أضيف في 19 ماي 2017 الساعة 20:31

لا تستمر في لعن الظلام، وأشعل شمعة..!


المصطفى سالمي

قرر مدرس اللغة العربية أن يكسر أجواء الروتين الدراسي كما هو متعود على ذلك دائما، فطالب تلاميذه بالاشتغال على مشروع موحد هو كتاب "كليلة ودمنة"، ونظرا للعزوف الكبير على فعل القراءة في مجتمعه، وامتثالا لمقولة: "إذا أردت أن تُطاع، فطالب بما يُستطاع"، قرر ـ لكل ذلك ـ أن يكتفي في أول الأمر بمطالبة تلاميذه بالبحث عن قصة من قصص هذا الكتاب لمؤلفه أو ناقله، أو مترجمه عبد الله بن المقفع ـ حسب تعدد الروايات ـ وأن يُرفق الملخص ببيان الدرس أو العبرة المستفادة، واستخدم المدرس كل ما أوتي من عبارات التشويق والإثارة لحث تلاميذه على قراءة قصة أو مثل من قصص وأمثال أصر كاتبها على جعل الحيوانات شخصيات أساسية، أنطقها وحركها ببراعة، ودفع حياته ثمنا لأفكار وحكم وانتقادات لاذعة..

وفعلا توجه عديد التلاميذ ـ وليس كلهم ـ نحو محلات الأنترنيت، وجاؤوا بسيل من القصص والملخصات، واجتهدوا مستطاعهم في استخلاص الدروس والعبر، فمن باب القرد والغيلم، إلى باب الأسد والثور، إلى مثل البصير والأعمى، إلى باب الحمامة والثعلب ومالك الحزين..

في الفصل الدراسي كانت الإثارة في أوجها وقمتها، فالأعناق تشرئب إلى مضامين حية مشوقة تختلف عن النصوص المتحجرة في الكتب والمقررات الدراسية، وبدأ التلاميذ يتبادلون القصص ـ التي هي صفحة لكل تلميذ استنسخها بدرهم واحد كان ربما سيشتري بها (بسكويتا) يرمي لفافته أسفل الطاولات ـ وتطورت الأمور فاشترى بعضهم الكتاب عوض الاكتفاء بالنسخ في محلات الأنترنيت.. وكبرت الفكرة في ذهن الأستاذ، فاقترح على زملائه ـ في تدريس مادة اللغة العربية ـ العمل في مشروع يوحدهم جميعا، وأن تكون المرحلة اللاحقة هي تحويل النصوص السردية إلى نصوص حوارية، أي مسرحيات مدرسية، وأن يكلل الموسم الدراسي بمسابقات بين الأقسام، ويختار المدرسون أحسن المواهب في الرسم أيضا من خلال ورشة موازية يرسم أصحابها الحيوانات التي هي شخصيات القصص المشخصة.. وقد تحمس للفكرة البعض، بينما استكان البعض الآخر وظن الأمر برمته مجرد خيال طافح..

تمر الأسابيع والتلاميذ يلتهمون الصفحات، ويحولون بمساعدة أستاذهم ما هو سردي إلى ما هو مسرحي، ويشخصون الفصول والمشاهد في حفل تكريمي وأنشطة أخرى، وها هي البذرة تكبر وتكبر، وتصبح شغفا وحبا وافتتانا وهوسا بالقراءة والمقروء، لقد نجح المدرس في شيء أساسي كان يرمي إليه من البدء، وهو أن يَعْـلَقَ الطعم في صنارة الاهتمام والقابلية والشغف، وتُوّجت المجهودات، وكان كل المشاركين في حُكْمِ الفائزين، لم تكن الجوائز إلا كتبا وشواهد تقديرية في زمن وحدها القلة تؤمن بالورقي والمقروء، لكن في البدء كانت البذرة، وغدا تتوهج السنابل، فالبرعم موشك على أن يتفتح..

حُقّ لك أن تفخر أيها المدرس بأنك لم تعد تكتفي بلعن الظلام الحالك في محيطك ودائرتك، وأنك ساهمت بإشعال شيء يبدو بسيطا للغاية، وهو مجرد شمعة، لكن مسافة الميل تبدأ بخطوة..!

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق