أضيف في 22 ماي 2017 الساعة 20:57

قانون ابن خلدون في الانحطاط في “التأله” أو في استبداد السياسي والمثقف 2


أبو يعرب المرزوقي

أواصل الكلام في قانون ابن خلدون النفسي الخلقي، فهو يفسر به تهاوي الدول وسماه بـ”حب التاله”، مبدأ في نظريته الانثروبولوجية الفلسفية الدينية.
وهدفي بيان أهمية هذه النظرية أو القانون، من خلال صوغ أكثر فاعلية، لتلعثم الصوغ الخلدوني، إذ طبقه دون تمييز بين دوره في نخب الفكر وفي نخب السياسة.
وعبقرية ابن خلدون تكمن في تعميم القانون.
لكن عدم التمييز، حال دون إدراك بنية هذا القانون. وهي بنية يمكن بها تجاوز جدل السيد والعبد الهيجلي.
ذلك أن نظرية هيجل تجعل الوصول إلى الحرية ينتج عن تحقيق الاعتراف المتبادل بين السيد والعبد، ومن ثم توقف هذه الجدلية بتعميم مفهوم الحرية.
وهذا المنطق ينتهي إلى أن قانون الجدل ينفي ذاته، فيتوقف قانون الصراع الموصل إلى الحرية بتحقيق غايته، ونفس الأمر في صراع الطبقات الماركسي.
لكن كل قانون طبيعي ينتهي في لحظة ما لا يمكن أن يعد قانونا، ولذلك حاولت تجاوز الفهم الجدلي للقوانين وبيان أنها بنيوية، ما يقتضي لوضع مفهوم جديد.
وهذا المفهوم سأصوغه باسم ألماني مركب، لست واثقا حتى من وجوده في اللسان الألماني، هو مفهوم تسوزامهانجلشكايت Zusamenhänglichkeit، والمفهوم يعني “ترابط المعية” أوو “تماعي الترابط”. فكل ظاهرة مؤلفة من مقومات، يحكمها قانون الترابط المحلل لتماعيها على نحو معين: بنية الظاهرة.
ابن خلدون اكتشف ظاهرة وتكلم في مقوماتها، لكنه لم يكتشف بنية تماعيها التي هي عين القانون الذي استعمله ابن خلدون لوصف تفكك البنية وسقوط الدول.
وعلينا أن نبين أمرين بتجويد الاصطلاح الخلدوني: أنفة المبدعين الرمزيين، وأنفة المشاركين في تأسيس الدولة الذي يبتعدون بأنفتهم ويبعدون بسببها.
وصفهما ابن خلدون ولم يسميهما بما سمى به من أبعدهم بسبب أنفتهم (المبدع الرمزي) ودالتهم على الدولة (المشاركون في إرسائها): القصور الأول.
فيبدو وكأنه قد حصر مفهوم التأله في الحاكم الذي يستفرد بالسلطة السياسية، ولم يشمل به المشارك في تأسيس الدولة والمبدع لنفس الغاية التألهية.
لكن القصور الأهم هو عدم وصف البديل في حالة المستفرد بالسلطة السياسية عن هذين النوعين من منافسيه عليها وعلى من يؤدي الدور الرمزي فيها لصالحه.
فإذا تداركنا هذين القصورين أمكن أن نكتشف ثورة خلدونية تتجاوز التفسير الهيجلي والماركسي بجدل السيد والعبد ومفهوم الاعتراف وبجدل الطبقات.
وأول تجاوز يتحقق، عندما نعلم أن الصراع ليس بين سيد وعبد، بل هو بين سيدين يستتبعان عبيدا: وهذا قانون مطلق ودائم ولا يمكن أن يتوقف في المحايث.
ولولا ذلك، لما احتاجت البشرية للأديان: فمن دون عبودية إرادية لقوة خلقية مطلقة، يمتنع تحقيق التعارف، لأن القانون يكون قانون التاريخ الطبيعي.
ولما كنت قد بينت أن القانون الطبيعي هو بدوره غير مكتف بنفسه، إذ مجرد اعتباره قانونا يعني أن لمجراه غاية تتعداه وهذه الغاية بمعزل عنه.
ففي التاريخ الطبيعي البيولوجي (داروين) يعد اعتبار الحالة الشاذة تثبت، لمناسبتها حاجة التكيف العضوي دليل على تعالي هذا المبدأ على الصراع.
ذلك أن المناسبة مع شروط البقاء ليست صراعا، بل هي تناغم بين حدثين: حدث عضوي وحدث بيئي، وهو ما ينطبق عليه قانون ترابط المعية في نظام العالم.
وذلك يتجاوز مفهوم الصراع الجدلي إلى مفهوم التناسب البنيوي بين مقومات الظاهرة الحية في البيئة التي تناسبها، فتتناسب معها ولا تصارعها.
وتصارعها-التلوث البيئي-انحراف عن القانون، وليس قانونا لنفيه غايته المتمثلة في البقاء بالتجدد الدائم. ما يبدو صراعا للأفراد هو تناغم للجماعة.
فلو كان القانون هو الصراع الجدلي، لكان كل حي يفني الأحياء التي منها يستقيت، لكن القانون هو المحافظة على القوت وشروطه، رغم ظاهر الحرب عليه.
لكن إذا نظرنا إلى السادة بمعزل عن بقية العناصر، فقد نكون متسرعين بالصراع ومنطق الجدل. وكان ينبغي أن ننظر إلى العبيد بنفس النظرة الجدلية، فنكون أمام صراعين بين السادة علىى السياسة، وبين العبيد على العبودية لهؤلاء السادة. فالمتقربون للمستبدين يتصارعون ويتنافسون على الحظوة.
والحظوة تولد جاها يعطي سلطة تابعة لسلطة السيد.
وإذن فعندنا نوعان من حب التأله: التام بين السادة، وناقص بين العبيد.
والثاني تابع للأول، وهذا في إطار المحايثة. لكن التأله له معنى ثاني، ليس مذموما مثل هذا المعنى بمستوييه للسادة وللعبيد، إنه التأله، أي العبادة المتجاوزة للمحايثة.
فإذا اكتشف المتسيد الذي يتأله على العبيد أنه هو بدوره عبد للمتعالي، فإنه لن يعتبر غيره عبدا له بل مثله عبدا لله، فيقع الاعتراف: فك رقبة.
وبذلك تكون البنية، تأله سياسي ومعرفي محايث، يمكن أن يتم تجاوزه بتأله ديني سياسي ومعرفي، يجعل السلطان الفعلي والرمزي متجاوزين للتاريخ الطبيعي.
وبذلك نعود إلى المعادلة الوجودية: الجدل الهيجلي والماركسي فيما يسمى بالصراع بين السيد والعبد، طريقا إلى الاعتراف والحرية مبتور من قطبيه.
الإنسان يكون حرا بتصور البشرية متماثلة، أما سيد مطلق: من دون رب الجميع يصبح البعض سيدا والبعض عبدا، وننكص للتاريخ الطبيعي ونفقد ما نتجاوزه به.
فنفي القطب الإلهي ينفى القطب الإنساني، فنرد اسفل سافلين بالجدل بين تألهين مبتورين: تأله من يتوهمون السيادة، ثم بين توابعهم، طلبا للحظوة لديهم.
هذا هو قانون ابن خلدون الذي يجمع بين شروط الاستعمار في الأرض والاستخلاف: فهو يفسر حب التأله بالاستخلاف: نظرية الإنسان فلسفية دينية.
ونظرية الإنسان هي الانثروبولوجيا الفلسفية، وإذا استعملت مفهومات دينية كان انثروبولوجيا فلسفية دينية، وتلك هي الانثروبولوجيا الخلدونية.
لم يبق إلا أن نصوغ بنيويا قانون ابن خلدون بعد ان استكملنا مقوماته، وهي مضمرة في نصه وليس من وضعي الشخصي، فنصل إلى نظرية تشمل بعدي الإنسان.
إذا فصلنا علاقة من يتوهمون السيادة عن مقومات البنية الخاضعة لمنطق ترابط المعية، تكون علاقة صراع جدلي كل منهما ينفي ما يثبت، ويثبت ما ينفي.
وإذا فصلنا من يرضون بمنزلة العبيد في تنافسهم على الحظوة لدى من يزعمون أنهم سادة، فينحازون لهذا أو لذاك ويتصارعون فيما بينهم بنفس المنطق.
لكن هذين النوعين من الصراع على السلطة السياسية (نخبة الإرادة) يوازيهما نفس الصراعين في نخبة المعرفة: صراع بين نجوم، وصراع بين توابع.
والنجوم يصارعون السادة مدعين تمثيل الأمر الواجب في مقابل الامر الواقع، فيحدث حلفان يشطران النخبتين: لكل سيد فعلي حليف يدعي السيادة الرمزية.
وتوابع نخبة الإرادة مثل العبيد، الذين يتسمون بالحظوة ممن يتوهمون سيادة الإرادة، ثم ينتشر المربع في نخبة القدرة ونخبة الحياة ونخبة الوجود.
وبذلك تكون مقومات البنية هي خمس نخب في أربع، أي عشرون مقوما على الأقل، عشر تدعي القيادة والسيادة، وعشر تتبعها. فتكون البنية ذات مستويين: الاسياد والتوابع.
ولا تتحرر البنية من هذين المستويين، إلا بمستويين آخرين متعالين يسموان نحو الاستخلاف، يحرران من المستويين المحايثين للاستعمار في الأرض.
وهذا اكتشاف خلدوني ثان: فالإنسان رئيس بالطبع، ولا يمكن أن يقبل العبودية لغير الله، وكل استعباد قد يؤدي الجماعة إلى الانتحار بالموت البطيء.
والقصد أن المقابلة سيد – عبد في الصفات الخمس: الإرادة، والعلم، والقدرة، والحياة، والوجود، لا تسمو إلى المفارقة إلا بالوعي الديني برئاسة الإنسان.
الإنسان لا يتحرر من العبودية بالصراع بين السادة والعبيد من أجل الاعتراف وخاصة بمنطق الجدل، بل بالوعي الاستخلافي: رئاسة الإنسان الطبيعية.
ورئاسة الإنسان الطبيعية هي عين الفطرة: أي إن الإنسان لا يمكن ألا يكون حرا.
والعبد يعي رئاسته، فيثور، وفي حالة العجز، تفسد فيه معاني الإنسانية.
وفساد معاني الإنسانية، كما بينا سابقا، موت بطيء لمن آل به نظام التربية (روحيا) ونظام الحكم (سياسيا)إلى أن يصبح عالة لا يحمي نفسه ولا يعيلها.
وهذا هو سر انهيار الحضارات والدول في النظرية الخلدونية التي ندرسها هنا. وهو يلوم المنفعلين بمنطق التأله المحايث أكثر مما يلوم الفاعلين به.
وهذا أيضا مبدأ قرآني: فالقرآن يعتبر المنفعلين، بكل ما يتنافى مع الاستخلاف، مشاركين في نفيه فيعاقبون مثل الفاعلين: هلاك القرية مع المترفين.
عزل اللقاء بين السيد والعبد لا معنى له. وكل منطق الجدل التحريري عند هيجل وماركس مبني عليه. وليس هذا تجريدا علميا، بل عجلة إيديولوجية خالصة.
لا وجود لصراع بين سيد وعبد، بل الصراع إن سلمنا به نتيجة للتجريد الفاسد، هو بين السادة أولا، وبين العبيد طالبي الحظوة ثانيا، ويعم كل النخب.
ولما كان الخروج من هذا المنطق ينفيه، فإن الخروج ينتج عما يتعالى عليه. وما يتعالى عليه ليس محايثا، بل بمبدأ مفارق له به، يكون الإنسان انسانا.
وبذلك تكتمل مقومات المعادلة الوجودية: لا بد من القطبين الله والإنسان، وبينهما الوسيطين الطبيعة والتاريخ، ويصل بينها هو وعي الإنسان بالتعالي.
وهذا الوعي بالتعالي هو ما يسميه ابن خلدون الاستخلاف، وهو العلاقة المباشرة بين الإنسان والله، ومن ثم فالتحرر من الوسطاء في الروحي والسياسي.
والوسطاء هم المتألهون الذين وصفهم ابن خلدون بأصنافهم الأربعة، لكونه قد اكتفي بالكلام على الإرادة (السياسة) والعلم في المحايث، فاعلين ومنفعلين.
لكننا بينا فساد الفصل بين عناصر المعادلة، التي باكتساب ترابط المعية فيها نكتشف قانونها وشروط التحرر من حصرها في المحايث منها بالمتعالي عليها.
وتلك هي وظيفة الديني في الدين، والفلسفي في الفلسفة، أي ما به يتحقق بعدا الإنسان المحايث (مستعمرا في الأرض) والمفارق (مستخلفا فيها).
انتهى.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : أبو يعرب المرزوقي

مفكر   / , تونس


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق