أضيف في 5 ماي 2017 الساعة 09:39

المسرح المدرسي: رؤى وآفاق


المصطفى سالمي

لا شك أن المسرح المدرسي يمثل ركنا أساسيا في العملية التعليمية، ذلك أن النصوص الأدبية مهما أوتيت من عناصر الجمال الفني ومن وسائل المتعة والخيال فهي تبقى مكبلة بحدود الحدث والشخصيات والفكرة المستهدفة، بينما المسرحية تضيف للعناصر السابقة مكونات أخرى هي الصراع والحركة والحوار، وهو ما يبث في النص الأدبي الحياة ويطلق له العنان، ليصبح حيا مباشرا آنيا على عكس النص السردي الذي يحكي دائما عن زمن مضى وانقطع عن الواقع المتحرك، وإذا تمّ إغناء النص المسرحي بعناصر ومؤثرات من قبيل: المشهد التعبيري الراقص، والأناشيد، والمؤثرات الصوتية والضوئية، والابتكار في الأداء والديكور، فإن الرسالة التربوية تكون أبلغ تأثيرا وقوة، وهذا هو سر إقبال التلاميذ على المسرح المدرسي مشاركة ومشاهدة، فالإنسان يحب أن يرى حياته مجسدة حية متحركة، بينما النصوص المقروءة السردية أو الشعرية الخالية من الحوار تجمد الحياة وتحنطها، والمثير في الأمر أن المقررات في الأسلاك التعليمية بالمغرب تتراجع تدريجيا عن التعاطي والتعامل مع النصوص المسرحية، بل إن السلك الإعدادي يكاد يخلو من هذا الجنس الأدبي، فلا (المفيد في اللغة العربية) ـ السنة الأولى ـ ولا (المرجع في اللغة العربية) ـ السنة الثانية ـ ولا (مرشدي في اللغة العربية) ـ السنة الثالثة ـ يتوفر أي واحد منها ولو على نص يتيم من المسرحيات الأدبية، مما يبث الشك والريبة في دواعي هذا التعامل مع المسرح الذي هو "أبو الفنون"، والذي يلعب دور المهذب والموجه للتلميذ، بل والممتع والمدهش أيضا في آن واحد، فالمسرح هو حياتنا التي تتحرك على الخشبة، وحين يشاهد التلميذ مسرحية فهو يشاهد حياته، وحين يشارك في تشخيصها فهو يسعد أكثر، لأنه يتمتع ويمتع. ولا ننسى أن المسرح المدرسي يمكن لأي مدرس لغات أن يمارسه في نهاية النص المقروء، وذلك بتحويل ما هو سردي إلى نص حواري مشخص، مما يساهم في بناء شخصية المتعلم، ويعوده على المشاركة والمبادرة والجرأة، كما أن هذا النص يصبح أكثر إمتاعا بعد أن تمت دراسته وتحليله ومناقشته وإدراك أبعاده، إن عملية تحويل النصوص السردية إلى نصوص سردية تصبح عملية مطلوبة في ظل شح النصوص المسرحية بالمقررات، بل وشحها تأليفا وطباعة، حتى أن بعض النقاد يردد بأنه في كل مائة كاتب قصة نجد كاتبا واحدا للمسرحية، وحبذا لو يتم إشراك المتعلمين في عملية التحويل والإشراف عليها بالاستعانة بتقنية العمل بالمجموعات، وذلك لخلق التنافس والحوافز، ولا ينبغي أن نغفل أن المسرح المدرسي يستثمر عنصرا أساسيا يمثل في الحقيقة أساس جذب للصغير والكبير على حد سواء، ألا وهو "اللعب"، فالذي يشخص على خشبة المسرح يمارس لعبة الحياة، واللعب حاجة طبيعية ينبغي إشباعها وإرضاؤها سواء تعلق الأمر بالطفل أو بالراشد، ذلك أننا نتعلم باللعب، فنستمتع ونكون أيضا جادين ونحن نلعب. إن المسرح المدرسي يجعل المتعلم يخرج من أجواء التلقين والشروح المعتادة والروتين والإلقاء التي يكون فيها المعلم غالبا في علاقة عمودية مع المتعلمين، بينما المسرح يحول العلاقة إلى أفقية يشارك فيها الجميع بأدوار متباينة ومهمة في نفس الآن، ولعل المدرسة في بلادنا تعمل على تدارك الخلل في كتبنا ومناهجنا لإعطاء زخم أكبر للأنشطة الفنية والمسرحية، فهي تمتص كثيرا من طاقة التلاميذ التي يتم صرفها وتفجيرها في الشغب والإهمال والتمرد، لقد أظهرت عديد التجارب كم هو مبدع ذاك التلميذ الذي يوصف بالمتمرد أو المهمل أو الثرثار وذلك حين يُمنحُ الفرصة للتعبير والتشخيص وإبداء الرأي والمشاركة في أنشطة مسرحية، فيتم اقتناص المتعة بطُعم وشباك المتعة والترفيه، وهما الحُسْنيان المنشودان من كل فعل تربوي مثمر وفعال.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق