أضيف في 15 يونيو 2017 الساعة 23:55

محطات من البهجة الطفولية


المصطفى سالمي

جلس (نبيه) متأملا راجعا بالذكرى إلى أزيد من أربعة عقود من الزمن، إلى بدايات عصر الصورة، كان ذلك بُعيد حدث "المسيرة الخضراء"، لقد كانت الأغاني الوطنية ومشاهد أسراب الحافلات والشاحنات وعلى متنها الناس يلوحون بالرايات والمصاحف، وقتها كان مجرد طفل صغير في القسم الأول ابتدائي بعاصمة سهول "الشاوية"، يذهب والده في كل مساء لشراء نبتة (النعنع) من شاحنات قادمة من بلدة (البروج) التي تتوقف بمحاذاة المقهى الوحيدة ـ حينها ـ بشارع الجيش الملكي، فيطل الطفل الصغير ـ الذي يرافق والده ـ من زجاج المقهى لمشاهدة شاشة التلفاز، هذا الشيء العجيب الذي كان نادرا في ذاك الزمن، وتظهر له صور بالأبيض والأسود تتوالى بشكل عجيب، ويسمع الأغاني الوطنية الحماسية التي تصيبه بقشعريرة، وتجعله يردد بفخر أغنية: (العيون عيني).. كان هذا الصندوق يثير دهشة الصغير ويشده بقوة وعنفوان، لم يكن أي واحد من الجيران يمتلك هذا الشيء العجيب، وكان والده حين يريد أن يحتفي بواحد من الضيوف القادمين من بلاد (عبدة) من إخوته أو أبناء عمومته، يذهب به في المساء إلى مقهى الجيش الملكي الوحيدة لشرب عصير التفاح ومشاهدة الجهاز العجيب، وقتها كان الصغير يستغل الفرصة أكمل استغلال، فلا يرتد إليه طرفه لحظة ولا يلتفت يمينا أو شمالا حتى لا تفوته أية ثانية من تلك اللحظات السعيدة النادرة، وحين حل الجهاز الساحر الفاتن ببيت جارهم (البهلول) أحس الطفل وقتها بالغيرة من أبناء الجيران الذين يستمتعون ويحكون عن حكايات (السندباد) و(ياسمينة)، بينما بدأت نسوة الحارة يدخلن عند السيدة (فاطنة) زوجة (البهلول) أيام السبت والأحد حاملات أرغفة وفطائر، وما كن يفعلن مثل ذلك إلا في الأعياد والمناسبات الكبرى، إنهن يتفاخرن بمشاهدة ذلك العجب العجاب، إذ تخرج بعضهن للحديث عن (زهور وقدور)، أو عن (بنت الخراز)..

لقد كان الطفل الصغير وقتها يتمنى لو يشتري والده جهازا مثل ذاك الذي بدأ تدريجيا يحل ببيوت أخرى، فها هو الشرطي (علال) يشتريه، كما المدير (عدنان)، لكن والده كان مجرد بقال يبيع المواد الغذائية بالتقسيط، ورأسماله لا يسمح بذلك، لكن أحد الأقارب اشترى هذا الجهاز الذي يدعونه "تلفازا"، وبدأ الصغير يرافق والدته وأخته لقضاء بعض السويعات في نهاية الأسبوع، كانوا يسعدون بشرب الشاي وأكل الحلوى اللذيذة، ولكن الألذ كان دون شك هو مشاهدة برامج مثل (الوقت الثالث) و (ألعاب بلا حدود)، كان البث يومي السبت والأحد تتمدد ساعاته وتطول مقارنة بباقي أيام الأسبوع، وتتخلل كل هذا إعلانات عجيبة حيث ترقص تارة "الليمونة"، وتتحدث حبات الطماطم، أو يقدم نادل المشروبات الغازية لزبائنه وهم على ألواح شراعية وسط البحر، وأما أجمل تلك الوصلات أو الإعلانات بالنسبة للصغير فكانت هي الحلاق العجيب وعازف القيثارة الكرتوني والسمكات الراقصات، تلك المشاهد طبعت ذاكرة الطفل، وهي تنافس رسومه المتحركة في ما تخلقه لديه من متعة وإبداع وتنوع وإثارة..

بدأت الحسرة تكبر في نفس الصغير وهو يرى بعض صغار الحارة يتحدثون عن عناوين لرسوم متحركة يستمتعون بها، لكن هذا الحرمان الذي يحسه كان يخفف منه وجود كثير من أمثاله من الصغار المحرومين الذين يشاركونه المعاناة الصامتة المريرة، إلى أن حل يوم جاء فيه الوالد بهذا الجهاز العجيب محمولا على ظهر عربة يد صغيرة، وجاء شخص مرافق ليساعد في تركيب لاقط هوائي أعلى السطح، كان الوالد قد اشتراه بالتقسيط على أن يدفع واجبات شهرية مكلفة، كان ذلك اليوم المشهود أشبه بعيد، وأي عيد!

أخيرا أصبح الطفل مشاهدا حقيقيا، لا مجرد مستمع، وليس من يرى كمن يسمع، لن يكتفي بمشاهدة صور الكتاب المدرسي "اقرأ" ونصوصه مثل (سعاد في المكتبة) أو (الثرثار ومحب الاختصار) أو (عنزة السيد سوغان).. تلك النصوص التي كان يعوض بها نقصا فادحا في الصورة ذاك الزمن، فالأخيرة أصبحت متحركة وناطقة، وهو ما عاد يكتفي بمجرد صور جامدة.. وها هو تلفازه يحتل أحسن موقع في البيت، كسته والدته بثوب مطرز لا يرفع عنه إلا في السادسة والنصف حيث يبدأ البث اليومي، كان الصغير وهو في قسمه يعد الدقائق والثواني كل مساء منتظرا الجرس الرحيم على أحر من الجمر حتى يطلق ساقيه للريح، يأتي عدوا مثل بعض زملائه المحظوظين ممن يوجد الجهاز العجيب في بيوتهم، يدخل الصغير وهو يتصبب عرقا، أحيانا يجد منظر الدائرة ذات المكعبات والمربعات البيضاء والسوداء، ذاك المنظر الذي يسبق تلاوة القرآن الكريم، ثم تنطلق الرسوم المنتظرة: (مغامرات الفضاء)، حقا لقد كانت الأخيرة عشقه الأول والكبير، كان الصغير يبتهج في نهاية كل حلقة بانتصار (غرندايزر) على الأشرار: (كندال ،بلاكي وفيغا الكبير)..

تمر السنون، وينتقل الصغير إلى مرحلة الثانوي وما بعدها، وتبدا الفرحة الطفولية الساذجة بالذوبان، إن بعض زملائه أصبحوا يمتلكون أجهزة تلفاز بالألوان، ويتابعون قناة جديدة تعرض منتوجات تمتاز بطابع الجودة، بعكس تلفازه الذي يكتفي بقناة واحدة اكتست برامجها بطابع البؤس، لقد كان يقضي زهاء ساعتين من الزمن لمتابعة برنامجه: (العالم الرياضي)، ولكنهم يصدمونه بعدم عرض هدف المباراة الوحيد، ويعلقون على ذلك بجملة اعتذار عن عدم التمكن من التقاط مشهد الهدف، وهو الذي تحمل متابعة تقرير عن أسبوع الفرس ومشاهد من منافسات الغولف، ليصدم بعد ساعتين من تعذيب الانتظار بعرض وجيز مبتور مشوه عن منافسات بطولة بلده في مجال كرة القدم..

وتدريجيا حلت النقمة على الجهاز الذي كان ذات يوم ساحرا فاتنا، فهل تراه أصيب بالتخمة من كثرة ما شاهده من مشاهد وصور، أم أنه انتقل من طلب الكم إلى الرغبة في الكيف والنوع؟ أم الأمران معا؟ وها هو الطالب (نبيه) لا يتردد في كتابة مقالات نقدية في صفحة: (عين على التلفزة) إحدى صفحات جريدة وطنية، ويصب من خلال ذلك جام غضبه على رداءة ما يقدم من برامج، لقد أحس أن المسؤولين في بلاده اغتالوا حلم صباه بأن يمتلك بيت الأسرة جهاز تلفاز كان عجيبا ذات يوم، لقد أصبح الأخير يسبب العصبية بمحتواه الأحادي والرسمي المنفر، فنشرة الأخبار الرئيسية تبدأ في الثامنة والنصف، ولا تنتهي أحيانا إلا باقتراب الحادية عشرة، لتعقبها نشرة أخيرة تعيد نفس الأخبار العقيمة المملة، وحتى لو تم عرض برنامج اليوم أو الأسبوع، فلا يُلتزم به أبدا، لقد تحولت الثقافة إلى سخافة وتبلدت الرسوم المتحركة وتقزمت حين حلت محلها كراكيز جامدة، وبدل مسرحيات عهود الطفولة حلت مسلسلات مدبلجة من كل الملل والنحل، إلى أن حلّ زمن تداول الناس فيه خبر الصحون المقعرة التي تبث عديد الفضائيات، وعاد حديث فاتن ساحر من جديد، إن الأمر يتعلق بنوع من الصحون مختلفة عن أطباق الأكل، فهي لن توضع على الموائد، بل يتم تثبيتها على الأسطح محل الهوائيات، تُرى هل هو حلم كاذب خادع مثل حلم التلفاز منذ زمن قديم مضى؟ وبدأت شائعات تحوم حول منع هذا الاختراع أو فرض رسوم وضرائب عليه، لكن الجديد فرض نفسه كتيار هادر جارف، فرض نفسه بقوة قاهرة كما يفرض كل جديد ذاته، وحل سحر آخر تلاعب بعقول ومشاعر الكبار والصغار، وما عادت الصورة تكتفي بالتهام ثلاث أو أربع ساعات يوميا كما السابق، بل أصبحت صورة متمددة تلتهم ما تشاء من وقت وعمر المشاهد، ولكن حل الاختيار محل الفرض والإرغام والإكراه، وأصبحت متعة العقل والإحساس طاغية مهيمنة ترضي كل الأذواق، لكن سؤالا واحدا بقي يحير صاحبنا، هل التخمة في الصور في هذا العصر وما تلاه من ظهور للأنترنيت وتقنيات حديثة قد حقق السعادة التي كان يشعر بها ذلك الطفل الصغير حين ظهر الصندوق العجيب لأول مرة في حياته ووجوده؟ وهل هي سعادة شبيهة بسعادة والديه وهما يستمعان للمذياع القديم الكبير حجما وهو يعرض قصصه التمثيلية الزوالية من قبيل (الأزلية) و(رحلة بن شامة)؟ أم ان لكل زمن أحاسيسه، وأن متع الماضي لا تعود أبدا بنفس الشعور على الإطلاق! لكن الشيء الذي هو متأكد منه أنه قد حلّ زمن أصبح الهوس بالصورة اعتكافا في زمنه الجديد المعاصر، فالناس منكبون على أجهزة صغيرة يطلعون على عوالم أخرى بجنون أكبر من جنون ومتعة الإقبال على أجهزة ثقيلة أشبه بالصناديق كانت بلونين هما الأبيض والأسود، إنها اليوم أجهزة عجائبية جعلت الصورة الحديثة تستجمع كل قواها وتعيد رسم المشهد كما لم تفعل الصورة القديمة في زمن البهجة الطفولية!

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق