أضيف في 18 يونيو 2017 الساعة 14:34

من القلوب الإنسانية إلى القلوب الإلكترونية


فيصل القاسم

تكاد لا توجد لغة تضاهي لغتنا الجميلة في التعبير عن العواطف الإنسانية الجياشة تجاه ذوي القربى والوطن. وقد برع شعراء المهجر والأدباء العرب بشكل عام في توظيف تلك المفردات الفريدة في شعرهم العذب وإنتاجهم الأدبي الإنساني، وجعلونا نردد تعابيرهم وأبياتهم الجميلة التي تقطر تشوقًا للقاء الأحباء والعودة إلى الأوطان! وكم تغنى مطربونا ومطرباتنا بالشوق والحنين إلى الأهل والأحبة عشاقًا كانوا أو خلانًا أو أقرباء! ولعل أجمل الأغنيات التي صدح بها صوت أم كلثوم وفريد الأطرش وعبدالحليم حافظ وفيروز ووديع الصافي وغيرهم، هي تلك التي تخاطب الأحبة البعيدين عن عيوننا في ديار المهجر أو الغربة خلف البحار والمحيطات والحدود.

من منا لا يتأثر بأغنية فيروز التي تنادي "حبايبنا خلف الجبل البعيد"؟ ألا تقشعر أبداننا عندما نسمع فيروز وهي تهتف لجدتها: "ستي.. ستي يا ستي اشتقت لك يا ستي"؟ ألم يصدح صوت صباح أيضًا في أغنيتها الشهيرة: "ألو بيروت من فضلك يا عيني، اعطيني بيروت عجـل بالخط شويا"؟ ألا نتأثر جميعًا بالصوت الجبلي العظيم وديع الصافي وهو يطلب من "الطير الطاير" أن يسلم له على الأهل وأن يطمئن على "الزرع في موطنا وعن حال السهل"؟ ألا نذرف الدموع ونحن نستمع إلى المطرب العراقي سعدون جابر صاحب البحة الشجية وهو يناشد "الطيور الطايرة" أن تمر بديار "هلي" وأن تسلم عليهم سلامًا دامعًا؟ ألم يبرع فريد الأطرش في أغنيته الشهيرة "أحبابنا يا عين ماهم معانا" التي أعادت وردة الجزائرية إنشادها بإحساس لا يقل عذوبة ورقة؟ ألم تعاتب ميادة الحناوي الأحباب في أغنية "فاتت سنة حتى الجواب منهم ما وصل شي"، يا ترى "مستكترين فينا المراسيل"؟ ومن منا لا يتذكر أبيات الشاعر المهجري رشيد أيوب وهو يقول: "يا ثلج قد هيجت أشجاني.. ذكرتني أهلي وأوطاني.. بـالله قل عني لجيراني.. ما زال يرعى حرمة العهد"؟ ألا تدمع مقلتنا عندما نستمع إلى بيت محمود درويش الشهير "أحن إلى خبز أمي وقهوة أمي"؟

تبًا لك أيتها العولمة ووسائل التواصل الحديثة التي حرمتيننا من أجمل ما في ثقافتنا العربية، ألا وهي مشاعر الشوق والحنين. لم يعد هناك معنى لـ"البُعاد" والفراق والهجران واللقاء ولم الشمل بعدما حولت العولمة هذا العالم إلى قرية صغيرة، وألغت الحدود والمسافات وسهلت الوصل والاتصال بين الناس.

لم ولن أنسى المرة الأولى التي تحدثت فيها مع والدي عبر الهاتف من قريتنا في سوريا إلى بيروت. لقد ذهبنا جميعًا إلى مركز البريد والهاتف القابع في زاوية دكان صغير لصاحبه أبي وديع، فتجمهرت عائلتنا حوله وهو يحرّك "مناويل" الهاتف اليدوي كما لو كان يطحن القهوة وهو يصرخ بأعلى صوته "ألو يا بيروت ألو.. ألو". لم أصدق وقتها أنني سأسمع صوت والدي العامل في لبنان عبر ذلك الجهاز الأسود العجيب المعلق على حائط ذلك الدكان العتيق. لكننا بقدرة قادر سمعناه وسمعنا.

آه كم كنا نسعد عندما نفتح رسالة قادمة من عمتي المهاجرة في فنزويلا أو من خالي في ليبيا! آه كم كنت أستمتع بالرسائل التي كانت تصلني من الأهل وأنا أدرس في بريطانيا! آه كم كنت أتلهف لوصولها كي أقرأها مرات ومرات! لقد كان أجمل وقت من أوقات اليوم، تلك اللحظات التي أتوجه فيها إلى الركن المخصص للرسائل في الجامعة، فكنت أرنو من بعيد إلى ما يسمونه بعش الحمام الذي يضعون فيه الرسائل الخاصة بكل طالب، لعلني ألمح ظرفًا صغيرًا قادمًا من ربوع الأهل والأصدقاء والأحبة. آه كم كنت أفرح بتلك "المكاتيب" الواصلة بالبريد الجوي فرحة الأطفال بألعاب وثياب العيد! آه كم كنت أرقب ساعي البريد كل صباح من خلال فتحة الباب المخصصة لرمي الرسائل. آه كم كان قلبي يخفق بسرعة البرق انتظارًا لذلك الظرف المـزين باللونين الأزرق والأحمر! آه كم كنت أطير من الفرح عندما "يعلــق" معي خط التليفون من بريطانيا إلى قرية "الثعلة" البعيدة! آه وألف آه! آه كم كنت أستمتع بشريط الكاسيت المرسل من الأهل حيث كان كل واحد منهم يسجل سلامه بالصوت. آه كم كنت أبكي عندما أستمع إلى الأغنية "السويدائية" (نسبة إلى مدينة السويداء السورية) "يا ديرتي.. يا ديرتي وداعًا يا حبيبتي لوما الشقا يا زنبقه ماتطول عنك غيبتي"!

لقد ولىّ زمان الوصل بعدما قضت وسائل الاتصال الحديثة من فضائيات وهواتف متحركة وإنترنت وبريد إلكتروني ومواقع تواصل وتوابعه على تلك الثقافة الوصلية والإنسانية الجميلة.

لقد انكسرت حدة الشوق والحنين لأحبائنا وأهلنا في المهجر أو الأوطان، وانطفأت جذوة التلاقي بعدما قربت تكنولوجيا الاتصالات الحديثة المسافات وألغت الآهات. لم نعد نتشوق ونحن لوصول رسالة بعد أن أصبح ساعي البريد الإلكتروني يوصل رسائلنا إلى أبعد بقاع الأرض خلال ثوان معدودة. لم نعد نفرح بالرسائل الواردة إلينا عبر الإنترنت، فهي بلا طعم ولا رائحة ومنزوعة العواطف والأشواق وملغومة بالفيروسات القبيحة التي قد تدمر الكمبيوتر وما حمل. ومما زاد الطين بلة أن الإنترنت وفرت خدمة الاتصال بالصوت والصورة مما جعل الناس تتحدث وترى بعضها البعض عن بعد، فتخسر متعة اللقاء والوصال عندما تحين العودة إلى الديار بعد طول غياب. أعرف أناسًا يتصلون مع أبنائهم في أمريكا وأوروبا لساعات وساعات عبر سكايب وغيره من برامج التواصل، حتى أنهم يدعون الكاميرا تصور كل زوايا المنزل على طريقة تلفزيون الواقع. لا بل إن الولد في أمريكا يعرف ماذا ستطبخ أمه اليوم في أي بلد عربي وهو يراها عبر الإنترنت تقطع البصل والبطاطا في المطبخ وتقول له: "تعال تغدا معنا يا حبيبي".

ولا أبالغ إذا قلت إن البعض قد مل حتى من الاتصال والحديث إلى الأهل عبر الإنترنت رغم أنهم يعيشون بعيدًا عنهم ألوف الأميال خلف البحار والمحيطات. وأعرف أناسًا لا يفتحون برامج الاتصال كثيرًا خشية أن يدخل على الخط صديق أو قريب يريد المحادثة أو الدردشة من خلف الحدود. وكم يخبرنا الماسنجر بدخول صديق أو قريب على الخط، فنتجاهله أو نكتب ملاحظة تقول إنني بعيد عن الكمبيوتر، ولا أستطيع التحدث معكم الآن. آه كم تغير العالم وغيّر معه حتى عواطفنا ومشاعرنا، وأنا على يقين بأن شعراء المهجر من أمثال إيليا أبي ماضي وجبران خليل جبران وشفيق المعلوف وغيرهم سيتقلبون في قبورهم لو علموا أن العولمة قضت على أدبهم وجعلته هباء منثورًا.

لقد جعلتنا وسائل الاتصال الحديثة نزداد تحجرًا والقلوب أقل إنسانية وشوقًا وهيامًا.

آه يا أيام التواصل القديمة كم كنت جميلة!


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : فيصل القاسم

إعلامي سوري   / , سوريا


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق