أضيف في 14 ماي 2017 الساعة 22:29

الانكفاء الكياني في الغرب وفي البلاد العربية


عبد الإله بلقزيز

لم تأت مفاعيل العولمة على كيانات البلدان الغربية الكبرى بالنتائج عينها التي أتت بها على كيانات البلدان الصغرى في عالم الجنوب، وخاصة على الكيانات العربية؛ ففيما هي وفرت للمراكز إمكانية تمدد البنية الكيانية إلى خارج الحدود القومية، والاستفادة من العائدات الاقتصادية والتجارية والأمنية لذلك التمدد، وفرت أسباب انفجار البنية الكيانية في البلدان الأخرى التي لم تكن في جملة مراكز العولمة، ودخولها (البنية) في أطوار من التفكك والتفتت لما تزل وقائعها منهمرةً حتى اليوم. ومع أن المراكز العولمية الكبرى أصابها من عولمتها أذًى كبيراً، إلا أنه ما كان أكبر مما أصاب بلدان الأطراف، ولا مما يقاس، في شدة الوطأة وفداحة النتائج، به؛ فإذ كان منتهى الأذى ذاك، في بلدان المراكز تلك، (هو) اضطرار تمددها الكياني إلى الانكفاء إلى الحدود (القومية) التي منها انطلق، وتجرعها مرارة فشل البناء الكياني فوق- القومي، فقد كان على بلدان الجنوب-والوطن العربي منه خاصةً- أن تتلقى الأذى ذاك في صورة تفكك ممتد للبنية الكيانية الناشئة عقب الجلاء الكولونيالي، وانفجارات متعاقبة للتناقضات الاجتماعية الثانوية فيها، وعلى نحو بدا فيه كما لو أن إمكانية العيش المشترك بين الجماعات الأهلية داخل البلد الواحد باتت في حكم المتعذر إن لم تكن-أحيانًا- في حكم المستحيل.
لم يكن هذا الوجه من الاختلاف وحده الفارق بين النموذجين الكيانيين، الغربي والعربي، ومآلاتهما في حقبة العولمة؛ ثمة، إلى جانبه، وجهان آخران: سوسيو- سياسي وبنيوي. فأما الأول- وله صلة بكيفية تداعي البنية الكيانية في النموذجين-فيكمن في أن عملية الانكفاء الكياني في بلدان الغرب جرت على نحو «طبيعي»، من داخل آلية الاندماج العولمي واصطدامها بالمعطيات السوسيولوجية والثقافية لكل بلد من البلدان التي وقع عليها فعل الإدماج في المراكز. ولذلك، حصل الانكفاء بشكل سلمي، وتوسلت قواه أدوات الديمقراطية ومؤسساتها في الغرب، فتراءى الانكفاء ذاك (إلى الحدود القومية) وكأنه تعبير أمين عن الإرادة الشعبية أو عن إرادة الغالبية من المواطنين (إما باستفتاءات على البقاء في اتحاد إقليمي أو قاري، أو باقتراعات حملت إلى السلطة نخبًا سياسية مناوئة للاندماج في أطر عابرة للقوميات). أما في بلادنا (العربية) فلم يأت الانكفاء من الكيانية الوطنية إلى ما تحتها تمثيلاً لإرادة شعبية، بل أتى يفصح عن تضخم في النزعة العصبوية إلى الحد الذي تولدت معه مشاريع وأحلام الاستقلال والانفصال من طريق بناء كيانات سياسية ناجزة الاستقلال (دويلات) على حدود الأقوام (الإثنيات) والعصائب (العشائر، القبائل) والمذاهب، أو من طريق إقامة كيانات سياسية شبه مستقلة، على حدود التكوينات الاجتماعية عينها، ولكن من خلال إعادة تصميم نظام سياسي «تعاقدي» و«تعددي» يقوم على تقاسم السلطة بين الطوائف أو المذاهب أو الأقاليم. ولكم كان مدعاةً للهزء أن يجري-أحيانًا- إخراج ذلك من طريق «الحوار الوطني» و«الاقتراع الديمقراطي» كما في عراق ما بعد الاحتلال: الذي كرس فيه ورثة المحتل القواعد الأساس لنظام الاختصاص الطائفي والإثني الذي شيده ممثل الاحتلال بول بريمر. وفي الأحوال كافة، لم يسلك الانكفاء الكياني، في بلادنا، طريقه إلى التفكيك بشكل سلمي وإنما من طريق موجات من العنف الوحشي ومن حمامات الدم!
أما الوجه الثاني (البنيوي) فيتصل بالفارق بين طبيعة التكوين الكياني في مجتمعات الغرب ونظيرتها في مجتمعاتنا العربية. نجحت المجتمعات الأولى، بعد سلسلة من الصراعات والحروب والتوافقات، في إقامة دولها القومية على مدى زمني امتد منذ نهايات القرن السابع عشر إلى الربع الأول من القرن العشرين. أنهت الدولة القومية، إلى حين، زمن الامبراطوريات الكبرى بقدر ما أنهت زمن الإمارات الصغرى المتحاربة، لكنها لم تنه الحلم الامبراطوري (الذي تجدد مع نابوليون والبريطانيين والروس والألمان والأمريكيين)، كما لم تنه فكرة الانكفاء عن الدولة القومية إلى ما دونها. ومع ذلك كرست الدول القومية نفسها وتطلعت-بعد تجارب مريرة من محاولات التوسع بالحرب- إلى توسع متبادل من طريق الاقتصاد والتجارة والشراكات والتوافق السياسي، لتلج هذه السياسة لحظتها الانعطافية في عهد العولمة الحالي. أما في مجتمعاتنا فيختلف الأمر؛ لم يفلح العرب في إقامة دولتهم القومية الموحدة منذ ثاروا على السلطنة العثمانية قبل قرن. فرض عليهم الاحتلال الأجنبي أطرًا كيانية «وطنية» نهائية، ولم يستطيعوا هم تجاوزها نحو أطر توحيدية أشمل لأن نخبهم الحاكمة-ما خلا النخبة الناصرية-لم تكن تملك مشروعًا توحيديًا حقيقيًا. لم يسلك الانكفاء الكياني، في بلادنا، طريقه إلى التفكيك بشكل سلمي وإنما من طريق موجات من العنف الوحشي ومن حمامات الدم ! ثم ما لبث الوعي أن بلغ ذروته مع موجة ما يسمى «الربيع العربي» التي عصفت وقائعها بالحدود الكيانية الوطنية نفسها. هكذا لم تخسر بلدان الغرب، كثيرًا، بانكفاءتها إلى حدودها القومية، لكن خسارتنا-نحن-مضاعفة: خسارة حلم دولة الأمة الموحدة منذ قرن، وخسارة الدولة الصغرى الوطنية التي كانت حدودها أضيق من الفكرة العربية.
نحن، بهذا المعنى، ما زلنا نعيش مسألةً كيانية في الوطن العربي منذ اندلعت أولى فصولها مع استفحال أزمة النظام العثماني-قبل انفراطه-وبداية الاحتلال الكولوني للبلاد العربية. في الفصل الراهن من المسألة الكيانية العربية فإن حصيلة الخسائر لا عد لها فيما لا يقابلها مكسب واحد؛ ففي الفصل المأساوي هذا ينقسم الشعب الواحد- بعد أن انقسمت الأمة- إلى «شعوب» بعدد طوائفها ومذاهبها وقبائلها وأقوامها، ومعه تنقسم الدولة إلى دويلات أو كانتونات، وما كان يجمع أمشاجًا اجتماعيةً مختلفة من الملل والنحل فيكون منها شعبًا ووطنًا، يتعرض للتهشيم والتفتيت باسم الديمقراطية (مطالب الانفصال والفيدرالية والأقاليمية واللامركزية...)، ويشترك أبناء البلد أنفسهم في تهشيمه ب«ثورة» تبدأ ضد النظام الحاكم لتنتهي بحركة عارمة مسلحة لإسقاط الدولة !
من البين، إذن، أن مفاعيل العولمة كيانيًا في العالم ليست واحدة؛ إنها، شأن مثيلاتها في الاقتصاد والتجارة والمال والتكنولوجيا والمعلومات، توزع الحصص بين البلدان توزيعًا غير عادل: تمنح بلدان الغرب فرصة تعظيم مكاسبها القومية في شراكات اندماجية إقليمية وقارية، حتى إذا استعصت هذه، عادت بها إلى معاقلها القومية، فيما لا تفتح لبلدان أخرى، مثل بلداننا، سوى طريق واحدة: الانفراط والانحلال!


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : عبد الإله بلقزيز

كاتب وأستاذ جامعي   / , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق