أضيف في 9 يونيو 2017 الساعة 00:06

اليوسفية، مدينة أماتها الأحياء, فهل يحييها الأموات؟


نورالدين الطويليع

في الوقت الذي كنا ننتظر فيه النعي الرسمي لمدينة الأعصاب والتوتر العالي, اليوسفية يتيمة المدائن, بعدما انحدرت إلى الدرك الأسفل في مؤشر التنمية, وطفت على سطح الإقصاء والتهميش والحكرة, في هذا الوقت بالذات جاء النبأ عبر وسائل الإعلام الوطنية والدولية بأن هذه التي تحتضر تضم أحشاؤها رفات أقدم إنسان على وجه الأرض يتم اكتشافه لحد الساعة, وذلك بجبل إيغود الضاربة جذوره في عبق التاريخ.

هذا الاكتشاف أحيى الأمل في نفوس سكان اليتيمة الذين خرجوا عن بكرة أبيهم إلى مواقع التواصل الاجتماعي ليحدثوا العالم بأنهم مهد الحضارة, وليباهوا الجميع بأنهم أصل أصيل, وهم الذين طأطؤوا رؤوسهم سنين طوالا بعدما أخجلهم واقع قريتهم الظالم منتخبوها الذين عاثوا فسادا في تدميرها, عفوا تدبيرها, وعتوا عتوا كبيرا في طغيان عمهوا فيه وتمادوا, غير آبهين لاحتمال ردِّ فِعْلٍ مَا في يوم من الأيام ضد جبروتهم المستمر, ليقينهم أن مطارقهم وأمشاطهم الحديدية المسننة إنما تهوي وتهرش أجسادا غادرتها روح الإحساس, وإن لم تَعْدِمْها, فهي مُلَبَّدَة، تفتقد الشعور بالوخز, مهما كانت درجة حدته, ولذلك فهم يمارسون عدوانهم بسادية كبيرة مستمرئين بالفعل وبِرَدِّ الفعل المرحب الذي لا يخلو من مازوشية ظاهرة، يتلذذ أصحابها بالعذاب المهين، ولا يظهر عليهم غضب مهما اسْتُغْضِبُوا، كأنما هم المقصودون بقول الشاعر:

من يهن يسهل الهوان عليه...... ما لجرح بميت إيلام

قبل هذا الاكتشاف كان هذا حال أبناء اليتيمة، يتوارون عن الناس من سوء طالعهم, يحاصرهم سؤال حال مدينتهم الغبراء القفراء التي تزيدها الأيام رسوخا في مستنقع اللا وجود واللا اعتبار, ويزدادون بتواليها يقينا بأن ما حل بهم قدر مقدر, وبأن الأحياء الأموات الذين تجرفهم سيول الانتخابات إلى مجالس جماعاتهم جزء من هذا القدر, وربما ذهبوا بعيدا, فآمنوا, تحت تأثير مخدر واقعهم الكئيب, بنظرية تناسخ الأرواح, فرأوا في عمرو الذي يجلس على أريكة هذا المجلس قردا استقى روحه من إنسان غادر الحياة, وفي زيد الذي يمتطي صهوة ذاك المجلس, ضبعا, وفي غيرهما كلابا وأبناء آوى وثعالب وقنافذ, اختيرت لها هذه البقعة لتمارس فيها حياة الافتراس,ولِتُمَتِّعَ شريحة بعيدة بفرجة مشاهدتها والتفرج على حالها وأحوالها.

في ظل هذا الوضع دخل الجميع مساكنهم, وعموا وصموا عن سبق إصرار, تاركين لأصحاب الشأن الافتراسي شأنهم, وتقمصوا دور الأموات, فرقدوا مطمئنين في كهف المجهول, دون أمل مأمول, ولا رجاء مرجو, كأنما هم من عناهم الشاعر بقوله:

ليس من مات فاستراح بِمَيْتٍ.... إنما المَيْتُ مَيِّتُ الأحياء

إنما المَيِّتُ من يعيش شقيا .....كاسفا باله قليل الرجاء

لكل هذا صارت اليتيمة مسرحا لمشاهد العبث التي اجتمع فيها ما تفرق في كل مسرحيات رواد أدب اللا معقول, فالجمهور عبارة عن جثث محنطة, والممثلون حيوانات ممسوخة أو مستنسخة, والأفعال والتصرفات تأتي من هنا وهناك, دون أن تكون بينها رابطة منطق, أو آصرة ترابط, وربما إمعانا من القدر في هذا العرض, أو رأفة منه, لست أدري, جاءنا ببشارة عظام الأجداد الرميم, ليمنحنا بعضا من الثقة, ويخرجنا من جحور اليأس والقنوط, وليقول لنا بأن ما أفسده الأموات الذي يمشون على الأرض ويأكلون ويتمتعون كما تأكل الأنعام, ويمارسون الافتراس, كما الوحوش, سيصلحه الأحياء الراقدون تحت الأرض منذ آلاف السنين, الذين خرجوا ورموا دثار التراب ليلعنوا من آذاهم في مرقدهم, ولم يتركهم ينامون مطمئنين كما كانوا من قبل, بعدما أحرقتهم صفعات كائنات انتخابية تدب على الأرض, ولم يتحملوا, كما تحملنا, نحن الأحياء, همجيتها, لأن حياة البساطة التي عاشوها ربتهم على الكرامة وعلو الهمة ورفض الخضوع والانحناء لأحد, عكسنا نحن الذين تآلفنا مع الفساد وجنحنا إلى عقد الصلح معه, بدوافع شتى وطرائق قددا.

فهل سيكون لهبة الأجداد وصعودهم إلى مسرح الحدث أثر في تغيير سيناريوهات العبث إلى واقع آخر مغاير تماما, سمته الحياة النابضة بالتدبير العقلاني والشفاف, ورفع ستار الحكرة والإقصاء والتستر أو غض الطرف عن اللصوص، أم أن دار اليتيمة ستبقى على حالها البئيس بِيََتَامَاهَا وبآكلي أموالهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؟

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : نورالدين الطويليع

, المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق