كينونة اللون والمتعة البصرية ، فيسبر بك الأغوار اللغة التشكيلية ويقف على مواطن التمكن الفني بامتياز . فكيف تعامل الفنان محمد موسيك مع المنشأ التشكيلي ككل لنحصل على هذه النتيجة المميزة؟

من خلال القراءات المتعددة التي قمت بها لأعماله استطعت أن ألاحظ أن الذات المبدعة تعيش في حيرة في التعامل مع القضية التشكيلية التي يعيشها ويؤرخ لها بلوحاته، مما يفرض علينا تناول أعماله عبر الطرح التحليلي بموقفين مختلفي الرؤى ويعكس جرأة الذات المبدعة في إبداعها وتفاعلها مع وسطها لترجمة أفكارها بالتعبير التشكيلي .

ففي الطرح الأول يمكن أن نقول: انه يطرح تموقع الذات المبدعة في موقع الملاحظ الذي يرصد الواقع المغربي المتحول بنظرة متشائمة . هذا الواقع الذي يعرف غموض في الرؤية التشكيلية ومبهمة الآفاق، ولا تتفاعل مع الموروث الحضاري المتعدد الروافد مما يجعل هذا الموروث الفني والحضاري يبتلعه الفراغ والمجهول ....

الطرح الثاني والذي أرجحه ، ويلخص الرؤية التشكيلية ، وهو الطرح المتفائل . واسميه انبلاج الذاكرة الجماعية التراثية من وسط النسيان والعتمة لتراقب الصحوة التشكيلية بالمغرب. بل هي عملية رصد وإعادة إحياء التراث المغربي كموروث فني غني ،ويرمز لذلك ببصمات هندسية مستمدة من المعمار المغربي الأندلسي . هذه البصمة الفنية نجدها في زخارف الجبس والزليج وتزواقت على الخشب إلى جانب التو ريق وغيره ...هذه البصمة تخرج بألوان واضحة من وسط ألوان داكنة مثل الأسود أو البنفسجي أو الرمادي ...أو الأزرق الغامق كرمز لبحر النسيان ....في إشارة إلى الذاكرة المغربية الجماعية . وهي دعوة صريحة إلى إعادة النظر في الموروث الفني المغربي العريق بتعدد روافده الفنية والحضارية، وإشكالية إعادة توظيفه في المنشأ الفني التشكيلي ودمجه في الإبداع ككل. وهذه النظرة أو الطرح المتفائل يعكسها انبلاج الضوء من خلفية الرمز أو البصمة الهندسية في المنشأ التشكيلي. أو إخراج اللون الأبيض من وسط اللوحة في امتداد نحو الأفق البعيد الذي يمتد إلى ما لا نهاية متحديا الإطار في رمزية لتحدي حدود الملموس والمدرك والمتعارف عليه إلى ما لا نهاية .

وفي نفس الوقت نكتشف داخل المنشأ التشكيلي ذوات تؤثث الفضاء التشكيلي بظلالها وامتداداتها، و بروزها بشكل واضح. هي كلها شخوص ذاهبة وتبتلعها الألوان الغامقة وهذا تعبير عن ماضي الفنان الحافل والذي جمعه بأشخاص في حياته الشخصية او الفنية ابتلعها النسيان او الموت كسنة من سنن الكون... وهي في الحقيقة رمزية الإنسان في الكون كانسان أو كذات مبدعة....فالكل مدبر وليس مقبل ، ويجب ان يترك بصمة غنية فكريا وفنيا وعميقة فلسفيا....وهذا في حد ذاته يعكس خوف المبدع من المجهول والنسيان. وهاجس الخوف من النسيان هذا استحوذ على الأعمال الأخيرة ابتداء من سنة2015 ... وأصبح مستوى أو أفق الرؤية في اللوحة هو منطقة برزخ روحي للفنا ن تحدث فيه الكثير من الأشياء الفنية والروحية . منطقة تحدث فيها النهايات والبدايات لمسار الأشياء وقد عبر عن ذلك من خلال تلاعبه بالكتلة اللونية او مصدر الضوء و علاقة ظلال الأشخاص مع الفضاء التشكيلي أو ضربات الفرشاة. انه مرحلة وبرزخ التحول الضوئي و انبلاج الألوان الفاتحة وتوالد الألوان المشرقة عنها لتمد أشكال لونية ضوئية على شكل مذنبات في مختلف الاتجاهات.

في كيفية تعامله مع الكتلة اللونية نلاحظ انه أحيانا يتعامل مع الفرشاة وأحيانا أخرى يضع اللوحة في وضحية الانبساط على الأرض ويفرغ فوقها كمية من الأصباغ ويحركها بدقة متناهية وحرية حركية تتمايل معها الكتلة اللونية باتجاه حركتها وذلك  حتى  لا تتحكم الفرشاة في أفكاره فيخلق انسجام بين الألوان ويمحي الحدود وفي منطقة الالتقاء تكون منطقة تمازج الألوان وتوالدها لألوان مشتقة أخرى ليسهل عملية المرور بطريقة مريحة للعين المتلقي والدارس للوحة على حد سواء.

عموما عند قراءة أعماله  تحس أن الفنان سافر بك في الزمان من برزخ الواقع إلى كينونة اللون والمتعة البصرية ، فيسبر بك أغوار اللغة التشكيلية ويقف على مواطن التمكن الفني بامتياز ......خيرة جليل

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : خيرة جليل

تشكيلية وكاتبة   / , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق