أضيف في 3 ماي 2017 الساعة 23:23

في منظومة الأمن الجماعي وسياساته


عبد الإله بلقزيز

في السياسة العربية الرسمية، اليوم، مفارقة صارخة تنطوي على مضمون سياسي شديد الدلالة على اتجاهات السياسة تلك، وعلى سلم أولوياتها، كما على نوع التقدير السياسي للمخاطر والتهديدات التي تحدق بالأمن والاستقرار في البلاد العربية. صورة المفارقة كالتالي: بمقدار ما يرتفع هاجس الأمن الداخلي، في السياسات العربية، وتتداعى قواها الرسمية إلى تنمية أعلى أشكال التنسيق بينها، من طريق اجتماعات منتظمة لوزراء الداخلية العرب وقادة أجهزة الأمن في الدول العربية...، ينعدم - أو يكاد أن ينعدم - أي شكل من الانهمام العربي الرسمي بمصادر تهديد الأمن القومي العربي الخارجية وأخطار قواها الفعلية، فيغيب - بالتبعة - أي جهد تعاوني وتنسيقي بين ممثلي قطاع الأمن القومي العرب من وزراء دفاع ورؤساء أركان القوات وسوى هذين من مراتب المسؤولية الدفاعية. وتفصح المفارقة هذه عن حال من عدم التوازن في مكانة مسألة الأمن في السياسة العربية؛ فهي تكاد أن تختزلها في الأمن الداخلي، فلا تلحظ للأمن القومي حيزاً سياسياً يناسب ضغط حاجته. والأدعى إلى الغرابة أنها (سياسة) ترتضي التنسيق العربي آليةً لصون أمن داخلي خاص بكل بلد، فيما هي تتأبّى مثل ذلك التنسيق في شأن أمن جماعي أفقي ومشترك !
ولقد يقال إن تركيز الانتباه الرسمي على مسائل الأمن الداخلي، وتبادل الرأي والخبرة والمعلومات بين الأجهزة العربية الوصية عليه، شأن طبيعي دعت إليه حاجة موضوعية هي: تزايد ظواهر العنف والتطرف والتكفير والإرهاب في المجتمعات العربية، خلال العقدين الأخيرين، وتبين حقيقة أن بعض جماعات العنف المسلح ليس محلياً صرفاً، بل عامل في ساحات عربية عدة، ومتحركة قواه على الحدود بينها، وبالتالي ما كان أمام السياسات العربية الرسمية تلك سوى أن تشدد الرقابة على الجماعات «الجهادية» وسواها، وأن تلاحق مصادر قوتها.
عرب الأمس القريب- عرب الخمسينات والستينات وأوائل السبعينات- كانوا يدركون، وأحياناً على نحو حاد، حاجتهم إلى أمن جماعي ومنظومة خاصة به. ولذلك تعاهدوا، في جامعتهم، على اتفاق للدفاع العربي المشترك في الخمسينات؛ ودخل قسم منهم تجربة الشراكة في مشروعات عربية للتصنيع الحربي لتأمين مستلزمات الدفاع القومي والتحرر، نسبياً، من استيراد السلاح الذي غالباً ما يقترن (أي التصدير) بشروط تقيد قرار استخدامه. وإلى ذلك تداعى أكثرهم إلى سياسة الحياد الإيجابي بما يحرر قرارهم من التبعية لهذا الحلف الدولي أو ذاك. وحين دعتهم ظروفهم إلى الشراكة في القتال ضد العدو الخارجي قاتلوا، كما في حرب فلسطين (1948)، وكما في حرب حزيران/‏ يونيو (1967)، ثم - على نحو أشمل وأكثر تكاملاً- في حرب أكتوبر (1973). وفي تطبيقهم الجزئي لأحكام اتفاق الدفاع العربي المشترك، تدرجوا من التعاون الأمني الضيق - أي بمعناه العسكري الصرف - إلى تعاون أمني شامل سُخّرت فيه الموارد كافة: العسكرية والاقتصادية والمالية، كما في حرب أكتوبر. وما توقف العمل بمنظومة الأمن الجماعي عند الجهد المشترك في صد الخطر الصهيوني فحسب، وإنما استمر من طريق دعم بلد عربي كان غارقاً في حرب إقليمية مع إيران هو العراق (1980-1988)؛ مثلما استمر من خلال التدخل العسكري العربي لإطفاء حرائق داخلية عربية وإعادة الأمن والاستقرار إلى البلد؛ على نحو ما حصل بتشكيل قوات الردع العربية - بموجب قرارات قمتي القاهرة والرياض- وتكليفها بإعادة الأمن والاستقرار في لبنان بعد انفجار حربه الأهلية.
حصل ذلك، ويحصل، في حقبة تكاثرت فيها التهديدات؛ واستبيحت فيها السيادات، بالقواعد والأساطيل الأجنبية؛ وتطاولت فيها الذراع الصهيونية إلى كل مكان من الجغرافيا العربية؛ وتزايدت فيها طموحات دول الجوار الإقليمي (تركيا وإيران) إلى بسط الهيمنة والنفوذ على مجمل الإقليم.
ليس من أمن وطني ممكن من غير غطاء من الأمن الجماعي تبسطه عليه المنظومة الدفاعية العربية. ليس وظيفة هذه، دائماً، صون أمن جماعي وحمايته من مصادر التهديد المختلفة، وإنما من وظائفها رفد الأمن الوطني لكل دولة من الدول العربية عند الحاجة؛ فلقد لا تكون الدول العربية جميعها تحت تهديد العدوان في الوقت عينه، أو قل، قد تكون الواحدة منها أو بعضها من يطوله الخطر المباشر. هنا تنشأ الحاجة إلى تسخير منظومة الأمن الجماعي للدفاع عن أمن وطني جزئي. أما معنى أن ينصرف الدفاع المشترك إلى خدمة أمن الدولة الوطنية فهو أن الأمنين لا يتعارضان من زاوية مصلحة المجموعة العربية! إن الأمن القومي يلحظ، حكماً، الحاجة إلى صون الأمن الوطني وتعزيزه، لأن الأخير جزء لا يتجزأ من منظومة الأول، ولأن هذا (أي الأمن القومي) يتعزز- بالتبعة- ويتحصن كلما صحت أحوال الأمن الوطني. وعليه، ينبغي لهذه السفسطة الجوفاء عن التجافي بين الأمنين أن تتوقف، وتتوقف معها سياسات دق الأسافين بين ما هو وطني وما هو قومي، لأن أيلولة نتائجها إلى الانصباب في رصيد المشروع الصهيوني.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : عبد الإله بلقزيز

كاتب وأستاذ جامعي   / , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق