أضيف في 25 ماي 2017 الساعة 21:01

التأصيل الفكري للعروبة السياسية


عبد الإله بلقزيز

مع تبلور إيديولوجيا سياسية قومية عربية، عقب الحرب العالمية الأولى، سيقع الانتقال التدريجي من مفهوم العروبة إلى مفهوم القومية العربية، من مفهومٍ ثقافي- أنثروبولوجي (وتاريخي أيضاً) إلى مفهومٍ سياسي. لم يَعُدِ العروبيون حينها عروبيين فحسب؛ بل صاروا وحدويين كذلك، أي لم يعودوا يكتفون بالدفاع الثقافي عن العروبة: ماهيةً تاريخية وثقافية وحضارية ورابطةً اجتماعية انصهارية، مثلما فعلوا منذ منتصف القرن التاسع عشر، ولا انحصروا في مجرّد الاشتغال الثقافي على لسانها وآدابها وتاريخها لتأكيد وجودها واستمرارها في التاريخ، وتظهير تميُّزها وتمايُزها من غيرها من الروابط المزاحِمة لها ( الرابطة العثمانية مثلاً)، وإنما انصرفوا إلى بيان الحاجة إلى تحقيق صيرورتها كياناً سياسياً، أي إلى بناء مشروع سياسي وحدوي من مادتها الأولية الأساس يتحقق به التطابقُ بين الكينونة الاجتماعية والثقافية (واللغوية) والكيان السياسي الذي يجسِّدها.
كان ذلك منعطفاً كبيراً في تاريخ فكرة العروبة - وقد نشأت في الوعي العربي منتصف القرن التاسع عشر - وأدوارِها في التاريخ السياسي الحديث للعرب. وككلّ منعطف، كان لابدّ من أن يتولّد من صيرورتها إلى فكرةٍ قومية عربية نتائجُ جديدةٌ ومسارات في الفكر والعمل جديدة. والحقّ أنّ أَظْهَر تلك النتائج وأبعدَها أثراً هي تنزُّل فكرة الوحدة في منزلة القلب من هواجس مَن انصرفوا إلى بناء الإيديولوجيا القومية. وآي ذلك أنّ مفكّري القومية العربية وكُتّاب مقالاتها اجتمعوا - على ما بينهم من اختلافات شتى- على جامعٍ وحيدٍ اعتصموا به ولم يحيدوا عنه هو: الدعوة إلى الوحدة والتوحيد القومي؛ فهي، هي وحدها، ما تتحوَّل به الأمَّة من الوجود بالقوّة إلى الوجود بالفعل (إن شئنا استعارة مفردات أرسطية)، وهي هي ما تكون به العروبةُ رابطةً ماديةً لا مجرَّد رابطةٍ ثقافية ولسانية؛ ثم إنها هي هي ما تُصحِّح به العروبةُ تزويراً طال تاريخَها بالتجزئة والتقسيم، وتستأنف به مسيرتَها الحضارية نحو التنافُس النِّدّيّ مع مَن يشاركون في صنع التاريخ والحضارة من الأمم الكبيرة الأخرى.
ليس من شكٍّ في أنّ لفكرة الوحدة في الوعي العربي أسبابَ نزول، وأوّلها أنّ قسماً كبيراً من البلاد العربية (المشرق العربي) تعرَّض للتجزئة والتقسيم غداة الغزوة الكولونيالية البريطانية - الفرنسية، وذلك كان في أساس التأليف القومي الكثيف في مسألة التجزئة ووظائفها وأخطارها. ولكنّ الذي لا يَقْبَل جدلاً، أيضاً، أنّ فكرة الوحدة تنتمي إلى ما قبل فعل التجزئة بزمن. إنّ لها تاريخين: حديثاً وقديماً؛ فأمّا الحديث فيعود إلى نهايات القرن التاسع عشر ويمتد إلى «المؤتمر العربي الأول» في باريس (1913) وإلى «الثورة العربية»، وفيه أفصحت نخبٌ ثقافية وسياسية (الكواكبي، الشهبندر، الزهراوي، عازوري، الشريف حسين...) عن تطلعاتها إلى إقامة دولة موحَّدة للعرب. وأمّا (التاريخ) القديم فيعود إلى لحظة البناء الإمبراطوري العربي الإسلامي المنخرط (بعد سقوط الخلافة العباسية) والحلم الذي راود النخب، منذ القرن الحادي عشر (الخامس للهجرة) لاستعادته من طريق استعادة نظام الخلافة؛ وهو حلم استمر يخاتل مخاييل مثقفي عهد الإصلاحية الإسلامية. على أنّ لفكرة الوحدة تاريخاً ثالثاً، سابقاً للتجزئة، هو تاريخُها الثقافي الذي أصَّلَ لها أصولاً في تراث النهضة. ومعنى ذلك أن التَّأدّي الفكري إلى الوحدة مسارٌ تاريخيٌّ طبيعي قاد إليه تراث النهضة. أمّا أحداثٌ ذاتُ شأن مثل الحرب العالمية الأولى، والاحتلال الأجنبي، وانفراط السلطنة العثمانية، وتجزئة بلدان عربية...، فكان تأثيرُها في أنّها سرّعت وتيرةَ تلك السيرورة التي أخرجتِ الوحدة من رحم تراث النهضة، وما كانت وحدها كافيةً لإنتاج إشكاليةٍ- مثل إشكالية الوحدة العربية - تحتاج إلى مقدّمات ثقافية توفِّر لها الإمكان.
غير أنّ ترجمة الفكرة القومية سياسيّاً (أي بما هي إيديولوجيا سياسية) في مشروعٍ وحدوي، أو في فكرة الوحدة العربية، استصحبَ حاجةً إلى تبرير إمكان تحقُّق تلك الوحدة أو، على الأقل، تبرير مشروعية القول بتلك الوحدة والدعوة إليها. هكذا وجَد القوميون العرب أنفسَهم مدفوعين إلى التأسيس الفكري لأطروحتهم في الوحدة من طريق التأسيس لمصادرها التي تسوِّغها: وجود أمّة في التاريخ - هي الأمّة العربية- ذات مقوّمات كاملة لإنجاز وحدتها القومية. ومنذ شرع ساطع الحصري، ثم محمد عزة دروزة، في تدشين خطابٍ قومي عربي جديد، في عشرينات القرن الماضي، وإلى أنِ استقرت ملامح ذلك الخطاب على سمات عامّة واضحة، و«اكتمل» بنيانه، في ستينات القرن نفسه، ظلت مسألةُ الأمّة أمَّ المسائل في التأليف القومي العربي.
على أنّ التأصيل لفكرة الأمّة ما اكتفى بالتاريخ سنداً يتوسّله في ذلك السبيل فحسب، وإنما جاوزَ ذلك إلى محاولة بناء نظريةٍ في تكوين الأمم، استلهمها الفكر القومي العربي-أساساً من الفكرين الألماني والفرنسي- مشدِّداً فيها على العوامل الأساس (اللغة، التاريخ، المصالح...) وعلى العوامل المساعدة (الدين، الجوار الجغرافي، قوّة أو ضَعف الخطر الخارجي...)، ومُحْتَجّاً بسوابق التاريخ لبيان كيف تكوّنت الأمم، وكيف أمكنها إنجاز وحداتها القومية، ومنها سابقة تكوين أمّة ودولة موحَّدة في تاريخ العرب والمسلمين (على مثال ما حاوله عبد العزيز الدوري في تأْريخه تكوينها). على أنّ أكثر الاستشهاد، في هذا الباب، إنما كان بتجربة تكوين الأمم وقيام الحركات القومية في أوروبا القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وهو التقليد الذي دشّنته كتابات ساطع الحصري، ثم قسطنطين زريق، ويشهد - في الوقت عينه- عمّا كان للتجربة القومية الأوروبية من أثر كبير في الوعي القومي العربي (وربما يكون قد شذَّ عن هذا المسار، قليلاً، محمد عزة دروزة وعبدالعزيز الدوري). وبالجملة، وفّرت الإيديولوجيا السياسية القومية لنفسها، ولجمهورها، نصاباً من المشروعية بخروجها من النطاق الدعوي الخطابي إلى البناء الفكري التأصيلي لقضيتها.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : عبد الإله بلقزيز

كاتب وأستاذ جامعي   / , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق