أضيف في 12 ماي 2017 الساعة 16:08

الوجه . .


ناصر سالم المقرحي

الوجه

الوجه واجهة الجسد ومكمن اختلافه عن الأجساد الأخرى , فلا فرق بين جسد وجسد إلا بالوجه , وكل ما يعتري الجسد من رغبات واشتهاءات وآلام تقريبا , يرتسم على الوجه لمن أجاد قراءة الوجوه وتأويل ما يتشكل عليها من انفعالات , وكعادة العرب وهم أهل البيان لم يكتفوا بلفظة واحدة للوجه فأطلقوا عليه أسم أو مرادف المحيا واستعملوا اللفظتين في كلامهم اليومي وفي شعرهم قديما وحديثا , ويحضرني هنا قول أحد الشعراء في هجاء أحدهم :-

وجهك يا عمر فيه طول

وفي وجوه الكلاب طول

مقابح الكلب فيك طرا

يزول عنها ولا تزول

إلى أن يقول في ذم بعض السيئين في نظره :-

وجوههم للورى عظات

لكن أقفاءهم طبول .

والأقفاء هي عكس الوجوه أو نقيضها .

وفضلا عن استعمال مفردة الوجه كإشارة إلى الوجه ودون مواربة , استُعملت المفردة مجازا في نواحي كثيرة ومتشعبة وتمت استعارتها للإحالة إلى مقاصد أخرى واستفاد الكل من رمزيتها الباذخة في حالات شتى , ولهذا تفاءل الإنسان بالوجه الحسن الجالب للخير وبالعكس تطير بالوجه القبيح وتشاءم من رؤيته , ولهذا يُقال مثلا , وجهك وجه خير أو وجه الشر , كما يُقال لمن يلتقي شخصا آخرا , ألتقيا وجها لوجه أو تواجها والمواجهة كلمة تعود للأصل وجه , وللحق وجه عند البعض ممن يقلبون الأمر على كافة وجوهه , ويُقال وجه النهار كذلك للإشارة إلى بداياته " وقالت طائفة من أهل الكتاب أمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار وأكفروا آخره لعلهم يرجعون " في سورة آل عمران , وللأرض وجه هي الأخرى لما يقال مثلا " أزاله عن وجه الأرض " بمعنى أقتلعه , وللعملة المعدنية وجهان , وللناس كل الناس وجهٌ واحد وللمنافق وجهان ولهذا يقال بو وجهين بالعامية أو أبو وجهين للدلالة على من يغير مواقفه وفقا لمصالحه وطبقا لمقتضيات حوائجه دون مراعاة لأية أخلاق أو شرائع أو أعراف , وتحدث القرآن الكريم وهو الخطاب الإلهي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه أيضا , في بلاغة لا نظير لها عن المؤمنين والكافرين يوم القيامة فلم يصف حالهم كاملا وإنما أشار إلى وجوههم التي أنبأت عن حالهم بالتفصيل فقال سبحانه وتعالى في سورة الغاشية :-

" وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة " .

" ووجوه يومئذ ناعمة لسعيها راضية " .

وقال تعالى في سورة البقرة موضحا للرسول الكريم وللمؤمنين موضع القبلة :-

" قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فولي وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره "

وفي الوجه نجد كل الحواس إلا واحدة يشترك فيها مع باقي الجسد , وللحقيقة وجهٌ واحد سيظهر عاجلا أم آجلاُ مهما تكاثرت الوجوه والتبست على طالبها .

هذا فيما يخص الوجه . .

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : ناصر سالم المقرحي

محاسب   / طرابلس , ليبيا

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق