أضيف في 22 ماي 2017 الساعة 15:22

كيان المرء


فارس محمد عمر

      أحالتني الأيام والسنين شيئا متفتتاً غريبا. أسحر انتابني فهو يرسلني أماكن متفرقة في الوقت نفسه؟ أم جدّ قانون في الحياة يجيز لأجزاء المرء التنقل في الأرض؟!


      تنكّبتُ مسارب الحياة وماضيها وحاضرها ذاهلا بكيان أنا من قطّعه. لساني ويدي وأذني ونظرتي ومشيتي وصورتي وأخذي وعطائي ومواقفي، جعلتها بعدد من أعرف ومن لا أعرف. جالست وواكلت ورافقت وتاجرت ومازحت وجاريت وسمرت وخدمت وشفعت، بذلت مني في الخلائق متفرغاً لغرض واحد: لهفة الانتظارِ القلقِ للنتائج! فرحتُ بعرض أفعالي وأقوالي وحركاتي وسكناتي وخطواتي وروحاتي على القريب والبعيد، أضم ما يعود إليّ واستوعبه وأحفظه وأعيد عرضه! بثثتُ كياني أشتاتا وزعتها بين الأعين والآذان والأحاسيس والأنفس والمحافل، أستجدي الآراء والتحسينات والتصويبات والتكييفات والتعديلات والتكميلات ومحاسن الظنون، كي أتخذها لبناتٍ تجعل مني شأناً يشارُ إليه ويروى عنه. حتى انتبهت فاذا هو كيانٌ لا يستقيم حتى يسرق ويدّعي ما ليس له.


      أي شخصية أكتسبها من مجالس وبيوت ومظاهر وأَعداد، وأنشدها من رضا وخوف ومداهنة وتزلف؟ كيف أربط حياتي بغيري وأقبل بالموقوت المنفصل؟ إن رضيت اصطناع حظي في الحياة مما أتلقّطه من أصداء متضخمة لقرقعة جوارحي خبط عشواء، أو أحزنني إعراض مخلوق، فانما ذاك لفقر عقلي وخواء قلبي وفشل قدرتي، كعارٍ بلا حياء يكشف أنحاء جسده استجداء لرُقعٍ يستتر بها، جزعاً ممن يحجم وساخطاً على من ينتقص.


      أفقت من زلزلة الدنيا التافهة قبل الزلزلة العظيمة، أبتَني كياني من داخلي بعلم وأدب ووعي، مطمئنا لا أبالي بغير مولاي جل جلاله. كفى المرء إعداماً وضياعاً وهواناً أن يعيش بما يصلحه الناس ويموهه ويزينه له من شتات أحواله وتصرفاته.


----------


فارس محمدعمر – المدينة


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : فارس محمد عمر

, العربية السعودية