أضيف في 11 يونيو 2017 الساعة 20:33

أحكام وأوهام


المصطفى سالمي

وضعت (حادة) يدها على خدها تفكر في ما يجب فعله اتجاه هذا المكتري الذي جاءها يوما حاملا بين ذراعيه ابنته الصغيرة، داعيا على نفسه وعلى الطفلة بكل داء لعين إن لم يدفع لها واجب الإيجار في وقته، كانت وقتها مترددة في تسليمه المفتاح، فهي لم تكن تعرفه، وأقنعها (الوسيط) بأن يكون القانون سلاحها في التعاقد عن طريق كتابة ورقة مصادق عليها عند السلطة البلدية، وأن تكون مدة العقد عاما واحدا قابلا للتجديد.

كان المكتري يمتلك آلات ميكانيكية للخياطة، ولم يكن يتردد في ذكر الله وحديث الرسول في كل جملة يتفوه بها، إنه في مقتبل العمر، بينما لحية سوداء تغطي نصف وجهه.

مر الشهران الأول والثاني بشكل عادي، فقد أخبرته أنها أرملة ترك لها الراحل خمسة أولاد، وأن هذا البيت السفلي هو مصدر عيشهم جميعا، فردد الرجل الملتحي وقتها:

ـ مال اليتيم كالجمر، والرسول يقول: "وأما اليتيم فلا تقهر"..

اقتنعت المرأة بصدق نواياه، ثم كان الشهر الثالث، حيث جاءها بنصف واجب الإيجار، على أن يأتيها بعد أسبوع بالنصف الآخر. قالت مع نفسها:

ـ لا بأس، فلو كان قدمه كاملا ما صرفت في الأسبوع الأول إلا ربعه..!

مر أسبوع وتلاه آخر والرجل يدخل ويخرج وكأنما نسي أمر الإيجار، اقترب الشهر من آخره، ونزلت (حادة) أدراج السلم لتقرع الباب:

ـ اعذريني أمي (حادة) فالسلعة ما زالت مكدسة، وآخر الشهر أعطيك النصف المتبقي إلى جانب واجب الشهر الموالي.

كانت (حادة) تعلم أن الخصومة والعناد قد يؤديان إلى ما لا تُحمد عقباه، فاحتمت بالصبر والصمت المؤقتين.

مرّت أسابيع والرجل كأنما فجأة ابتلعته الجدران، إذ لم يعد يظهر له حسّ، حتى الآلات ما عادت تُسمع كالسابق، والطفلة الصغيرة التي كانت تلعب أمام باب البيت ما عاد يسمع لها صخب كالمعتاد.

في ذلك المساء المشهود أخبرها ابنها أن المدعو (عبد الفتاح) حمل أغراضه من البيت ليلا، وترك فقط آلتين لنسج الأقمصة الصوفية، فسألته أمه:

ـ وكيف عرفت ذلك؟

ـ أخبرني أبناء الجيران.

ـ وكيف عرفوا أنه ترك بالبيت آلتين فقط؟!

ـ فتحتُ الباب بمفتاح احتياطي كان معي.

ـ أيها اللعين، أما خفت أن يكون الرجل أو امرأته بالداخل وتقع جريمة لأنك اعتديت على حرمة الغير؟!

ـ لقد تأكدت أمي من خلو البيت من أصحابه، ما رأيك أن نحتجز الآلتين وأتركهما عند بعض أصدقائي حتى يأتي مكرها صاغرا ليؤدي ما عليه، لقد مرت الآن ثلاثة أشهر وهو لا يريد أن يرينا وجهه!

ـ اصمت أيها العاق، تريد أن تزج بنا في السجن، البلد فيها قانون، أعطني المفتاح!

تناولت الأم المفتاح من ابنها المتمرد، وتوجهت نحو الوسيط (علال) الذي كان شاهدا على عقد الإيجار، نصحها الرجل برفع دعوى قضائية على المدعو (عبد الفتاح).

مرت أسابيع من الجلسات التي لم يكن الرجل الملتحي يحضرها بالمرة، وحكمت المحكمة عليه بأن يؤدي واجبات عشرة أشهر مستحقة عليه، وسددت المرأة بموازاة ذلك واجبات التنفيذ وأتعاب المحامية، وبقيت تنتظر أن يأخذ لها القانون حقها، لكنهم اعطوها فقط ورقة بها رقم القضية وطالبوها بالانتظار، لكن الانتظار طال وتمدد، كانوا أحيانا يقولون لها: "إن عنوانه غير محدد، عيّني لنا المكان الذي يتواجد به لننفذ عليه الحكم!"، تعجبت المرأة التي كانت تؤمن بأن القانون سلطان على رؤوس الجميع كيف له أن يصبح حملا وديعا أمام شخص تجبر على أرملة ضعيفة.

توالى ترددها على المحكمة لأيام وأيام، وكانت المحامية تؤكد لها أن مهمتها انتهت، وأن الأمر بيد القضاء للتنفيذ.

عادت في أحد الأيام من المحكمة على قدمين متعبتين بعد أن أصبح ركوب حافلة النقل الحضري مكلفا وخارج مستطاعها، ليخبرها ابنها أن المدعو (عبد الفتاح) جاء خلسة بالحمال (قدور) لنقل الآلتين في الثانية بعد منتصف الليل، وذلك إلى بيت أصهاره بحي (القليعة)، وفعلا تأكدت (حادة) من صحة الخبر على لسان (قدور) الذي كان كل خبر عنده بثمن، وأشار لها الحمال إلى موقع البيت بدقة. توجهت الأرملة التي سحقتها أيام الفقر والبؤس إلى حي (القليعة)، قرعت بقوة، ليطل من الدكان المجاور للباب رجل اشتعل رأسه شيبا:

ـ تسألين عن (عبد الفتاح)؟!

ـ نعم سيدي، فعليه عام من الإيجار...

حكت (حادة) قصة معاناتها بتفصيل ممل، وحكى لها الرجل كيف أن صهره فضحه بين الناس، وأن بابه يقرع باستمرار من أشخاص احتال عليهم بلحيته المزيفة، وبكلام الله وكلام الرسول، وأنه هو نفسه ضحية لمقالبه العديدة، وأن الآلتين مجرد خردة لا تساوي شيئا في سوق آلات الخياطة.

مرت أيام والمرأة تقلب يدا على يد، مفكرة في كيفية تدبر أمرها وأمر الأفواه الجائعة لأبناء خرجوا لممارسة مهن وحرف متعبة ومرهقة لا تسمن ولا تشبع من جوع، وعند من لا يرحم أو يشفق أو يقدر، ووجدت نفسها تردد:

ـ رحمك الله يا زوجي (العربي)، تركت لنا قبر الحياة، ولولاه لأكلتنا ذئاب وثعالب البشر أكثر مما هي تفعل..

دخل ابنها الأوسط يعدو قائلا:

ـ وجدت باب السفلي مفتوحا والمفتاح في القفل.

نزلت (حادة) متدحرجة وهي تعدل الثوب على رأسها الذي كساه الشيب، كان المنزل السفلي قد أصبح كمكب قمامة، خيوط وأوراق وقنينات بلاستيكية فارغة، وشمع قد ألصق بأبواب الغرف فأحرقها. أخذت (حادة) المفتاح وتوجهت نحو (الوسيط) الذي نصحها بأن تؤجر بيتها وتحاول تعويض الخسارات السابقة، لكنها أصرت على التوجه للمحكمة والدخول عند السيد الوكيل، فربما يتهمونها بسرقة محتوى وأثاث المنزل.

بعد انتظار سمح لها البواب بالدخول، سمع الرجل ذو البدلة الأنيقة وربطة العنق كلماتها الأولى، ولكنه لم يدعها تكمل سرد معاناتها، وطلب منها بصيغة الأمر أن تضع أمامه المفتاح وأضاف بحزم:

ـ انتظري خروج الخبرة القضائية!

انتهى كلامه بأن دسّ المفتاح في قمطر مكتبه العريض، لتبدأ أسابيع وشهور أخرى من الذهاب والإياب ومن الانتظار القاتل المدمر للأعصاب، ووجدت حادة تكلم نفسها بصوت مسموع:

ـ كيف لا أحد يهتم لأمر أرملة وخمسة أولاد، وكأنما عليهم أن يستفوا التراب !

أجابها ولدها الأوسط الذي كان حاقدا على الأوضاع وعلى الناس أجمعين:

ـ هذا هو القانون الذي قلت إنه يتوجب علينا احترامه!

تمر الأيام رتيبة كحلزون مريضة في ذهاب وإياب باتجاه السيد الوكيل الذي قال لها أخيرا:

ـ خذي المفتاح وقومي بتأجير مسكنك، لم نعد نحتاج لخبرة قضائية، عدم حضور المكتري واستجابته للدعوة دليل على التهرب..

لم تفهم الأرملة (حادة) شيئا، لكنها استوعبت أمرا واحدا، وهو أن الضعفاء من أمثالها يحتاجون رحمة من خبير عليم، يعلم أسرار البؤساء المسحوقين، وهو وحده من يُنتظر منه التنفيذ الفعلي، وهو وحده القاضي الذي يجب تفويض الأمور إليه!

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق