أضيف في 12 ماي 2017 الساعة 21:50

الويل لك أيها الفساد...!


المصطفى سالمي

وقف (بلحوس) على خشبة الاحتفال يوم الفاتح من ماي خطيبا يتطاير الزبد من فمه، وتنتفخ أوداجه وهو يلمح إلى المفسدين الذين يرمون نقابته "المناضلة" بالحجر، وبيوتهم كلها زجاج من الاختلالات، كان السيد (بلحوس) في حقيقة أمره يقتات على مصطلحات النضال والكفاح، وهو الذي ينعته خصومه بواحد من خفافيش الظلام، وأحد سماسرة الكواليس المظلمة، وفي نهاية خطبة ماي العصماء تنطلق الهتافات والتصفيقات من طرف من لا يفقهون قطميرا في السياسة ودهاليزها، بل لو سألهم السائلون عن مضمون كلام السيد (بلحوس) لأعطى كل واحد إجابة تناقض الأخرى، بل لو سئل بلحوس نفسه لحار في الجواب وفي تفسير ما يتفوه به، إن هي إلا كلمات عابرة ملتوية يمضغها مضغا، ويلوكها دون أن يستسيغها أو يستطيبها.

يعود (بلحوس) إلى بيته مزهوا بكلام سمعته الحشود وصفقت له طويلا، وفي البيت يجد الزوجة المكدودة المرهقة وقد أعدت له أصنافا من الأكل وضعت على المائدة، تعبت طوال الصبيحة في إعدادها وترتيب تصفيفها وتنويع شكلها، لكنه لا يتفوه ولو بكلمة إعجاب وثناء يتيمة في حقها، بل يبدي الضجر من كرسي في غير محله، وملح ناقص هنا، أو نوع من السلطة كان ينبغي أن يخلط بالفلفل هناك.. والأكيد أن هذه الزوجة العاملة لا يعرف لها (بلحوس) حقوقا تقحمها في زمرة العاملين الذين يتشدق أمامهم بالكلمات المنمقة، ويتبرم (صاحبنا) حين تذكره المرأة المغبونة بأن صاحب الإيجار سأل عنه، وأنه يريد الواجب الشهري الذي يتملص من أدائه وقد تأخر بثلاثة أشهر كاملة، ويمتلك (بلحوس) سياسة المماطلة التي تجعل صاحب الحقوق يتنازل عن حقه مقابل الإفراغ، ليبحث له عن ضحية جديدة، وقريبا سيستفيد (بلحوس) من سكن إداري مجاني هو ثمرة الانتماء النقابي الذي يمثل سرطانا وأخطبوطا في شرايين هذا البلد.

في المساء يخرج (بلحوس) إلى المقهى لمقابلة أصدقائه في جلسة المصالح والانتهازية التي تدوس الرقاب، ولا تعترف بعامل مجتهد، أو عَرَقٍ أو كفاح، لقد أعفي (بلحوس) وزمرة رفاقه من حضور العمل الرسمي المأجور المؤدى عنه من الضرائب المفروضة على فقراء الشعب، إنه التفرغ الذي يناله المحظوظون ـ من الحظ والحظوة معا ـ بينما رفاق آخرون ارتقوا ـ بفعل هذا الانتماء النقابي نفسه ـ في أدراج المناصب والوظائف العمومية، وأصبحوا رؤساء مصالح مختلفة، بل جمعوا بين وظائف عدة، وبرروا للعمال المسحوقين في باقي الدرجات الدنيا من سلالم الوظيفة أنهم يقتربون من مراكز القرار للدفاع بالشكل الأمثل عن مصالحهم، وأن انخراطاتهم المادية الزهيدة في النقابات لا تعنيهم في شيء، المهم إسماع صوتهم المبحوح للدوائر العليا، فهم لسان من لا لسان له.

تتآكل أجيال وتأتي بدلها أجيال أخرى، وينبت أمثال (بلحوس) في كل مدينة وناحية وبلدة، إنهم مثل الفطر، من كل حدب وصوب ينسلون، كالجراد يتكاثرون، يهلكون الحرث والنسل، وما زالت الأعناق تشرئب نحوهم، لكن الجديد أن معظم الناس عرفوا أنهم ثعالب هذا الزمان وكل زمان، ومع ذلك فهم يصفقون ويهللون، وإياهم يغبطون، ولوضعياتهم يرومون ويتمنون، لقد أصبحت العملة (البلحوسية) رائجة، تيارها جارف كالطوفان، فالكل ـ تقريبا ـ يتكالب على المصالح وبكل الوسائل الممكنة والمستحيلة، وتوارت مصطلحات الشرف والنزاهة في الفعل، ولاكتها الألسن فقط في القول، فاللصوصية والمكر والأنانية غدت لغة العصر، رغم أن الجميع يردد في حق الجميع: "الويل لك ايها الفساد"!

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق