أضيف في 3 ماي 2017 الساعة 07:33

يفرن ورندة وبنو يفرن الرانديون  


د موسى أبومحلولة

يفرن ورندة وبنو يفرن الرانديون               

 

                                                                       مدينة يفرن الجميله الرابضة على قمةجبل نفوسة في غرب ليبيا سكانها في أغلبهم أمازيغ طيبون ألفوا الحياة وأقتسموا حلوها ومرها مع جيرانهم وشركائهم من القبائل العربية المقيمة بالجبل منذ مئات السنين ... يجمعهم الود الجميل والعيش الهانيء الكريم والجيرة الطيبة الحسنة ... ﻻخلاف ولا إختلاف إلا فيما ندر ... بل تعاون وتفاهم في كل أمر ... 

 

 

عشقي ليفرن بدأ مع طفولتي المبكرة وكبر معي وزاد بإزدياد المسافة التي تفصلني عنها وأنا في ديار غربتي ... ولقد تعلمت فك الحروف ورسمها وجمع اﻻرقام وطرحها في مدارسها العامرة ... وتداويت في مشفاها الشهير أيام عزه ومجده الغابر ... خبرت المدينة وأهلها وأقتسمت معهم ماءها وملحها وأختزنت في مخيلتي أجمل الذكريات عنهم وعنها ...

 

 

شأءت اﻻقدار أن أزور بلاد الاندلس في رحلة سياحة وإستكشاف لمآثر اﻷجداد المسلمين اﻻولين ، وإنفتاح على حضارة الشعب اﻷسباني الصديق والجار المقابل لنا على شاطيء المتوسط الشمالي الغربي.

 

 

كانت اﻷولوية بالطبع لزيارة مواقع تاريخية ومعالم سياحية تداعب خيالي وتسكن في وجداني منذ ايام الصبا ... فبعد وصولي الى الديار اﻷندلسية قمت مباشرة بزيارة قصر الحمراء العامر في مدينة غرناطة ... شاهدت قاعاته الفسيحة ونقوشه البديعة .... وتنزهت في حدائقه الغناء الفيحاء ... وتمشيت بطرقاته وتأملت روعة قنواته وجمال هندسة نافوراته ... ثم تتبعت خطوات طارق بن زياد وجنده وصعدت إلى قمة جبل طارق بصخرته الصلدة البيضاء الشهيرة وتجولت في كهوفه المتداخلة الجميلة ...                    

 

 

أسبانيا بلاد رأئعة حقا يأسرك جمالها اﻷخاذ وتستهويك طبيعتها الخلابة ومدائنها المنتشرة على طول سواحلها المتوسطية الذهبية والمثناترة على قمم وسفوح جبالها اﻻندلسية الخضراء... وﻷني مغرم بالطبيعة الجبلية التي فتحت عليها عيناي ونشأت في أحضانها في جبل ليبيا الغربي ... وﻷن من لا يحب ركوب الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر كما قال شاعر تونس الفذ ابي القاسم الشابي فقد قررت ركوب الجبال اﻻسبانية العالية وتسلق قممها الشاهقة مستنشقا هوائها النقي العليل وسائحا متجوﻻ في بلداتها وقراها الجميلة ذات أﻻبنية البيضاء والشوارع الضيقة المنحدرة الملتوية ....

 

 

 

كانت لي زيارات عديدة لمدن وبلدات أندلسية جميلة ... لكن زيارتي لمدينة رندة Ronda الملقبة "روح اﻷندلس"حكاية أخرى مختلفة ... فقد عشقتها من النظرة اﻻولى ووقعت متيما بهواها كغيري من السابقين إلى عشقها والعالقين في شباك فتنتها من أيام الشاعر ابو البقاء الراندي المولود فيها والذي احسب انه كان يغازلها ويداعبها حين قال :              

 

 

يا سالب القلب منـي عندما رمقـا 

 

لم يبق حبـك لي صبـرا ولا رمقـا 

 

 

 

لا تسأل اليوم عما كابدت كبـدي

 

ليت الفراق وليت الحـب ما خلقـا            

 

 

 

ما باختيـاري ذقت الحـب ثانيـة

 

وإنمـا جـارت الأقـدار فـاتفقـا

 

 

 

قبل أن يطلق منها بعد سنوات نونيته

 

الشهيرة "بمرثية اﻻندلس" ويقول:

 

 

لكل شـيء إذا مـا تـم نقصـان     

 

فلا يغر بطيـب العيـش إنسان 

 

 

 

هي الأمور كمـا شاهدتهـا دولٌ

 

 من سرَّهُ زمـنٌ ساءتـه أزمان 

 

 

وهذه الدار لا تبقـي علـى أحـد

 

ولا يدوم على حـال لهـا شـانُ

 

 

وصوﻻ إلى المبدع اﻻمريكي الحالم والحاصل على جائزة نوبل لﻵداب إرنست هيمنجواي الذي لم يقوى على فراق محبوبته اﻻندلسية فبنى لنفسه فيها قصرا للأحلام وبيتا للإبداع وأقام في ربوعها طويلا يكتب ويتأمل ويحلم ويبدع ... ولقد كتب فيها روايته "ثم تشرق الشمس" قبل أن يذكرها ويلمح لها في رائعته "لمن تقرع اﻷجراس"

 

 

 

الشبه بين رندة Ronda ويفرن كبير والتشابه بينهما بين فكلتاهما تقع على شفا جبل شاهق وتحيطها وديان عميقة وشعاب سحيقة تكسوها أشجار الزيتون المباركة ... وحتى اﻻرقام تنبئ بهذا التشابه المذهل فكلتاهما تبعد عن شاطيء المتوسط حوالي سبعون كيلومترا وتعلو عن سطحه سبعمائة وخمسون مترا ويسكنها حوالي خمس وتلاثون الف نسمة ...

 

 

أبناء مدينة يفرن أو بنو يفرن من أمازيغ وعرب هم أهلي وعشيرتي وهم نعم اﻻهل والعشيرة أعرفهم طيب المعرفة وأخبر أحوالهم وكرم طباعهم ودماثة أخلاقهم ورفعة شمائلهم ... لكن ما لم أكن أعرفه وما ﻻيعرفه كثيرون هو أن بنو يفرن قد عاشوا وسادوا في مدينة رندة الاسبانية قبل مئات السنين وأقاموا فيها مملكة عتيدة لهم سادت بعيد تفكك الخلافة اﻻموية في قرطبة وبادت وأنتهت بغزو طوائف ملوك أشبيلية لها في عام 1065م بقيادة عباد المعتضد الثاني.

 

                                 رندة روح اﻻندلس ساحرتي وساحرة الملايين ممن زوارها هي اليوم من أهم المواقع السياحية في أسبانيا بها أقدم حلبة لمصارعة الثيران ويشقها وادي تاخو السحيق والذي بنيت عليه القنطرة العربية القديمة والجسر الجديد الذي إستغرق بنائه أربعون سنة لينتهي في عام 1793م وهو اليوم قبلة للسواح من كل أنحاء اﻻرض وأنا واحد منهم ...               

 

 

وها أنا اليوم في رندة ... أقف على ذات الجسر في أجمل مكان رأيته في حياتي أرسل النظر متأملا هذا الجمال الطبيعي الخلاب الصارخ وانصت خاشعا الي خرير الماء العذب الرقراق الدي ينساب أسفل الجسر في قاع الوادي العميق فأتذكر بشئ من الحسرة وبكثير من الشوق والحنين وادي عين الرومية المحاذي لمدينة يفرن عندما تسري فيه الحياة وقت الربيع ... وتعاودني ذكريات الطفولة والصبا ومشاهد الخضرة والنماء والوجه الحسن الجميل للوادي ، والماء المندفع شلاﻻ رائعا اسفل حافة الكاف الصخرية الحادة الى اعماق الوادي السحيق المتاخمم لمدينة يفرن الجميله ... فأخال نفسي جالسا أحتسي قهوة الضحى في شرفة فندقها السياحي الرابض منذ عام 1932م على حافة الكاف اﻷخرى المقابلة والمطلة مباشرة على عين تامديت ومن بعدها على سهل الجفارة الممتد الى اﻷفق البعيد ليلامس أمواج المتوسط الدافئة.

 

 

 

هذه صورة رائعة ستلتصق بالذاكرة إلى اﻻبد لرندة اﻻسبانية الساحرة وهي تتربع على خارطة السياحة اﻻسبانية والدولية ... وتلك صورة أروع وأبهى هي دائما في القلب والوجدان والذاكرة ليفرن جوهرة الجبل الغربي المنسية مكان ميلادي ونشأتي وموطن طفولتي وصباي بما تملكه من جمال طبيعي أخاذ وموروث حضاري زاخر وأعتدال مناخي دائم يؤهلها ﻻن تكون حاضرة الى جوار نظيرتها وشبيهتها اﻻندلسية على خارطة السياحة الدولية ... فهل يأتي اليوم الذي نكف فيه نحن الليبيون عن نزقنا وعبثنا بوطننا الجميل وننصف مدينة يفرن - وغيرها من مدن ليبيا - ونجعل منها قبلة سياحية ﻵﻻف السياح والزائرين ، وﻻ بأس أن يزورها حينئد السنيور اﻻسباني برناردينو ليون سائحا ينعم فيها مع أهلها وجميع الليبيين بأﻷمن والسلام ﻻ وسيطا أمميا باحثا عن السلام المفقود الذي ضيعناه حتى آﻻن ...

 

 

د. موسى ابومحلوله

 

لندن

 

مايو 2015

 

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : د موسى أبومحلولة

طبيب وكاتب ليبي   / مقيم في لندن , ليبيا

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق