أضيف في 18 يونيو 2017 الساعة 18:32


استسهال التخلي عن الانتماء للوطن

محمد إنفي

 

استسهال التخلي عن الانتماء للوطن

بذريعة التضامن مع "حراك الحسيمة" أو بدافع الاحتجاج على الاعتقالات في صفوف نشطاء هذا "الحراك" أو لمبررات أخرى، أقدم بعض الأشخاص الذين يعيشون في الدول الغربية على حرق أو تمزيق جوازاتهم المغربية كتعبير عن تمردهم على بلدهم الأصلي وإعلان عن قطعهم الصلة به وبمؤسساته.

وتطلعنا بعض المواقع الاجتماعية ("يوتوب"، مثلا)، من خلال تسجيلات بالصوت والصورة، على هذه العملية التي أخذت في الانتشار حتى أصبح البعض يتحدث عن "حملة تمزيق جوازات السفر المغربية"؛ بل سماها البعض بـ"الظاهرة". يضاف إلى هذا أصناف من الأفعال التي تحمل نفس الدلالة، من قبيل حرق العلم الوطني أو الإعلان عن التخلي عن الجنسية المغربية والاكتفاء بجنسية بلد الإقامة.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه "الظاهرة" ليست جديدة؛ لكنها أخذت بعدا مقلقا مع احتجاجات الحسيمة؛ إذ أصبح التعبير عن التضامن أو الاحتجاج أو التذمر أو التنديد ... يترجم بالتخلي عن الارتباط بالوطن.

يمكن لعلم النفس وعلم الاجتماع وفروعهما المتخصصة أن تجد في هذه الحالات مادة مهمة للدراسة والتحليل. لكن، وبعيدا عن التخصص والتناول العلمي، أرى، شخصيا، في هذه "الظاهرة" تمثيلا وتجسيدا لمتغير أساسي طرأ على المجتمع المغربي بكل مكوناته، بمن فيهم مغاربة الشتات.ويمس هذا المتغير، بشكل أساسي، منظومة القيم.

وتُبرز "الظاهرة" التي نحن بصددها أننا أصبحنا نعيش أزمة قيم، بعد أن تغيرت المفاهيم والمدارك. فلا الوطنية، كمفهوم أخلاقي وكقيمة سياسية، بقيت هي الوطنية ولا الوطن كهوية وكوجدان وكجغرافيا، ظل هو الوطن... لقد طرأت تحولات عميقة في المدارك الوثيقة الصلة بمفهوم الوطن والوطنية، وحتى المواطنة؛ مما جعل بعض الروابط كقيمة وكمفهوم، من قبيل الارتباط والانتماء...تضعف إلى الحد الذي أصبح معه من السهل التنكر لها.

وتحضرني، وأنا أشاهد بعض التسجيلات التي توثق لعملية التخلي عن الانتماء للوطن، صور المغتربين السياسيين المغاربة الذين تمكنوا، في سنوات الجمر والرصاص، من تجاوز الحدود المغربية (أغلبهم بدون جواز) والإفلات من آلة القمع الجهنمية.

فرغم المعاناة الشخصية، الاجتماعية والنفسية، بسبب الوضع العام في البلاد (اعتقالات بالجملة، تعذيب وحشي، تهم خطيرة، محاكمات تغيب فيها أدنى شروط المحاكمة العادلة...)، لم يسجل على هؤلاء المناضلين- رغم التهم الثقيلة التي كانت تلاحقهم (ومنهم من حوكم بالإعدام غيابيا)، ورغم المآسي التي عاشوها- أنهم تنكروا لوطنهم وجعلوا من بلد الإقامة وجنسيته بديلا عن بلدهم الأصلي. بل ظلت غاية مسيرتهم النضالية وهدفهم في الحياة، هو استرجاع هويتهم بالحصول على الوثائق الضرورية لذلك، ومنها الجواز، من أجل العودة إلى وطنهم.

فماذا حصل لبعض مغاربة العالم، اليوم، حتى أصبح عندهم التخلي عن الانتماء للوطن مُستسهَلا إلى هذه الدرجة؟ كيف يمكن تصديق من يصرح بأن الوطن عنده في الدم وهو لا يستحمل (ولا يصون) حتى الوثيقة (جواز السفر) التي تمنحها مؤسسات هذا الوطن؟

 

 

قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : محمد إنفي

, المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق