أضيف في 7 ماي 2017 الساعة 15:53

المواطن المغربي ولسعات الخيبة والخذلان


نورالدين الطويليع

المواطن المغربي ولسعات الخيبة والخذلان

يحكى أن صائغ ذهب أعرابيا لم يجد من يزوده بالذهب فانكفأ على نفسه, وصار يقضي نهاره وليله ممدا على الفراش, حتى إذا مل من هذا الوضع رفع يده داعيا: اللهم جُدْ علي بصفراء تجلو عني الكسل والنعاس, فإذا بعقرب صفراء تلعسه بعدما استسلم لنوم عميق, استيقظ الرجل مذعورا وهو يصيح: " يارب لك الحمد ولك الشكر", رد عليه صديق له قائلا: أما سمعت قوله تعالى: "لئن شكرتم لأزيدنكم", فلم يتمالك نفسه, وقد تذكر وقع اللسعة القوي وخاف أن تتكرر، حتى قال: يارب لا حمدا ولا شكرا.

تذكرت حكاية هذا الأعرابي, وأنا أتأمل واقعنا المغربي وما بنيناه من قصور أمان, وما شيدناه من تمنيات بغد أفضل يخرجنا من وضع الانتظارية والتخلف, ويذهب عنا نحسهما ونكدهما من خلال انتخابات خدعونا فقالوا بأنها ستحول سواد أيامنا بياضا تنمويا ناصعا يسر الناظرين, وتجعلنا نصحو وننتشل أنفسنا من دوامة التشاؤم, لنفاجأ بلسعات قوية غمرتنا وطمرتنا في مستنقع المجهول, لسعات مصدرها مجالس منتخبة اعتبر كثير من أصحابها فوزهم بالمقعد نهاية اللعبة, فانصرفوا إلى حال سبيلهم, وتركونا قائمين, بعدما رأوا تجارة ولهوا انفضوا إليهما, وهرولوا, ونسوا تماما ما قدموه لنا من وعود معسولة, وما أقسموا عليه من أنهم لن يبرحوا الأرض حتى يحولوا مدننا جنات وأنهارا, ويفتحونها فتح المغاوير بعد أن يطردوا المفسدين منها, فإذا بهم يعقدون وإياهم توأمة روحية, ويتسلمون منهم مشعل تدبير الارتجالية والتخبط والعشواء، على نخب مخدر طلبات السند والصفقات المشبوهة التي صارت كالجن الذي نسمع عنه ولا نراه, إذ ومن خلال عناوين بارزة من قبيل تجهيز المكاتب, والاستقبال والإطعام, ومحاربة الفئران, والتحديث المعلوماتي تنثر الملايين وتوزع, دون أن يرى منها المواطن أو من أثرها شيئا يذكر, ودون أن يُمَكَّنَ حتى من الاطلاع على أرقامها الفلكية، وهنا تحضرني طريفة حكاها لي أحد المطلعين على خبايا الأمور، قال لي من خلالها بأن أول ما يسأل عنه رؤساء الجماعات بعد ظفرهم بالمنصب هو كيفية تسوية أمر الميزانية وتوزيع نفقاتها، دون ترك أثر لاختلاس أو سرقة.

الأعرابي لسعته عقرب واحدة, ونحن لسعتنا, ومازالت, عقارب مختلفة الأشكال والألوان, بعضها جاء في صورة مجالس صورية لا هم لأصحابها سوى تسمين جيوبهم ونفخ بطونهم, وبعضها الآخر حل في صورة حكومات عرفت كيف تذيقنا وبال أمرنا وتئد أحلامنا في المهد, دون أن تلتفت إلى صياح من يسألها بأي ذنب قتلتها, ولأي جريرة اعتدت عليها, بل ربما قابلت الصياح بالقهقهات السادية, وهي تنتشي بوخزها الذي اخترق اللحم والعظم وانغرس في ذؤابة الفؤاد.

وبعض هذه العقارب جاءنا في صورة أحزاب بنت مجدها على جثة غبائنا وباعت لنا الوهم من دكاكينها الانتخابية التي أقفلتها في انتظار انتخابات أخرى, ستعرف كيف تفتحها من جديد ببضاعة دعائية جديدة, وبتجار سيسوقونها بأسلوب يأخذ بألباب تبلدت, وما عادت تميز بين لسعة وقبلة, لأن نخاعها الشوكي جرى تخريبه عن بكرة أبيه وفقد حاسة الإحساس.

ولا ننسى أننا نحن أنفسنا , كمواطنين, تحولنا إلى عقارب ننفث في بعضنا البعض فائض السم الذي طفحنا به, ولا نتوانى عن حقنه بكل سادية في جسد كل منا تحت تأثير صراعات حزبية ضيقة أو طائفية مقيتة, أو بدافع من منحونا بعض الكلإ, وجندونا لحرب وكالة انخرطنا فيها بكل حماس, وأظهرنا فيها بسالة الأبطال الذين لا يلين لهم جانب, طمعا في رضا كائنات انتخابية توهمنا أنه سيبيض ذهبا, قبل أن نكتشف أنه سحت زادنا رسوخا في واقع الفقر والتسول والاسترزاق, وجعلنا كأيتام في مآدب لئام, هم يأكلون ويغترفون, ونحن نقصف بعضنا البعض, عسى أن نظفر أخيرا بعظمة من أحدهم.

ما أكثر العقارب, وما أكثر ما نتلقى من لسعات, لكن، وأمام وضع هذه سماته، لن نسير على هدي الأعرابي, بل سنقول: الحمد لله الذي لا يحمد على السوء والشر سواه, فيارب لك الحمد ولك الشكر على كل حال.

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : نورالدين الطويليع

, المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق