أضيف في 2 يونيو 2017 الساعة 20:56

وادولتاه!!


رشيد اليملولي

وادولتاه !!.

فشل " الإجماع " السياسي و التوافق المرتبط به منذ دستور 2011، أن يخلق أو ينسج لنفسه المسار السياسي السليم ، بإرساء دعائم الدولة القوية تنمويا و حقوقيا و فلسفيا ، بقدر ما قعد لمناخ سياسي ، تم فيه التحايل باسم مبادئ دستورية على العديد من المطالب الاجتماعية و الحقوقية ، و تحويلها إلى شعار سياسي تم بوساطته تقزيم شرعية الحركة الاحتجاجية ، و تأجيل مطالبها ، و بالتالي مفهوم الدولة الراعية للمجتمع إلى حين ، و إن كان من نتيجة تمخضت عن ذلك ، فهي التنصيص الدال على مفهوم الدولة الفاشلة ، و من جهة أخرى وجود أحزاب و تيارات سياسية تحت الطلب إما للتعطيل ، أو لتمرير مفهوم الدولة الميتافيزيقية التي تبدع في قتل الحراك و الحركية في المجتمع .

خبت الفلسفة المخزنية و الاحتياطي المرافق لها أمام جملة من الأحداث ذات الطبيعة الاجتماعية و بغطاء سياسي ، في مقدمة ذلك قضية محسن فكري ، التي تحولت إلى احتجاج منطقة الريف ، حتى لا نقول ثورة أو تمرد ، أو عنف ثوري مهما أبدعت سلطة الدولة المتنوعة ؛ الإعلامية منها و السياسية في تشويه الحس النضالي لحراك الريف ، المهم في تقديرنا الخاص أن الريف أبدع في الاحتجاج مهما طغت الانزلاقات ، أو تفشت مظاهر التطرف اللفظي و المادي و الرمزي ، فهي من طبائع الأمور.

الملاحظ أن تحرك الريف للاحتجاج لم يسلم من الذاكرة التاريخية و التمثل المرتبط بها ، بشكل يعيدنا إلى سنوات 1958 و 1959 و 1984و 1916، مع قضية محسن فكري . الثابت في هذا التمثل هو الإمعان في تعميق هوة الصراع بين المجال الريفي ، و السلطة بمختلف مكوناتها ، بشكل جعل من الاحتجاج ثورة و تمرد يسعيان إلى الانفصال ، و تأسيس الإمارة التي تغذت على أيقونة الريف محمد بن عبد الكريم الخطابي ، هذه الذاكرة المجروحة تاريخيا ، حاول المخيال الريفي و السلطوي تعميقها من منطلقات ضيقة ، فشلت الدولة بالخصوص في إضفاء الحقيقة التاريخية عليها ، مادامت صاحبة السيادة ، بالمقابل ؛ لم تكن المسلكيات التي عبر عنها الريفيون خاصة الأعلام المعبرة عن الإقليم و المنطقة و المجال ، لتلغي هذا التمثل أو تقلل من حدته ، و هي في تقديرنا تعبير عن مكبوتات سياسية ، أملتها سياسات التحقير و التهميش و الحكرة ، أكثر مما غذتها نزعة الانفصال ، فكانت بذلك تعبير عن رد فعل و الند للند للسلطة ، مؤطر بخلفية اجتماعية سمتها التجزيء المخزني للمجال المغربي ، و إخضاعها عمليا وواقعيا لسياسة التباين الجهوي في مستوى الثروة .

بداية و تجنبا لأي تأويل متعسف ؛ الاحتجاج انطلاقا من اقتناع بالتهميش و الإقصاء و قلة المشاريع ، التي تمكن المجال بعمومه من الانخراط في منظومة التنمية ، تعد بوابة شرعية لأي احتجاج ، و أي مسعى يروم إلغاء هذا الحق في ظل التطور المتنامي لأنواع الحقوق يوصف بالارتداد المؤسس النابذ لكل رغبة في التغيير ، لذلك انطلق الريف من خاصية اجتماعية و سياسية ترد إليه هذا الحق في الانتماء التنموي للبلاد ، و كل نزعة استئصالية من طرف الدولة أو نزعة من طرف المحتجين في الريف أو غيره لا تمتلك أي شرعية حتى لا نقول مشروعية ، مادام أن الهاجس هو بناء الدولة انطلاقا من المجتمع الموحد توحيدا ، يجمع بين خاصية التنوع الإثني و الثقافي و المجالي ، بشكل لا يجعل هذه الخصوصية ملاذا لركوب الإحن و النعرات باسم مبادئ سياسية عليا ، فالتأويل المتعسف لحراك الريف من طرف بعض رموز الدولة ، بردم حقوقها و وأد أحقيتها الاجتماعية ، في براثن الانفصال و الدعم الخارجي و ما إلى ذلك ، يبطن أن الدولة لم تتجاوز بعد " طفولتها " السياسية ، و إنها بحاجة ماسة إلى أشواط طويلة في بناء مؤسساتها الدستورية ، بمضمون حقوقي و فلسفي دال و منتج حضاريا ، لكل ذلك نحسب أن حراك الريف حراك اجتماعي مهما دندنت من حوله قوى الظلام الراغبة في التفسيرات الأحادية ، و مهما علت المؤشرات الدالة عليها ، فهي لا تعني في تقديرنا إلا تأويلا معينا ، و ليا لعنقها حتى تتماشى مع الأنا السلطوية و النسيج السلطوي الدائر في فلكها و المستفيد من ريعها .

اللافت أيضا في هذا الحراك هو الحضور القوي لمنطق التخوين و النهل من الإرث " الفقهي " السياسي الداعم للشوكة و العصبية ؛ فمن المعلوم أن الفقه السياسي السني عموما ، لم يجز التغيير من الثورة أو التمرد ، و اقترح مقابلا " كسولا " و ارتكاسيا ، مفاده الصبر على الظلم ، ما دامت الفتنة أشد من القتل ، و لم ينتبه قط إلى أن أصل السلطة يمكن أن يكون فتنة ، و في هذا المجال تتساوى الفتنتان . هذا الإرث هو الذي فجر حدة التوتر في حراك الريف ، حيث أبانت خطبة الجمعة ، و بإيعاز واضح من وزارة الداخلية أولا و وزارة الأوقاف ثانيا ، أن يتم وسم الحراك بالفتنة ، و ما يثير الاستغراب هو درجة تملق الفقه للسلطة و الحكم ، فلم تخطر ببال زمرة الفقهاء أن يتحدثوا يوما عن الظلم و القهر و الحكرة و استغلال النفوذ و الارتشاء و مقالع الرمال و رخص الصيد و المأذونيات ، و عن شطحات السلطة ، و كلها فتن فتانة لم تنل حظها من التخوين من وزارة أصبح همها الأساس تخوين المجتمع و شيطنته ، وتبرئة السلطة و إبراء ذمتها من كل ذنب ، و في هذا المقام تستوي هذه الفتوى قلبا و قالبا مع الفتنة ، فمن الأفتن ؟ التعبير عن الظلم و الصدح به ، أم السكوت عنه .

إذا كان النظام السياسي برمته مسؤولا مسؤولية دينية و سياسية ، عما آلت إليه الأوضاع ، فإن درجة المسؤولية تتباين ، ولا يمكن بأي حال من الأحوال إدانة طرف على حساب آخر ، غير أن الذي له معنى له ، ليس من حيث الطبيعة القانوينة ، و لكن من حيث الطبيعة الأخلاقية و الرمزية و الإنسانية ، هو دور الملك و رئيس الحكومة و رئيس الجهة ، حيث أبانت هذه الأحداث عن تواري هذه الرموز إلى الخلف بشكل غامض ، فبإمكان التدخل الرمزي لهذه المؤسسات في بداية الحراك أن يجسر الهوة ، و يضفي معنى الإنصات و القرب و " الإنسانية " على العلاقة بين هذه المكونات ، و في أقصى الأحوال بناء الثقة ، و جبر الضرر الذي أنتجته الذاكرة التاريخية ، غير أن هذا الغموض ازداد حلكة ، و أبانت هذه المؤسسات عن درجة معينة في التغاضي و النفور ، فسلطة رئيس الحكومة و الأغلبية المرافقة له أبانت عن فقر قوي في التعاطي مع هذا الحراك ، فما بين البيان التخويني الذي أصدرته الأغلبية الحكومية ، و ما بين السفر العاجل أمام تطور الأحداث و تناميها في الحسيمة ، يكمن بون شاسع و مفارقة غريبة في تقدير الوضع ، يشي بمفارقة مغربية بامتياز يصعب علينا تأطيرها ، إلا إذا قررنا أن السياسة موت طبيعي في المغرب طبعا في القوة الاقتراحية و التدخل الفعال ، و تبني القضايا الاجتماعية ، حيث أن البيان أفشى عن سوء تقدير و قراءة ، لتعمل الزيارة على تأكيد المنحى المتردد و الضبابي لحكومة همها التحايل ، و إرجاء الإصلاحات الجوهرية ، و الدفاع عن قيم الانتفاع و ثقافة الهمزة ، و ذلك من خلال هجومها المستمر على القيم المادية و الرمزية للمجتمع و مكوناته ، و لا يختلف في هذا رئيس الجهة الذي اختفى عن الأنظار ، و لم يكن ظهوره إلى لتأكيد حياته دون موته ، لنخلص إلى أن المؤسسة السياسية بمكوناتها الثلاث ، فشلت في إعادة الثقة إلى الريف بانتماءه إلى المجال المغربي ، و تم التعامل مع حراكه بنوع من التجاهل ، الذي فسح المجال للقوى الخارجية خاصة إسبانيا و فرنسا و إيطاليا ، بالترنح من أجل إيجاد موطئ قدم في الحراك و استثماره سياسيا في الملف الحقوقي ضد المغرب ، و الأدهى تقديم مادة دسمة للقوى المعادية بالمعنى السياسي و الاقتصادي للمغرب ، و ليس الزفزافي و الشيعة و المخابرات الجزائرية ، للاتجار بقضية المغرب خاصة في المجال الحقوقي و ملف الصيد البحري ، و لا نعتقد أن هذا الموقف يخدم المغرب و المؤسسة السياسية بمكوناتها ، هذا دون الحديث عن وزارة حقوق الإنسان ووزارة العدل و المجالس الحقوقية الأخرى ، وعن دور المجتمع المدني الذي أصبح ذيليا إلى درجة قصوى ، و لم تكن إسهاماتهم في هذا المجال إلا رجوعا للقهقرى و استعجال خطى الموت الدستوري و السياسي و الحقوقي .

استطاع حراك الريف بالموازاة مع ذلك أن يكسب مشروعية اجتماعية بالنظر إلى امتداده المجالي ، حيث عبرت القوى الحية عن تفاعلها اللامشروط مع هذا الحراك ، و أبانت العديد من المدن عن انخراطها في التضامن خاصة الدار البيضاء و تطوان و الرباط و مراكش و مكناس و الناظور ، و غيرها من المدن ، و " وتفوقت " كما هي العادة الدولة الأسطورية أن توقف هذا الزحف دون أن تقضي عليه و بأسلوب القوة ، مستعملة العديد من الغرباء و الحياحة و العياشة بغرض التقزيم و التشويه ، و تكميم الأفواه و إن كان من عنوان معبر في هذا التدخل هو منسوب القوة المفرطة المادية منها و الرمزية ( السب ـ الشتم ـ اللعن ) و غيرها ، حتى على أصحاب القانون و الشخصيات الاعتبارية ، فهل يصل الجهل بالقانون إلى درجة استقواء الأشخاص عوض القانون ؟ و ما الخوف من تضامن مشروع سوى فراغ في الامتداد الاجتماعي و الصورة البشعة لهذا الأمن ؟ و أين هي توصيات تكوين رجال الأمن في مجال حقوق الإنسان ؟ و إلى أين وصلت مذكرة وزير الداخلية في عدم التعرض للمواطنين ؟ . في هذا المستوى يصعب علينا تصنيف الدولة ، إذا كانت لا تلتزم بما تنادي به و انطلاقا من فلسفتها و شخصيتها ، و ليس انطلاقا من قراءة خارجية أو إملاءات من أي طرف .

أسئلة قد تبدو غريبة لكنها في منطق الدولة الأسطورية بمثابة ماء زلال ، ما دامت لا تركن إلى حقها الخاص و تأويلها الانفرادي للقانون و مضمونه ، و اعتمادا على فقه يرى في التثاءب جنحة و في الاحتجاج فتنة مجانية .

و من الأمور التي تسترعي الانتباه في الحراك الحضور الإعلامي لوسائط التواصل الإعلامي ، و تهافت الإعلام العمومي و تواطئه ، و كأن الدولة هي من تدفع له الأموال دون المجتمع ، هاته الوسائط عرت على التدخلات العنيفة و الفبركة الموازية لتشويه الحراك و شيطنته ، كما أفلح جيش الداخلية و العياشة و الحياحة في مواجهة مد الحراك ، و أبدع أنصاره في النبش و اختلاق وسائل التخوين من مخدرات و فتيات المجون و تلقي الدعم الخارجي ، و التواصل مع المخابرات الجزائرية ، بشكل تحولت معه هذه الوسائط إلى ساحة أخرى للمواجهة ، يشي بطبيعة الدولة و الاحتياطي الخاص بها ، و هكذا علت الراية الوطنية وظهر الإخلاص للملك و للوحدة و لكل معاني " المغربة " التي ظهرت فجاة و في غفلة من القدر ، و كأن المغرب قبل الحراك جنة عدن و حراك الريف و امتداده إبليس سيخرجنا بعقوقه من الجنة .

و استغلت الصور بشكل فظيع حيث أجادت قوى الأمن في تثبيت قوة السلطة بشكلها المرضي المعفى من كل محاسبة ، في اعتقال رمز الحراك ناصر الزفزافي و ترحيله بطائرة الدرك الملكي و تعصيب عينيه ، كل ذلك بغرض إنتاج رعب الصورة و صورة الرعب ، و انتفاء صفة التطاول على الدولة ، و تجاهلت هذه الفلسفة أن إدريس البصري روج لابراهام السرفاتي دون أن يدري بمنحه الجنسية البرازيلية ، و أبدعت القوى الظلامية في ترسيخ صورة عمر بن جلون بالرغم من قتله بتخليد صورته في الذاكرة النضالية ، و حلقت في سماوات الخلق و الإبداع الدوائر التي قتلت عريسهم جميعا المهدي بنبركة .

كما طفت على السطح قوى و تيارات المثقفين ، الذين يتاجرون ببضاعة التحليل ؛ فتم وسم الزفزافي بالشيعي الذي يتلقى الدعم من قوى خارجية ، و لا ندري ما البضاعة التي رام رواد هذه التجارة ؟و كأن الشيعي و الملحد و البوذي في أقصى الحالات سبة في سنة الوجود ؟ .

لقد خدم الحراك الحركة الاحتجاجية و قدم لها عربون الوفاء ، و أبان أن القوى الحية لازالت قادرة على العطاء ، و أفصحت بالمقابل عن فشل المنظومة السياسية برمتها في التعاطي الفعال و الإيجابي مع الظاهرة الاحتجاجية ، ليس باعتبارها تمردا على الدولة ، و لكن حقا من حقوقها ، مما عجل و دقن الأسافين في المجال السياسي المغربي ، و أعاد بإلحاح سؤال الوثيقة الدستورية و الثقافة القانونية و السياسية المرافقة لها ، و أعاد إلى الأذهان ضرورة النظر الجاد و المسؤول في اختصاصات وزارة الداخلية و السقف القانوني المؤطر لفلسفتها .

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق