أضيف في 10 ماي 2017 الساعة 19:01

أمسخ من المسخ


المصطفى سالمي

استيقظ (بلحوس) متثاقلا كعادته، إنه يشعر بضيق أنفاس كاتم عليه من مدة ليست باليسيرة، دفَعَ رجلين خاملتين تجران أثقال السنين وكآبة وعبوس الأيام، وتوجه نحو صنبور الماء لعله يطرد بقايا نعاس وخمول، حياته كلها كسل وتبرم ونقمة على الدنيا وما فيها، كان الماء ينساب كخيط يتقطع بين الفينة والأخرى، فتمتم بلحوس بضجر:

ـ لا شيء على ما يرام في هذه البلدة اللعينة..!

شرع صاحبنا يتأمل وجهه على صفحة المرآة، كانت الأخيرة قد بدأت تتآكل بفعل ما يشبه الصدأ، إنه الطلاء الخلفي الذي تلاشى في مواضع شتى، تاركا بقعا رمادية تشوه الصور المنعكسة، تأمل (بلحوس) وجهه وكأنما يشاهده لأول مرة، ما هذا المسخ الذي يراه قبالته؟! إنه دون شك وجهه، ولكنه شيء مقيت قاتم بلا معالم، وجه كالح أغبر ساخط. حاول (بلحوس) الابتسام لعله يبدد المسخ الظاهر بطغيان على الصورة، لكن البسمة بدت كمشهد حيوان مكشر عن أنياب الشر، تلاعب (بلحوس) بعضلات وجهه انقباضا وارتخاء لعله يعود لطبيعته التي في خياله، ولسان حاله يقول: "الطبع يغلب التطبع"، لكن طبيعة ثانية ربما أصبحت جزءا من كيانه. رباه، من أين جاءته هذه اللعنة؟! لقد سكنته روح شريرة دون شك، أو أن مداومة السخط والغضب جعلا وجهه يكتسب هذه الحلة، تُرى متى كانت آخر مرة ابتسم فيها للناس؟ لقد ابسم ـ عفوا كشّر ـ منذ قليل، أما الابتسامة فما يذكر متى أو أين كان ذلك، هل تكون المرآة اللعينة هي سر هذا المنظر المرعب المخيف؟! لكنها تبقى مرآة رغم تآكلها لكثرة ما تطاير عليها من ماء وصابون وكثرة المسح.. عادت الذاكرة بـ (بلحوس) إلى سنوات من الحروب مع زملائه ومعارفه، ومع أقاربه ورؤسائه في العمل، تاريخ من الصراعات لا ينتهي، وها هو يجني منها وجها عبوسا ممسوخا، حاول أن يقطب جبينه، ويقرب حاجبيه، ثم حرك عينيه يمينا وشمالا وأعادهما لوضعهما، ثم فتح فمه وأغلقه لمرات، ومرر أصابعه كأنما يدلّك عضلات وجه قاسية ملامحه، لكن دون جدوى، فالتقاسيم ترسخت على منظر أبشع من قرد، وأمسخ من خنزير، وأغبر من ضبع.. وعاد (بلحوس) يسأل نفسه:

ـ هل كنت أخرج إلى الناس وأطالعهم بهذا الوجه؟! وهل هذه الحالة طرأت اليوم، أم منذ الأمس، وربما ما قبله؟

لقد نسي أن يتطلع للمرآة منذ يومين أو ثلاثة، هو لا يقف قبالتها عادة إلا عند الحلاقة، وها هو وجهه يبدو أشعث كجلد قنفذ، فليكن ما يكون، ربما بهذا الوجه سيزيد من ترهيب الناس وإرعابهم، إن الوجوه بالنسبة له ـ ولحسن حظه ـ مجرد واجهة خارجية، يستفيد منها الناظر أكثر من المنظور إليه، هو وجهه إذن، وله كل الحرية في استعماله كما يشاء، فلا مانع من أن يزرع فيه البطاطس أو الفجل، أو الشوك أو الحنظل، لا يهم، فليكن بدل الوجه خنجر أو رأس أفعى.. من سيفزع أو يبكي، يشفق أو يحتضن، وهو لا أهل لديه ولا أصدقاء ولا أحباب مثل باقي الناس، العالم كله شر بالنسبة إليه، فليتطلع إليهم بِشرّ مماثل، فلا أحد يقدر في العمل، ولا أحد يحس به من الجيران، فلماذا يحمل على جسده رأسا كوردة متفتحة، ماذا يعطيه هذا الآخر غير الأذى، رئيسه في العمل يريد أن يطغى ويتجبر، وزميله لا يشكر نضاله النقابي ولا يقدر، والناس لا تتفهم مواهبه ولا تنوه بها أو تفتخر. هكذا تحول سخط (بلحوس) على وجهه القميء إلى ابتهاج عارم، لكن بمجرد أن ابتهج لهنيهة حتى أصبحت الصورة أمامه على المرآة ضبابية، فكادت يده تمتد إلى الأخيرة بضربة تهشمها وتحيلها أشلاء، إلا أن مجرد سخطه العارم هذا الذي توهج والتمع كان كافيا ليعيد المرآة لجادة صوابها، فرجعت صورة المسخ أشد وضوحا من الأول، وهنا عاد لصاحبنا رشده العابس، وقرر مصالحة مرآة مطيعة لا تتلاعب بمشاعره، إنه الآن (بلحوس) المتعوس، أبشع ما يتخيله أو يحلم به المرء ككابوس، وأسوأ من طلاء النسوة على وجوه "التيوس"..!

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق