أضيف في 14 ماي 2017 الساعة 10:04

قطار السفر وقطار الوطن ...


د موسى أبومحلولة

قطار السفر وقطار الوطن ...

 

هذا الصباح وفي طريقي اليومي الى العمل ادركت القطار الذي يسبق قطاري المعتاد بربع ساعة والذي يسير طبعا على نفس الخط فصعدت اليه وجلست في مقعدي الدافيء الوثير هادئا مطمئناً وشرعت أقلب صفحات اﻹنترنت وابحث عن اﻷخبار الشحيحة والسارة عن عودة أطفال ونساء وشيوخ المشاشية إلى ديارهم ومدارسهم في العوينية واﻷمل بعودة السلام والتعايش اﻵمن إلى مناطق مسقط رأسي وموطن أجدادي في الجبل الغربي بكامله ... كنت اقلب صفحات الفيسبوك بفضول وتأن ومشاعر مختلطة وكانت صور ما كان يحصل في ربيع عام 2011 في الزنتان والعوينية وظاهر ام الجرسان وصفيت ويفرن والقواليش تتوالى في خيالي وترهق ذاكرتي المتعبة بأحداث السنوات الستة المؤسفة... وكان صدى كلمات مراسل قناة الجزيرة عبدالعظيم محمد يتردد في أذني وهو يساهم من حيث يدري او لا يدري في إشعال نيران الفتنة بين اﻷهل والجيران وهو يتنقل تحت جنح ظلام ليل غابة الكشاف وزاوية الباقول ، وكانت فلاشات كاميرات الجزيرة تلمع في سماء معركة "التحرير" فتتعلق بها عيون الليبيين وقلوبهم -وأنا أولهم- دون أن تعي عقولهم وضمائرهم ما ينتظر الوطن من دمار وخراب وأنقسام وتشردم ودماء واشلاء ... 

 

كانت بشائر إتفاق شيوخ وأعيان الزنتان الكرام وإخوانهم المشاشية تتوالى على وسائل الإعلام وصفحات التواصل الاجتماعي فتسر النفس وتشرح الخاطر وتحيي اﻷمل وتغري بالمتابعة حتى وانا أجلس في قطار سريع على بعد الآف أﻷميال فالوطن يلتصق بنا ويسافر معنا ولا يفارقنا في ديار غربتنا البعيدة .

 

كان القطار يحمل جسدي الملقى على مقعده اﻷزرق المريح ويطوي سكة مساره المرسوم مخترقا مدينة لندن بسرعة عالية وكنت أسافر بمشاعري وعقلي وفكري وعواطفي بذات السرعة في إتجاه آخر وأغوص في أعماق عالم اﻹنترنت الساحر ابحث بين أحلام يقظتي وأمنياتي الجميلة بعودة السلام إلى ربوع بلادي عن آخر تفاصيل مايجري في العوينية وحولها فاليوم سيجتمع أعيان وشيوخ وأبناء قبائل الجبل الغربي في صلاة جمعة مباركة جامعة وسيكون بإذن الله لقاءا مباركا يبعث اﻷمل في نفوس الليبيين جميعا بأن القادم سيكون أفضل والمستقبل سيكون أسعد ...

 

كان شريط الذكريات الطويل يدور في مخيلتي ويومض في ذاكرتي مشاهد الماضي البعيد والقريب منذ أيام طفولتي اﻷولى مرورا بأسفاري وأنا صبي يافع رفقة الوالد رحمه الله على الطريق القديم الملتوي المحاط بأشجار الزيتون والسرول وهو يخترق الروابي المغطاة بالحلفا والزعتر في ظاهر ام الجرسان والغنائمة والخلايفة والعوينية والرياينة ليصل إلى الزنتان ويربط مناطق وسط الجبل الغربي بوشائج اﻷخوة والجيرة والتواصل الجميل ... ووصولا إلى رحلتي الي الزنتان في ديسمبر 2011 يوم كان الوضع مختلفا ... وكانت صور الشهداء رحمهم الله اجمعين تزين ميدان السوق والهدوء يعم غابة الكشاف ليتحول إلى سكون كامل في زاوية الباقول والعوينية وقد هجرها الصغار والكبار ...

 

كنت أغوص في سكوني وفي أحلامي لوطني جامدا في مقعدي اﻷزرق دون حراك حين أعلن السائق أن وقوف القطار القادم سيكون بمحطة بيدفورد نورث ...إنتبهت فجأة من غفوتي وأفقت من غفلتي ... فركت عيناي فغابت صور بساتين الجبل الغربي وروابيه وظهرت أمامي مساحات خضراء خالية من معمار لندن الكثيف ...

يا إلهي أين أنا أين محطة جوردن هيل التي هي مقصدي ... أين المستشفي مكان عملي ... أين أنا ولماذا انا هنا ...

 

توارت ذكريات الطفولة والشباب وتوقف شريطها عن الدوران في مخيلتي وعاد الي الوعي بالمكان والزمان فأدركت أن القطار قد تجاوز هدف وصولي بأميال وأميال وأن الوصول إلى العمل حتما سيتأخر ... 

 

إستعذت بالله من شياطين اﻹنس والجان وغادرت القطار في محطة بيدفورد نورث عائدا إلى جوردن هيل وانا ادعو الله أن لا يظل قطار الوطن عن طريقه وان يصل محطة اﻵمان والمصالحة والسلام في موعده وان ينعقد إجتماع العوينية هذا اليوم في مكانه وفي زمانه...

 

في المساء علمت أن صلاة اول جمعة منذ ستة سنوات في مساجد العوينية كانت جامعة لوفود حاشدة من جميع مناطق الجبل وقبائله جاءوا من كل حدب وصوب ﻹعلان أن الليبيين أخوة وأحبة وجيران رغم كل الجراح واﻷحزان وان قطار الوطن حتما سيصل وسيصل.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : د موسى أبومحلولة

طبيب وكاتب ليبي   / مقيم في لندن , ليبيا

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق