أضيف في 29 ماي 2017 الساعة 11:37

قصة قصيرة


ناصر سالم المقرحي

غبار الدهشة

ضاقت عليه الأرض بما رحبت وهجرته أسباب الحياة الكريمة , عانى كثيرا وقاسى من الآلام ما لا عدَّ له قبل أن يتخذ قرار الأنتحار , فقدَ عمله وصارت حياته جحيما لا يطاق بعد أن سُدت في وجهه كل الأبواب , وأثقلت كاهله الديون , حين تأتي المصائب تأتي مجتمعة هكذا كان يفكر , عانى وِحدة رهيبة الأشهر الأخيرة وكان غريبا حتى عن ذاته التي يعتقد جازما انه لم يعرفها يوما وهي اللصيقة به والأقرب إليه من كل شيء آخر , فكيف له ان يعرف الآخرين وبالتالي يعرف شيئا من هذا الوجود الذي يراه مظلما وغامضا بقدر تجليه , كيف ! ! ليسبغ عليه ما يبرره , فاقمَ من اتساع الوحدة التي يستشعرها طبيعته التي تميل إلى الأنعزال شأن كل الفنانين والمنقطعين لإبداعاتهم الفنية والأدبية , فهو شاعر رغم ان هذه الكلمة حين توجه إليه أو يتصورها مٌفصلة عليه يُداخله شيء من الريبة والشك , ظل الصدى الذي تجده قصائده التي يحس أحيانا أنه يخدع الناس بها يبعث في نفسه الأنشراح والحبور حتى كف هذا الأنشراح عن التشكل في الآونة الأخيرة وصار الأمر روتينيا مكررا في نظره , بل باعثا على السأم والملل , وها هو يفقد آخر أسلحته التي طالما أجاد استعمالها والتي طالما تعهدها بالرعاية والصقل والتلميع , فهو لم يترك مؤلفاً أدبيا شهيرا إلا وسعى للأطلاع عليه ولا كاتبا معروفا إلا وبحث عن مؤلفاته ليقرأها , كانت حياته تتمحور حول هذين الأمرين , القراءة والكتابة , هو الذي لا يجيد شيئا بقدر إجادته لهذين الفعلين اللذين إذا ما زالا من حياته على سبيل المثال لا يعرف ماذا يفعل بها وللفها الخواء وأحاط بها من كل جانب , كان هذا سيحدث في حال تم انتزاعهما منه في ذروة شغفه بالقراءة والكتابة , أما الآن فلا يجد ذاك الصدى والشغف اللذين طالما رافقاه مع الشروع في قراءة كل ديوان شعر أو رواية جديدة , ما عاد ذاك الإقبال والدهشة يرسمان في قلبه دوائر البهجة والسرور ويسكبان ضروبا من الألوان , يجد الحياة مملة وغير باعثة على الدهشة في أحسن الأحوال , وفي هذا عذاب شديد له هو المفطور على الشعر , نوع من الفتور يسيطر على إيقاعه اليومي ولا يجد رغبة في نفسه لتسريعه أو لتحسينه بطريقة أو بأخرى وهذا ما دفعه لاتخاذ القرار , قرار إنهاء حياته طالما أنها أصبحت عبأً عليه أو انها لا تحمل جديدا ولا تضيف ما يجعلها مبررة في نظره , نعم انتهى كل شيء بالنسبة له ولا بد من تنفيذ القرار , كان يعرف السيناريو مسبقا , سيضع المسدس في جيبه ويخرج ماشيا إلى مستشفى المدينة ليدخل غرفة الإسعاف وهناك بكل هدوء سيُخرج المسدس ويصوبه نحو صدغه ثم بممممممم وينتهي الأمر برمته ولن يستغرق إلا ثواني معدودة , وبذلك لن يُرهق أحدا بنقله أو إسعافه في حال فشل العملية أو تعثرها , هناك سيتم لملمته على عجل في حال التأكد من موته ليوضع في الثلاجة القريبة , لن يثير الذعر في النفوس لأن كل الذين هناك متعودون على رؤية الدم والجروح فتلك أشياء يتعاملون معها يوميا ببرود ولعلهم مثله تماما إذ لا يجد لشعره جدوى ولا تثيره ردة فعل المتلقي , لا يثيرهم منظر الدم المسفوح ولا رائحته النفاذة لكثرة ما رأوه واستنشقوه إذ يظل هذا المكان مكان إسعاف المصابين .

خرج ماشيا وقد عزم على تنفيذ فكرته التي بدت له صائبة حتى ذلك الوقت , كان مطمئنا وساكنا وهو ينقل خطاه فوق الأرصفة كما لو أنه يتنزه أو ما شابه وفجأة لفتت انتباهه وجوه الناس فصار يتأملها بكثير من الشغف والحميمية , هذا حزين يرتسم الحزن على محياه وذاك يسعى جاهدا لإخفاء فرح خفيف تسرب إلى ملامحه كما لو أنه يريد أ يحتفظ به لنفسه إلى أن يكتمل , وهذا لا شيء يشغله ولا تعبير يرتسم على وجهه سوى مسحة من الوقار , وهذا تفتر شفتاه عن ابتسامة طفيفة رأى أنها مشجعة , وهذه تُظهِرُ دلالا وتغنجا لا يراهما من تحادثه بالهاتف النقال , وتلك تستدرج جمالا آفِلاً بمكياجها الخفيف ولا تقنط مما آل إليه جمالها , وتلك وتلك وتلك وذاك وذاك وذاك وجد في تأمل الوجوه متعة أنسته مشروعه المُقبل عليه , أستقبلته الحديقة العامة بجمالها الغير معهود إذ لطالما مر بقربها أو قطعها غير أنه لا يجدها جميلة كما هي عليه اليوم بخضرتها الزائدة وعصافيرها النشطة وظلالها الداكنة وأزهارها المحتشمة وحتى بكراسيها التي تبدو متأهبة لأستقبال المتنزهين , بهذا المنظار رآها كما لم يراها من قبل , مع كل هذا الفيض من الجمال والسناء وزرقة السماء التي تلتقي مع زرقة البحر في الخلفية البعيدة للمشهد , ومع هاته النسمات العليلة التي تهب من تلقاءه , برقت في الذهن قصيدة وكما لو أنه منذ مائة عام لم يكتب قصيدة مع أنه دبَّج واحدة اعتقد أنها الأخيرة الليلة الماضية تلاءم مزاجه الأسود , كما لو أنها القصيدة الأولى والأخيرة التي يكتبها وبذات المتعة التي كتب بها دواوينه المبكرة طفق يكتب بلا هوادة وبلا انقطاع كأنما يمتثل لصوت بداخله يملي عليه ما يكتب ويستحثه على ذلك , كأنه يخشى انقطاع حبل الإلهام كان يكتب بسرعة لم يعهدها وحين انتهي مما رأى أنه قصيدة ناجزة وهو يجلس على كرسي الحديقة تنفس الصعداء وقرأ .

هذا النهار

جميل بما يكفي

لأن نرتدي له قناع من فرح

ونخرج له السنتنا كالأطفال

كي يجود بجماله الكامن

رائع كما ينبغي

لأن نمرق من خلاله

خفيفون إلا من سرورنا الطارئ

نحو مبتغانا..نحو موسيقانا

لنملأه صخبا لذيذا

ونحشو دقائقه بالعذوبة.

هذا النهار سخي

أكثر مما يجب

إذ يغدق من ضوءه ودفئه

بلا حساب

على حوارييه

ويفشي أسرار الطمأنينة

والسلام الأبدي

هذا النهار

المنفلت من ربقة المعهود

ليتواطئ مع مزاجنا الرائق

ويسفح ألوانه الخرافية

تحت أقدامنا المرتجفة

فيما يحث موسيقاه الناعمة

على السطوع في قشرة أرواحنا

ويحرض فينا الصمت الجليل.

هذا النهار

يستحق أن نندره لكل ماهو إلهي رفيع

ونطرزه بالخشوع.

كثيرة نعمه هذا النهار

وشاهق عطاءه

لا يطاله الحمد ,مهما بالغ في العلو

هذا النهار .

تذكّرَ ما خرج من أجله وما كان يعتزم فعله فأنبهُ ضميره , ليس لاتخاذه قرار إنهاء حياته بهذه السهولة بل لمجرد التفكير في هذا الأمر الذي عدَّهُ تهورا وقفل عائدا إلى البيت وفي جعبته قصيدة أنقدت حياته وهو يردد في سريرته " الحياة ليست بذلك السوء طالما أنه يمكن تمضيتها بالشعر .

***

16 – 5 -2017

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : ناصر سالم المقرحي

محاسب   / طرابلس , ليبيا

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق