أضيف في 1 يونيو 2017 الساعة 18:12

اهتراء


المصطفى سالمي

تلقى الأستاذ (نبيه) مثل باقي زملائه المدرسين في المؤسسة الإعدادية دعوة لحضور "اجتماع تنسيقي" بالثانوية التأهيلية تحضيرا لامتحانات الباكالوريا، تساءلت أعماقه عن معاني ودلالات لفظ: "التنسيق"، فقال مع نفسه: (لا بأس من البحث في القواميس والمعاجم)، فوجد بعد التدقيق والتمحيص ما يلي:

تنسيق الكلام: إجراؤه على نمط واحد..

لجنة التنسيق: لجنة ترتيب الأعمال..

تنسيق العمل: توحيد نظامه..

تنسيق متبادل: ترتيب من طرفين اثنين..

كان الأستاذ (نبيه) قد جرب مرارا الحضور لمثل هذه اللقاءات التي تسبق الامتحانات الإشهادية والخاصة بسلك الباكالوريا، رغم أنه إلى جانب كثير من زملائه في السلك الإعدادي يرون أنفسهم غير معنيين مباشرة بهذه الباكالوريا، وكانوا يتبرمون من حضور عمليات الحراسة بسلك ثانوي تأهيلي توضع أسلاك شائكة أمامهم حين يتعلق الأمر بالاستفادة من امتيازات في الترقية خارج السلم مثل نظرائهم في هذا السلك التأهيلي، كما توضع أسلاك مماثلة أمامهم للمشاركة في امتحانات التفتيش والمراقبة، وتفتح أمام نظرائهم في هذا السلك أيضا. كانت أعماق الأستاذ (نبيه) تثور وتحتج حين يُطالَبُ زمرةُ المدرسين في الإعدادي بالمشاركة في الحراسة في امتحانات الباكالوريا، ولكنهم في الامتحانات الإشهادية للثالثة إعدادي لا يشاركهم نظراؤهم في باقي الأسلاك التعليمية في عميات الحراسة، أي غبن ودونية يعاملون بها، لا تعويضات ولا معامَلة بالمثل.

توجه الأستاذ (نبيه) إلى الثانوية مقر الاجتماع التنسيقي في صبيحة يوم رمضاني، وجد القاعة مكتظة بمدرسين من مختلف المؤسسات بالإقليم، كان المنظر يوحي بعملية إلقاء عمودي لا بـ (ترتيب من طرفين أو ترتيب أعمال..) كما تشير القواميس والمعاجم في شرح لفظة: "تنسيق".

كان السيد الإداري يمسك بمكبر الصوت، ويتلو تعليمات وتوجيهات وإرشادات تخص عملية الإشراف على الحراسة، وقد أسهب وأطال وفصل.. كلامه أشبه بشروح لمعلومات شائعة بين المدرسين، بل هي مدونة في استدعاء الامتحان التي تلقاها كل المعنيين من الحاضرين الجالسين الآن على الكراسي أمامه، وهم يظهرون كتلاميذ يتلقون منه الدرس التعليمي بنظام وانتظام، إنها تحديد لزمن الحضور إلى مركز الامتحان قبل الوقت المحدد بنصف ساعة، ومنع إحضار الهاتف المحمول أو استعماله داخل قاعة المتبارين، والحرص على توقيع المترشح لمحضر الحضور بعد استلام ورقة التحرير وليس قبل الاستلام.. وغيرها من التوجيهات. تبرم السيد (نبيه) وتململ في مجلسه، وسأل أحد زملائه العاملين معه في المؤسسة:

ـ أَمِنْ أجل سماع هذا فقط جئنا ..؟!

فأشار له زميله إلى مكان قريب عُلّقتْ عليه شارات بلاستيكية توضع حول العنق، ومكتوب على كل واحدة اسم الأستاذ المراقب، قام الأستاذ (نبيه) وبحث وسط كومة الشارات وعاد بواحدة تحمل اسمه.

استمر السيد الإداري يقرأ التعليمات والتوجيهات، والمدرسون جلوس قبالته كالأصنام، تارة يحدثهم عن أنهم في الامتحان منزوعون من صفة: "أستاذ" وأن صفتهم هي مجرد مراقبين، وذلك للتنبيه إلى ضرورة عدم الإجابة على أسئلة المترشحين لامتحان الباكالوريا، وتارة يتحدث عن العقوبات الزجرية في حق الغشاشين والمتورطين معهم والتي تصل إلى الغرامات المالية والأشهر السجنية.. وحين تُسمع الهمهمات والأحاديث الثنائية داخل القاعة الفسيحة المكتظة بعشرات وعشرات من المدرسين، كان السيد الإداري ومن يجلس عن يمينه وعن شماله يبدون الضجر، ويشرع هو في التنبيه إلى ضرورة الهدوء، ثم يتابع الشرح كأنه أمام تلاميذ يودون المشاغبة، ولكنه لا يسمح لهم بذلك، بل يردهم بحزم إلى حظيرة الطاعة والانقياد.

ازداد تبرم الأستاذ (نبيه)، وأشار لزميله (نادر) مدرس اللغة الفرنسية بأنه سيغادر القاعة، فنبهه الأخير إلى أنه سيتم توزيع كتيّب التعليمات على كل واحد منهم، فاحتج (نبيه) قائلا:

ـ إذن، ما فائدة هذا اللغو إذا كان كل شيء مدونا في دليل التعليمات والتوجيهات، أم أننا أميون لا نقرأ ولا نفهم؟!

أجابه زميله بتهكم:

ـ ربما يعتقدون أننا لا نفقه، ونحتاج لمن يشرح لنا. أنا مثلا أستاذ مادة الفرنسية، ربما يعتبرون أمثالي لا يجيدون القراءة باللغة العربية!

ازداد غضب الأستاذ (نبيه) وألقى التحية على زميله وانصرف خارج القاعة، بينما كان الإداري ما زال يمسك بمكبر الصوت داعيا إلى طرح الأسئلة، فاسحا المجال للحوار، انطلقت الاستفسارات بسؤال بدا غير ذي معنى بالنسبة لكثير من الأستاذة، ومضمونه كيفية وضع وترتيب الأوراق التي تكون الأجوبة والأسئلة معا عليها، ويُطلب وضعها داخل أوراق التحرير الفارغة.

أمسك الأستاذ (نادر) ـ مدرس اللغة الفرنسية ـ رأسه بيديه، وغبط زميله الأستاذ (نبيه) على أنه خرج لحال سبيله، وأنه لم يستمع لمثل هذه الأسئلة البليدة، حاول أن يفهم مضمونه، ولم يفلح في ذلك، ورد الإداري مشيرا لأهمية هذا السؤال، وأن الأمر يقتضي وضع ورقة الأجوبة داخل ورقة التحرير الأخرى البيضاء، وبالضبط أسفلها حتى لا يقتطع المقص الأجوبة، فالتقنيون أمامهم آلاف الأوراق، وليس لديهم الوقت ليدققوا في أمر كل واحدة...

توالت كلمات جوفاء من هنا وهناك، وفي الأخير أشار الإداري إلى ضرورة توقيع محضر الحضور بالنسبة للمدرسين، عندها هبّ بعضهم من الصفوف الأولى ـ وبشكل جماعي ـ للتوقيع على المحضر، فلم يرُق الأمر للسيد الإداري، وحمل مكبر الصوت من جديد ليلقي على المدرسين درسا في وجوب الانتظام والارتقاء بالسلوك، عندها ثارت ثائرة الأستاذ (نادر)، وانفجر في وجه السيد الإداري منبها إياه إلى وجوب تمرير ورقة الحضور عليهم أثناء استماعهم لمحاضرته، كان الأستاذ (نادر) يظن بأن الأصوات ستتعالى إلى جانبه في قضية محسومة وواضحة، لكنه وجد نفسه وحيدا يثور على وضع منحرف ازداد فيه تدجين المدجن وإذلال الخاضع المستكين، بينما قام مساعدا الإداري (المحاضر) بتوزيع كتيبات التعليمات التي هي أشبه بكتب الأدعية وقصص الأنبياء التي يبيعها الشبان داخل الحافلات في المحطات الطرقية.

أحس الأستاذ (نادر) بغصة في الحلق وهو يتأمل واقع الحال بقطاع يراد له أن يعلم العزة والكرامة لأجيال صاعدة، إنه الاهتراء الشامل في أبشع صوره ومضامينه، الآن فقط وأكثر من أي وقت مضى تتراءى له سحب داكنة قادمة من الأفق البعيد تحمل نذر شؤم أكبر وأشد من بؤس الرفع من سن التقاعد ومن الاقتطاعات المسماة زورا "إصلاحا" لترميم الصناديق المختلَسة، والتي يدفع أمثاله من عمرهم وعرقهم تكلفتها، إنه يعيش داخل تابوت، سلاحه الأخير، التهكم المرير..!

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :


تعليقاتكم

1- mr.hafid19@gmail.com

Hafid elkandoussi

اشكرك جزيل الشكر الأخ السالمي على وصفك الدقيق لتلك اللحظة المريرة التي عشناها في تلك القاعة المظلمة.

في 01 يونيو 2017 الساعة 38 : 18

أبلغ عن تعليق غير لائق


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق