أضيف في 14 ماي 2017 الساعة 12:17

الاحتفال الفارغ


رشيد اليملولي

الاحتفال بالفراغ .

قد لا نجد في الاحتفال ما يعنينا على الحياة و صعابها ، سوى تفريجا عن النفس و مغالبة القنوط و اليأس ، و قد لا يكون الاحتفال بالأيام الوطنية و الدولية دون معنى سوى تبجيل الذاكرة ، و تقدير إسهام البشرية في إسعاد الناس أو إتعاسهم ، و ما الاحتفال في هذا المستوى إلا اعتراف بالجميل ، و حنينا مؤسسا على الرغبة في العطاء خارج قيم الاحتفال من أجل الاحتفاظ فقط ، و بعبارة أدق ليس الاحتفال ديانة نعتنق بها البساطة ، و نرفل في نعيم الهامشية ، وتسجيل الذوات في عداد الأرقام و الذاكرة المنسية ، بقدر ما هو طاقة للتحفيز و صناعة الممكن و الأمل الممزوج ، بتخطي العقبات و الصعاب .

و لعل الحديث عن الاحتفال و استدعاء الزمن ، و الرغبة في تقدير الإضافة النوعية للمسار التاريخي للبشرية ، ليعد حديثا مبنيا علة هم و قلق يساور الذوات من غموض الأفق و الذوذ عن القيم ، بنفس طقوسي تقدم فيها الأنفس البشرية عربونا على صناعة التاريخ بالمعنى الحضاري للكلمة ، أي تقوية سبل العيش " القيمي " في مجتمع استهلاكي بامتياز ، و لا غرو ؛ أن يتم النأي في هذه الحالة عن كل سبيل قد يعوق بناء هذا الأمل ، و تسويره بأسيجة قيمية أخرى ، تضفي عليه سمة الدلالة و النوع و الإضافة ، خاصة في ظل تراجع و تهاوي القيم النضالية لصالح سبل الترقي الاجتماعي بوساطة الأساليب " السهلة " فيما يمكن أن يسمى بالحلول الكسولة .

إن الهم و القلق الصادر من الاحتفال ، يبدو طافحا في كل الشعارات المرفوعة في فاتح ماي ، و التي تشي بوعي شقي ، مفاده القدرة على صناعة الوهم ببناء الأمل الموهوم ، في ظل تراجع و انبطاح القيادات و القواعد النضالية ، و ما الانكسارات المتوالية في معانقة طموحات الأجيال الاجتماعية ، لدليل راسخ على داء التاريخ ، حيث فشلت " الحركة النقابية " في تبني الملفات الاجتماعية ، خارج التوظيف الشخصي ، و تحقيق التوازن الاجتماعي و ضمانه بأبشع المبادئ ، التي يداس فيها على كرامة النضالية الإنسانية ، و نعني بها أساسا إثراء التجربة الوطنية و الدولية ، بتنويع مصادر الحرية الإنسانية و المسؤولة في تقديم الدال و النوعي ، بعيدا عن كل الكوابح و المعيقات ، التي تجعل من العملية النقابية امتداد لتفسخ العمل السياسي و المؤسساتي ، و رهنه بالمواريث الاجتماعية و القبلية ، و تسويق امتداداته على مستوى التمثل الثقافي و الفلسفي ، بغاية صناعة استقرار مزعوم لا يسمن و لا يغني من جوع في سلم التنمية الحضارية للبلد و المجتمع و الفرد ، و لعل الخاسر الأكبر في هذه " المأسسة " للفشل ، هو ترهل البنية الاجتماعية ، و تمديد فرص موتها ، و دق الأسافين في نعشها المثخن بالسلبيات المعيقة للحرية و الكرامة ، أملا في استقرار سياسي لا يعنيه الأمن الحضاري في مستوياته المتعددة ، و إنما يزعم أمنا فيه من الترهيب أكثر مما فيه من الأمن .

لقد أصبح الاحتفال بعيد الشغل مجرد حدث عابر ، ترفع فيه الحكومة و النقابات شعاراتها من أجل تأكيد موتها ، فلا الحكومة استطاعت أن تفي بالتزاماتها ، و لا النقابة قادرة على رفع سقف المطالبة و تنويع فلسفة الاحتجاج ، لدرجة أضحى هذا اليوم لدرجة أضحى هذا اليوم تعبيرا عن تجمهرات عائلية تجمعها المناسبة و علامات الفرقة و الانقسام ، و الشروخ بادية على محياها و خطابها ، و الأدهى أن هذا التجمع قد أسهم بتواطؤ معلن في فرملة كل الحقوق التي ناضلت من أجلها القوى و الضمائر الحية في هذا البلد، آخرها المصادقة و الإجهاز على ما يسمى بإصلاح صندوق المقاصة و التقاعد ، و التوظيف بالتقاعد ، و قد أبانت كل هذه الإصلاحات عن فشلها في تقديم البديل الاجتماعي ، وما لجنة تقصي الحقائق الخاصة بالتقاعد إلا اعتراف صريح بفشل الحكومة و المركزيات النقابية ، التي دبرت أمرها بليل ، في تدبير أسس و فلسفة الصراع و الاختلاف باسم المطالب الاجتماعية ، هذا الإخراج المصنوع للسلم الاجتماعي ، يبتغي تحقير و تسفيه المجتمع و فئاته الحية ، لصالح ضمان استمرارية النسق الاجتماعي و السياسي وفق خطط إضعاف الحركية و الاستقلالية التي تميز العمل الحقوقي و النقابي ، و الناتج الحضاري عن كل هذا هو الاستقالة السياسية و الاجتماعية ، التي أبانت عنها المركزيات النقابية ، بتواطؤ مع حكومة أصبح همها الأساس مهاجمة كل المكتسبات ، و التبرقع باسم حجج واهية تعكسها الشعارات المرفوعة في هذا اليوم العالمي .

لم يعد العمل النقابي المرتبط بالشيخ و المريد ، قادرا على مسايرة فلسفة العمل الحقوقي و الاجتماعي ، و أضحى دوره قائما على تجميل و استكمال الصورة الخاصة بالنظام السياسي و الاجتماعي المغربي ، باعتباره مؤسسة لإقبار و صناعة فئة المنتفعين ضمن دائرة الولاء و الولائم و الكعكة التنفيذية ، من ذلك الارتداد عن كل القيم النضالية التي تكفل حياة اجتماعية و سياسية تشوبها الحركية ، و يسودها الاختلاف البناء ، عوض أن تتحول كل معاني الصراع إلى مصالحة من أجل تأبيد الاستسلام و صياغة مبرراته ، بدعوى العديد من قيم السلم و الأمن و اللحظات الحرجة و القضايا الوطنية ، التي لا تنتهي في حين أن كل هذه الأساليب و الإجراءات ، عمل جاهدة على تذكية التذمر و الاستياء ، و توفير فرص الانتفاضة التي لا تبقي و لا تذر ، إن تم الاستمرار في الضغط على الفئات الاجتماعية ، و تقوية سبل موتها ، و يكفي دليلا أن كل الزعامات النقابية ولدت مع الكرسي لتبقى فيه ، دون أن يتحول دورها إلى بناء الإلهام النقابي ، و اجتراح الأفكار و المنظومات الصراعية ، لدرجة أن إنتاج الفكرة الصراعية أضحى سبة يقذف بها كل من نادى بضرورة الصراع ، و أصبح الهم الأكبر كيف نفقر المجتمع و نفرغه من أي محتوى نوعي ، لصالح " تقوية " إن لم نقل " تغويل " الدولة ، و إعادة إنتاج سنوات القمع و الرصاص باسم قيم و صور رمزية .

إن الفلسفة الحقوقية و الاجتماعية المؤطرة للعمل النقابي و النابعة من الحركية و الاستقلالية ، و تقديم اقتراح البدائل هي الصيغ المثلى للاحتفال بعيد الشغل ، خارج أي تعاقدات شكلية من شأنها أن تئد المجتمع الحي لفائدة الدولة الأسطورية .

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق