أضيف في 1 ماي 2017 الساعة 19:01

الذوق فى الإسلام


إبراهيم عوض

الذوق فى الإسلام

 

إبراهيم عوض

 

تقوم الحضارة، ضمن ما تقوم، على النظافة والنظام والتناسق والحرص على الجمال ومراعاة الرسوم التى يتعاهدها الناس فى المناسبات والمواقف المختلفة، لما فى ذلك من فوائد صحية ونفسية واجتماعية ولما فيها من التيسير على الناس واختصار الوقت والجهد والوصول السريع للتفاهم بين أفراد المجتمع وجماعاته، فضلا عما فيها من رُقِىٍّ يليق بالمتحضرين حتى ولو لم يكن لها صلة بالصحة والراحة النفسية واختصار الوقت والجهد. والإسلام دين الجمال والنظافة والنظام والجمال بامتياز، وهو يراعى هذا فى كل شىء حتى فى العبادات. كما أنه يربطه بالعقيدة والربوبية، إذ يجعل الله المثل الأعلى فى النظافة والجمال والطيب والسلوك، علاوة على أنه يضع للاستمساك بكل قيمة من هذه القيم وتطبيقها أجرا كبيرا، مما يستحث المسلم على التعلق بهذه القيم والحرص عليها والتمسك بها كى ينال رضوان الله، ومن ثم يجد نفسه وهو يمارس الحضارة دون أن يشعر، إذ إن ربط هذه القيم بالله سبحانه على هذا النحو وذاك من شأنه أن يصيّر الحضارة دما يجرى فى عروق المسلم تلقائيا دون أن يُعَنِّىَ نفسه بالتفكير فى أمرها. وهل يُعَنِّى الإنسانُ نَفْسَه فى تتبع تنفُّسه مثلا، أم إنه يتنفس على نحو طبيعى لا يتنبه معه إلى ما يفعل؟

 

ويقول مالك بن نبى فى هذا الصدد إنه لا يمكن لصورة قبيحة أن توحى بالخيال الجميل، فإن لمنظرها القبيح في النفس خيالاً أقبح. والمجتمع الذي ينطوي على صورة قبيحة لا بد أن يظهر أثر هذه الصورة في أفكاره وأعماله ومساعيه. والأفكار، بصفتها روح الأعمال التي تعبّر عنها أو تسير بوحيها، إنما تتولد من الصورة الـمُحَسَّة الموجودة في الإطار الاجتماعي والتي تنعكس في نفوس من يعيش فيه. وهنا تصبح صورا معنوية يصدر عنها تفكيره. فالجمال الموجود في الإطار الذي يشتمل على ألوان وأصوات وروائح وحركات وأشكال يوحي للإنسان بأفكاره ويطبعها بطابعه الخاص من الذوق الجميل أو السماجة القبيحة. فبالذوق الجميل الذي ينطبع فيه فكر الفرد يجد الإنسان في نفسه نزوعًا إلى الإحسان في العمل وتوخيًا للكريم من العادات. نعم إن الإطار الحضاري بكل محتوياته، كما يؤكد بن نبى، متصل بذوق الجمال، بل إن الجمال هو الإطار الذي تتكون فيه أية حضارة، ومن ثم ينبغي أن نلاحظه في أنفسنا كما ينبغي أن نتمثله في شوارعنا وبيوتنا ومقاهينا (انظر مالك بن نبى/ شروط النهضة/ 91، 94).

 

وهذه طائفة من النصوص القرآنية التى تتعلق بهذا الموضوع الحيوى أسوقها حسب ترتيبها فى المصحف. وبعضها يتعلق بالنظافة والطهارة، وبعضها بالذوق واللياقة، وبعضها بالنظام والسلوك المستقيم، وبعضها بمظاهر الطبيعة من حولنا أو بمناظر الجمال والسعادة فى الجنة:

 

"وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237)" (سورة البقرة).

 

"وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222)" (سورة البقرة).

 

"وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا... (83)" (سورة آل عمران).

 

"وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (86)" (سورة النساء).

 

"وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (102)" (سورة النساء).

 

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا... (6)" (سورة المائدة).

 

"يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32)" (سورة الأعراف).

 

"إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60)" (سورة التوبة).

 

"لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108)" (سورة التوبة).

 

"وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (16)" (سورة الحِجْر).

 

"فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (85)" (سورة الحِجْر).

 

"وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (6) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (7) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ (8) وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (9) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (10) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (11) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (12) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (13) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (14) وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (15) وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (16)" (سورة النحل).

 

"أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (48)" (سورة النحل).

 

"وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (69)" (سورة النحل).

 

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (28)" (سورة النور).

 

"اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (35)" (سورة النور).

 

"أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ (43)" (سورة النور).

 

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآَيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (58) وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (59)" (سورة النور).

 

"فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (61) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ... (62)" (سورة النور).

 

"وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا (63)" (سورة الفرقان).

 

"أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60)" (سورة النمل).

 

"وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19)" (سورة لقمان).

 

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً (49)" (سورة الأحزاب).

 

"أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28)" (سورة فاطر).

 

"جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (33)" (سورة فاطر).

 

"وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (37) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39) لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40)" (سورة يس).

 

"وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ... (12)" (سورة فُصِّلَتْ).

 

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (2) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (3) إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (4) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5)" (سورة الحجرات).

 

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11)" (سورة الحجرات).

 

"أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (6) وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (8) وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (9) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (10)" (سورة ق).

 

"إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (17) فَاكِهِينَ بِمَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (18) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (19) مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (20)" (سورة الطور).

 

"وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46) فَبِأَيِّ آَلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (47) ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (48) فَبِأَيِّ آَلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (49) فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (50) فَبِأَيِّ آَلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (51) فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (52) فَبِأَيِّ آَلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (53) مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (54) فَبِأَيِّ آَلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (55) فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (56) فَبِأَيِّ آَلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (57) كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (58) فَبِأَيِّ آَلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (59) هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ (60) فَبِأَيِّ آَلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (61) وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (62) فَبِأَيِّ آَلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (63) مُدْهَامَّتَانِ (64) فَبِأَيِّ آَلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (65) فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (66) فَبِأَيِّ آَلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (67) فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (68) فَبِأَيِّ آَلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (69) فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (70) فَبِأَيِّ آَلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (71) حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (72) فَبِأَيِّ آَلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (73) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (74) فَبِأَيِّ آَلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (75) مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (76) فَبِأَيِّ آَلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (77) تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ (78)" (سورة الرحمن).

 

"وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (27) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (28) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (29) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (30) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (31) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ (33) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (34)" (سورة الواقعة).

 

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11)" (سورة المجادلة).

 

"فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلاً (5)" (سورة المعارج).

 

"وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (12) مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا (13) وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً (14) وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآَنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ (15) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (16) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلاً (17) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً (18) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (19) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (20) عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (21) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (22)" (سورة الإنسان).

 

"فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلاً (29) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (30) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (31) مَتَاعًا لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ (32)" (سورة عَبَس).

 

"فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (16) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (17) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (18) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (21)" (سورة التكوير).

 

"وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (8) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (9) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (10) لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً (11) فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (12) فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (13) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (14) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (15) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (16)" (سورة الغاشية).

 

وبعد القرآن نقدم إلى القارئ هذه الباقة من نصوص الحديث النبوى الشريف التى توصى المسلم مباشرة أو على نحو غير مباشر بالنظافة والطهارة والتطيب والأناقة والحرص على الجمال والنظام وعزة النفس والترتيب ومراعاة أصول اللياقة ورقة النفس وتهذيب السلوك والالتفات إلى مظاهر الحسن فى الكون من حوله والتخلص من الأوضاع المزرية أو القبيحة أو المشوهة:

 

"إن الله طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة، كريم يحب الكرم، جواد يحب الجود. فنظفوا أفنيتكم، ولا تَشَبَّهوا باليهود".

 

"(قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:) لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كِبْر. قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا، ونعله حسنة. قال: إن الله جميل يحب الجمال. الكِبْر بَطَر الحق وغَمْط الناس".

 

"من جر ثوبه خُيَلاءَ لم ينظر الله إليه يوم القيامة".

 

"لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة خَرْدَل من كِبْر".

 

"إن الله تعالى جميل يحب الجمال، ويحب معالي الأخلاق، ويكره سفسافها".

 

"إن الله جميل يحب الجمال، ويحب أن يرى أثر نعمته على عبده، ويبغض البؤس والتباؤس".

 

"كانوا (أى بعض الناس) يدخلون على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يستاكوا، فقال: تدخلون عليَّ قُلْحًا؟ استاكوا، فلولا أن أشقّ على أمتي لفرضت السواك عند كل صلاة كما فرضت عليهم الوضوء".

 

"استاكوا وتنظفوا وأَوْتِروا، فإن الله وَتْرٌ يحب الوَتْر".

 

"سَوُّوا صفوفكم، فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة".

 

"أَتِمُّوا الصفَّ المقَدَّم ثم الذي يليه، فما كان من نقصٍ فلْيَكُنْ في الصفّ المؤَخَّر".

 

"مَنْ سَدَّ فُرْجَةً في الصفّ غُفِر له".

 

"لا ينظر الله عز وجل إلى صلاة عبدٍ لا يقيم صُلْبَه فيما بين ركوعها وسجودها".

 

"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، فدخل رجل ثائر الرأس واللحية، فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده أنِ اخْرُج فأَصْلِحْ رأسك ولحيتك، ففعل ثم رجع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أليس هذا خيرا من أن يأتي أحدكم ثائر الرأس كأنه شيطان؟".

 

"اتقوا الملاعن الثلاثة: البِراز في الموارد وقارعة الطريق والظل".

 

"ثلاث من السعادة: المرأة الصالحة، والمنزل الواسع، والمركب الهني".

 

"اللهم إني أعوذ بك من الكسل والهرم، والمأثم والمغرم، ومن فتنة القبر وعذاب القبر، ومن فتنة النار وعذاب النار، ومن شر فتنة الغنى، وأعوذ بك من فتنة الفقر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال. اللهم اغسل عني خطاياي بماء الثلج والبَرَد، ونَقِّ قلبي من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وباعد بيني وبين خطاياي كما باعدتَ بين المشرق والمغرب".

 

"لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة، ولا يُفْضِي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تُفْضِي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد".

 

"الإيمان بضع وسبعون: أفضلها قول "لا إله إلا الله"، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق. والحياء شعبة من الإيمان".

 

"(عن أنس:) حَدَّث نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم بحديث، فما فرحنا بشيء منذ عرفنا الإسلام أشد من فرحنا به. قال: إن المؤمن ليُؤْجَر في إماطة الأذى عن الطريق، وفي هداية السبيل، وفي تعبيره عن الأرتم، وفي منحة اللبن".

 

" البذاء من الجفاء، والجفاء في النار. والحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة".

 

"من اطَّلَعَ في بيت رجل بغير إذنه فحذفه بحصاة ففقأت عينه فلا شيء عليه".

 

"عن عطاء بن يسار أن رجلا سال النبى صلى الله عليه وسلم: أستأذن على أمي؟ قال: نعم".

 

"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه. ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليسكت. إن الله يحب الحيي الحليم العفيف، ويبغض الفاحش البذيء السائل الملحف. إن الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والفحش من البذاء، والبذاء في النار".

 

"إن الله كتب الإحسان على كل شيء: فإذا قتلتم فأحسنوا القِتْلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح. ولْيُحِدَّ أحدكم شفرته، ولْيُرِحْ ذبيحته".

 

"جاء قوم بصاحبهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا نبي الله، إن صاحبنا هذا قد أفسده الحياء. فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: إن الحياء من شرائع الإسلام، وإن البذاء من لؤم المرء".

 

"(عن لقيط بن صرة:) قلت: يا رسول الله، إن لي امرأة في لسانها شيء (يعني البذاء). قال: طلقها. قلت: إن لي منها ولدا، ولها صحبة. قال: فمُرْها (أي عِظْها)، فإن يك فيها خير فستقبل، ولا تضربنّ ظعينتك ضربك أَمَتك".

 

"إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء، وإذا بال أحدكم فلا يمسح ذكره بيمينه، وإذا تمسح أحدكم فلا يتمسح بيمينه".

 

"(عن أبى هريرة:) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى نخامة في قبلة المسجد، فأقبل على الناس فقال: "ما بال أحدكم يقوم مستقبل ربه فيتنخّع أمامه؟ أيحب أحدكم أن يُسْتَقْبل فيُتَنَخَّع في وجهه؟ فإذا تنخع أحدكم فليتنخع عن يساره، تحت قدمه".

 

"انطلقت أنا وعمرو بن العاص إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فخرج ومعه درقة، ثم استتر بها، ثم بال".

 

"كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بلغه عن الرجل الشيء لم يقل: ما بال فلان يقول؟ ولكن يقول: ما بال أقوام يقولون كذا وكذا؟".

 

"مر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل في سفر في ظل شجرة وهو يُرَشّ عليه الماء، فقال: ما بال صاحبكم؟ قالوا: صائم يا رسول الله. قال: ليس من البر الصيام في السفر. فعليكم برخصة الله التي أرخص لكم، فاقبلوا".

 

"(عن عمرو بن أبى سلمة ربيب رسول الله:) كنت غلاما في حِجْر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا غلام، سَمِّ الله، وكل بيمينك، وكل مما يلي". فما زالت تلك طعمتي بعد".

 

"(عن عائشة:) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُهْدِيَ إليه ضَبٌّ، فلم يأكله، فقالت عائشة: فقلت: يا رسول الله، ألا تطعمه المساكين؟ فقال لا تطعموهم مما لا تأكلون".

 

"إذا اجتمع الداعيان فأَجِبْ أقربهما بابا، فإن أقربهما بابا أقربهما جوارا. وإنْ سَبَقَ أحدُهما فأجب الذي سبق".

 

"من دُعِىَ إلى عرس أو نحوه فليجب".

 

"إذا دُعِىَ أحدكم إلى الوليمة فليجب".

 

"إذا دُعِيَ أحدكم إلى طعام فليجب: فإن كان مفطرا فليأكل، وإن كان صائما فلْيَدْعُ بالبركة".

 

"شر الطعام طعام الوليمة يُدْعَى لها الأغنياء ويُتْرَك الفقراء. ومن ترك الدعوة فقد عصى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم".

 

"أُتِيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أُسْرِيَ به بإيلياء بقدحين من خمر ولبن، فنظر إليهما، فأخذ اللبن. قال جبريل: الحمد لله الذي هداك للفطرة. لو أخذتَ الخمر غَوَتْ أمتك".

 

"(عن أنس:) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أكل أو شرب قال: الحمد لله، الذي أطعمنا وسقانا وسَوَّغه وجعل له مخرجا".

 

"من أكل طعاما ثم قال: "الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة" غُفِر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. ومن لبس ثوبا فقال: "الحمد لله الذي كساني هذا الثوب ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة" غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه وما تأخر".

 

"كان (الرسول عليه السلام) إذا فرغ من طعامه قال: الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين".

 

"(عن عائشة:) كانت فاطمة إذا دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم قام لها فأخذ بيدها وقبّلها وأجلسها في مجلسه. وكان إذا دخل عليها قامت إليه وأجلسته في مجلسها".

 

"(عن أبى الطفيل:) رأيت النبي وأنا غلام، فدنت منه امرأة، فبسط لها رداءه، فجلست عليه. فقلت: من هذه؟ قالوا: أمه التى أرضعته".

 

"(لما جيء بأخت الرسول من الرضاعة في سبايا هوازن وتعرفتْ إليه بسط لها رداءه وقال لها:) إن أحببتِ أقمتِ عندنا مكرمة مُحَبَّة، أو متَّعْتُكِ ورجعتِ إلى قومك"، فاختارت قومها، فمتَّعها".

 

"كان إذا أُتِيَ بهدية قال: اذهبوا بها إلى بيت فلانة، فإنها كانت صديقة لخديجة. إنها كانت تحب خديجة".

 

"(عن أبي سعيد الخدري أن النبى صلى الله عليه وسلم قال:) إياكم والجلوس في الطرقات. قالوا: يا رسول الله، ما لنا من مجالسنا بُدّ. قال: فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه. قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: غض البصر، وكفّ الأذى، وردّ السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".

 

"يسلِّم الراكب على الماشي، وفي رواية: يسلم الصغير على الكبير والماشي على القاعد، والقليل على الكثير".

 

"لا يقيمن أحدكم رجلا من مجلسه ثم يقعد فيه، ولكن توسَّعوا وتفسَّحوا يَفْسَح الله لكم".

 

"إذا انتهى أحدكم إلى مجلسٍ فلْيُسَلِّم. فإن بدا له أن يجلس فلْيجلس، ثم إذا قام فلُيسَلِّم، فليست الأولى بأحقَّ من الثانية".

 

"إذا قام أحدكم من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به".

 

"وَفَدَ وَفْدٌ للنجاشي، فقام رسول الله يخدمهم، فقال له أصحابه: نحن نكفيك. فقال: إنهم كانوا لأصحابنا مُكْرِمين، وإني أحب أن أكافئهم".

 

"إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجَ رجلان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس، فإن ذلك يحزنه".

 

"تبسُّمك فى وجه أخيك صدقة".

 

"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: "استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم. لِيَلِنِي منكم أولو الأحلام والنُّهَى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم".

 

"(قال أبو عياش الزرقي:) كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان، وعلى المشركين خالد بن الوليد، قال: فصلينا الظهر، فقال المشركون: لقد كانوا على حال لو أردنا لأصبنا غفلة. فأُنْزِلَتْ آية القَصْر بين الظهر والعصر، فأخذ الناس السلاح وصَفُّوا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم مستقبلي القبلة، والمشركون مستقبلوهم. فكبَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبَّروا جميعا، ثم ركع وركعوا جميعا، ثم رفع رأسه ورفعوا جميعا، ثم سجد وسجد الصف الذي يليه، وقام الآخرون يحرسونهم. فلما فرغ هؤلاء من سجودهم سجد هؤلاء، ثم نكص الصف الذي يليه، وتقدم الآخرون فقاموا في مقامهم، وركع رسول الله صلى الله عليه وسلم فركعوا جميعا، ثم رفع رأسه ورفعوا جميعا، ثم سجد وسجد الصف الذي يليه، وقام الآخرون يحرسونهم. فلما فرغ هؤلاء من سجودهم سجد هؤلاء الآخرون، ثم اسْتَوَوْا معه فقعدوا جميعهم، ثم سلم بهم جميعا. فصلى بعسفان، وصلاها يوم بني سليم".

 

"لما انكفأ المشركون من أحد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اسْتَوُوا حتى أُثْنِيَ على ربي"، فصاروا خلفه صفوفا، فقال: اللهم لك الحمد كله. وفيه: اللهم قاتل الكفرة الذين يصدون عن سبيلك ويكذبون رسلك، واجعل عليهم رِجْزَك وعذابك. اللهم عَذِّب الكَفَرة، إلهَ الحق".

 

"من زار قوما فلا يَؤُمَّهم، ولْيَؤُمَّهم رجل منهم".

 

"إذا حضرتِ الصلاة فلْيُؤَذِّن لكم أحدكم، وليَؤُمَّكم أقرؤكم".

 

"(عن عبد الله بن زيد الأنصارى:) لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناقوس يُعْمَل ليضرب به للناس لجمع الصلاة طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوسا في يده، فقلت: يا عبد الله، أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ فقلت: ندعو به إلى الصلاة. قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت: بلى، فقال: تقول: الله أكبر، الله أكبر. الله أكبر، الله أكبر. أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله. حَيَّ على الصلاة، حَيَّ على الصلاة، حَيَّ على الفلاح، حَيَّ على الفلاح. الله أكبر، الله أكبر. لا إله إلا الله، ثم استأخر عني غير بعيد، ثم قال: ثم تقول إذا أقمت الصلاة: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. فلما أصبحتُ أتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما رأيت، فقال: إنها لرؤيا حق إن شاء الله. فقم مع بلال، فألق عليه ما رأيتَ، فليؤذِّن به، فإنه أندى صوتا منك".

 

"إذا سافرتم فليؤمَّكم أقرؤكم، وإن كان أصغركم. وإذا أمَّكم فهو أميركم".

 

"من أكل ثوما أو بصلا فليعتزلْنا أو ليعتزلْ مسجدنا، وليقعدْ في بيته".

 

"عن المغيرة بن شعبة قال: أكلت ثوما ثم أتيت مصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدته قد سبقني بركعة، فلما قمت أقضي وجد ريح الثوم، فقال: من أكل من هذه البقلة فلا يقربنَّ مسجدنا حتى يذهب ريحها".

 

"ما مسستُ حريرا ولا ديباجا ألين من كف النبي صلى الله عليه وسلم، ولا شممت ريحا قط أو عَرْفًا قط أطيب من ريحِ أو عَرْفِ النبي صلى الله عليه وسلم".

 

"حوضي من كذا إلى كذا، فيه من الآنية عدد النجوم، أطيب ريحا من المسك، وأحلى من العسل، وأبرد من الثلج، وأبيض من اللبن، من شرب منه شربة لم يظمأ أبدا، ومن لم يشرب منه لم يَرْوَ أبدا".

 

"إن هذا (أى يوم الجمعة) يوم عيد جعله الله للمسلمين. فمن جاء الجمعة فليغتسل، وإن كان عنده طيب فلْيَمَسَّ منه. وعليكم بالسواك".

 

"من غسل ميتا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ".

 

"نهى (رسول الله صلى الله عليه وسلم) عن البول في الماء الدائم ثم الاغتسال منه، ونهى عن اغتسال الجنب فيه، وأمر المستيقظ من نوم الليل ألا يغمس يده فيه، وأمر بإراقة الإناء من ولوغ الكلب فيه".

 

"الإسلام: إقام الصلاة، و إيتاء الزكاة، و حج البيت، و صوم شهر رمضان، و الاغتسال من الجنابة".

 

"إن أمتي يُدْعَوْن يوم القيامة غُرًّا محجَّلين من آثار الوضوء. فمن استطاع منكم أن يُطِيل غُرَّته فليفعل".

 

"إذا قمتَ إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، واجعل الماء بين أصابع يديك ورجليك".

 

"لا يبولنّ أحدكم في الماء الراكد".

 

ويدخل فى الذوق الفنون من غناء وتصوير ونحت وشعر ونثر... ولسوف أتناول الفنون الآن من حيث حكمها فى الإسلام. ولسوف أقتصر منها على الغناء والتصوير والنحت، وهى الفنون التى يحرمها بعض العلماء ويرى أنها لا يمكن أن تتسق مع الإسلام، بخلاف العمارة والنقوش والتوريق والتكفيت والخطوط الجميلة مما لا يمارى فى حِلّه أحد. ونبدأ بفن الصوت الجميل، وهو الغناء، وها هى ذى بعض النصوص التى وردت فى أحاديث النبى عليه الصلاة والسلام عن ذلك الفن:

 

"زَيِّنُوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا".

 

"مر النبي صلى الله عليه وسلم على أبي موسى ذات ليلة وهو يقرأ فقال: إن عبد الله بن قيس (أو الأشعري) أُعْطِيَ مزمارا من مزامير داود. فلما أصبح ذكروا ذلك له فقال: لو كنتَ أعلمتَني لحبَّرْتُ ذلك تحبيرا".

 

 

 

"زَوَّجَتْ عائشةُ ذاتَ قرابة لها من الأنصار، فجاء رسول الله فقال: أَهْدَيْتُم الفتاة؟ قالوا: نعم. قال: أرسلتم معها من يغنّي؟ قالت: لا. فقال رسول الله: إن الأنصار قوم فيهم غَزَل. فلو بعثتم معها من يقول: أتيناكم أتيناكم، فحيانا وحياكم".

 

"دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعندي جاريتان تغنيان بغناء بُعَاث، فاضطجع على الفراش وحوَّل وجهه. ودخل أبو بكر فانتهرني وقال: مزمارة الشيطان عند النبي صلى الله عليه وسلم؟ فأقبل عليه رسول الله عليه السلام فقال: دعهما. فلما غفل غمزتهما فخرجتا. وكان يوم عيد يلعب السودان بالدرق والحراب، فإما سألت النبي صلى الله عليه وسلم وإما قال: تشتهين تنظرين؟ فقلت: نعم. فأقامني وراءه، خدي على خده، وهو يقول: دونكم يا بني أرفدة. حتى إذا مللت قال: حسبك؟ قلت: نعم، قال: فاذهبي".

 

"(عن بريدة) أن النبي صلى الله عليه وسلم غزا، فنذرت أَمَةٌ سوداءُ إنْ رده الله سالما أن تضرب عنده بالدف. فرجع سالما غانما، فأخبرتْه، فقال: إن كنتِ فعلتِ فافعلي، وإلا فلا. فقالت: يا رسول الله، قد فعلتُ. فضَرَبَتْ، فدخل أبو بكر وهي تضرب. ودخل عمر وهي تضرب، فألقت الدف وجلست عليه مُقْعِيَة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا هاهنا، وأبو بكر هاهنا، وهؤلاء هاهنا. إني لأحسب الشيطان يَفْرَق منك يا عمر".

 

"بعثني الله رحمة وهدى للعالمين، وبعثني لمحق المعازف والمزامير وأَمْر الجاهلية. ثم قال: من شرب خمرا في الدنيا سقاه الله كما شرب منه من حميم جهنم".

 

وهناك خلاف شديد حول حلية هذا الفن ما بين محرّم له متشدد فى التحريم، ومحلل بشروط: فأما المتشددون فمعروفةٌ مواقِفُهم وحُجَجُهم، فهم يستندون إلى بعض الآيات والأحاديث التى تنهى عن الغناء أو يفهمون منها ذلك. وأما المبيحون فلا يبيحون هذا الفن دون ضوابط، بل لهم شروطهم. وهم فى أثناء ذلك يحرصون على الرد على كل ما قاله الناهون بالتفصيل. وسوف أكتفى هنا بآراء المجوِّزين، ومن خلال هذه الآراء سنطلع على ماقاله الطرف الآخر. قال ابن حزم فى رسالة له صغيرة اسمها: "رسالة الغناء الـمُلْهِي: أمباحٌ هو أم محظور؟": "أما بعد، أيدك الله وإياي بتوفيقه، وأعاننا بلطفه على أداء حقوقه، فإنك رغبت أن أقدم لك في الغناء الملهي: أمباح هو أم من المحظور؟ فقد وردتْ أحاديث بالمنع منه وأحاديث بإباحته. وأنا أذكر الأحاديث المانعة وأنبّه على عللها، وأذكر الأحاديث المبيحة له وأنبه على صحتها إن شاء الله، والله موفق للصواب.

 

فالأحاديث المانعة: 1-ما روى سعيد بن أبي رزين عن أخيه عن ليث بن أبي سليم عن عبد الرحمن بن سابط عن النبي عليه السلام أنه قال: إن الله حرم المغنية وبيعها وثمنها وتعليمها والاستماع إليها. 2-وروى لاحق بن حسين بن عمر أن ابن أبي الورد المقدسي قال: ثنا أبو المرجى ضرار بن علي بن عمير القاضي الجيلاني ثنا أحمد بن سعيد عن محمد بن كثير الحمصي ثنا فرج بن فضالة عن يحيى بن سعيد عن محمد بن الحنفية عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله: إذا عملتْ أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء: إذا كان المال دولاً، والأمانة مغنمًا، والزكاة مغرمًا، وأطاع الرجل زوجته، وعَقَّ أمه وجفا أباه، وارتفعت الأصوات في المساجد، وكان زعيم القوم أذلهم، وأُكْرِم الرجل مخافة شَرّه، ولبست الحرير واتخذت القينات والمعازف، ولعن آخر هذه الأمة أولها فليتوقعوا عند ذلك ريحًا حمراء ومسخًا وخسفًا. 3-وروى أبو عبيدة بن فضيل بن عياض ثنا أبو سعيد مولى بني هاشم هو عبد الرحمن بن عبد الله انبا عبد الرحمن بن العلاء عن محمد بن المهاجر عن كيسان مولى معاوية ثنا معاوية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن تِسْعٍ، وأنا أنهاكم عنهن: ألا إن منهن الغناء والنوح والتصاوير والشعر والذهب وجلود السباع والخَزّ والحرير. 4-وروى سلام بن مسكين عن شيخٍ شهد ابن مسعود يقول: الغناء ينبت النفاق في القلب. 5-وروى عبد الملك بن حبيب ثنا عبد العزيز الأُوَيْسِيّ عن إسماعيل بن عيّاش عن علي بن زيد عن القاسم عن أبي أمامة قال: سمعت رسول الله يقول: لا يحل تعليم المغنيات ولا شراؤهن ولا بيعهن ولا اتخاذهن. وثمنهن حرام. وقد أنزل الله ذلك في كتابه: "ومِن الناس من يشتري لَهْو الحديث ليُضِلّ عن سبيل الله بغير علم" (لقمان/ 6). والذي نفسي بيده ما رفع رجلٌ عقيرته بالغناء إلا ارتدفه شيطانان يضربان بأرجلهما صدره وظهره حتى يسكت. 6-وبه إلى عبد الملك بن حبيب عن الأويسي عن عبد الله بن عمير بن حفص بن عاصم أن رسول الله قال: إن المغني أُذُنه بيد شيطان يرعشه حتى يسكت. 7-وبه إلى عبد الملك بن حبيب ثنى ابن معين عن موسى بن أعين عن القاسم عن أبي أمامة أن رسول الله قال: إن الله حرم تعليم المغنيات وشراءهن وبيعهن وأكل أثمانهن. 8-وذكر البخاري قال: قال هشام بن عمار ثنا صدقة بن خالد ثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ثنا عطية بن قيس الكلابي ثنا عبد الرحمن بن غنم الأشعري ثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعري أنه سمع النبي عليه السلام يقول: ليكونن من أمتي قوم يستحلون الحِرَ والحرير والخمر والمعازف. 9-وروى ابن شعبان ثني ابراهيم بن عتمان بن سعيد ثني أحمد بن الغمر بن أبي حماد بحمص ويزيد بن عبد الصمد قالا ثنا عبيد بن هاشم الحلبي، هو أبو نعيم، ثنا عبد الله بن المبارك عن مالك عن محمد بن المنكدر عن أنس قال: قال رسول الله: من جلس إلى قينة صُبَّ في أذنيه الآنُكَ يوم القيامة. 10-وبه إلى ابن شعبان ثني عمي ثنا أبو عبد الله الدوري ثنا عبيد الله القواريري ثنا عمران بن عبيد عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قول الله عز وجل: "ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليُضِلّ عن سبيل الله"، قال: الغناء. 11-وروى ابن أبي شيبة أبو بكر ثنا زيد بن الحباب ثنا معاوية صالح عن حاتم بن حريث عن ابن أبي مريم قال: دخل علينا عبد الرحمن بن غنم فقال: أنبأنا أبو مالك الأشعري أنه سمع النبي عليه السلام يقول: يشرب ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها، تُضْرَب على رؤوسهم المعازف والقينات، يخسف الله بهم الأرض. 12-وحديث فيه: أن الله تعالى نهى عن صوتين ملعونين: صوت نائحة، وصوت مغنية.

 

وكل هذا لا يصح منه شيء، وهي موضوعة: 1-أما حديث عائشة رضي الله عنها ففيه سعيد بن أبي رزين عن أخيه، وكلاهما لا يدري أحد مَنْ هما. 2-وأما حديث علي رضي الله عنه فجميع من فيه إلى يحيى ابن سعيد لا يُدْرَى من هم. ويحيى بن سعيد لم يرو عن محمد بن الحنفية كلمة ولا أدركه. 3-وأما حديث ابن مسعود رضي الله عنه ففيه شيخ لم يُسَمَّ، ولا يعرفه أحد. 4-وأما حديث معاوية فإن فيه كيسان، ولا يُدْرَى من هو، ومحمد بن مهاجر، وهو ضعيف. وفيه النهي عن الشّعْر، وهم يبيحونه. 5، 6، 7-وأما أحاديث عبد الملك بن حبيب فكلها هالكة. 8-فأما حديث أبي أمامة ففيه إسماعيل بن عياش، وهو ضعيف، والقاسم، وهو مثله. 9-وأما حديث البخاري فلم يورده البخاري مُسْنَدًا، وإنما قال فيه: قال هشام بن عمار ثم إلى أبي عامر أو إلى أبي مالك، ولا يُدْرَى أبو عامر هذا. 10-وأما أحاديث ابن شعبان فهالكة. أسفل النموذج

 

9-وأما حديث أنس فبَلِيَّةٌ لأنه عن مجهولين، ولم يروه أحد قط عن مالك من ثقات أصحابه، والثاني عن مكحول عن عائشة، ولم يلقها قط ولا أدركها، وفيه أيضًا من لا يُعْرَف، وهو هاشم بن ناصح وعمر بن موسى، وهو أيضًا منقطع. والثالث عن أبي عبد الله الدوري، ولا يُدْرَى من هو. 11-وأما حديث ابن أبي شيبة ففيه معاوية بن صالح، وهو ضعيف، ومالك ابن أبي مريم، ولا يُدْرَى من هو. 12-وأما النهي عن صوتين فلا يُدْرَى من رواه. فسقط كل ما في هذا الباب جملة. 10-وأما تفسير قول الله تعالى: "ومِنَ الناس مَنْ يشتري لَهْوَ الحديث" بأنه الغناء فليس عن رسول الله، ولا ثبت عن أحد من أصحابه، وإنما هو قول بعض المفسرين ممن لا يقوم بقوله حجة. وما كان هكذا فلا يجوز القول به. ثم لو صح لما كان فيه متعلَّق لأن الله تعالى يقول: "ليُضِلّ عن سبيل الله"، وكل شيء يُقْتَنَى ليُضَلّ به عن سبيل الله فهو إثم وحرام، ولو أنه شراء مصحف أو تعليم قرآن، وبالله التوفيق.

 

فإذ لم يصح في هذا شيء أصلاً فقد قال تعالى "وقد فَصَّل لكم ما حَرَّم عليكم" (الأنعام/ 119)، وقال تعالى "هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا" (البقرة/ 29) وقال رسول الله من طريق سعد بن أبي وقاص، وطريقه ثابتة، "إن من أعظم الناس جرمًا في الاسلام من سأل عن شيء لم يحرَّم فحُرِّم من أجل مسألته"، فصح أن كل شيء حرّمه تعالى قد فصّله لنا، وما لم يفصّل لنا تحريمه فهو حلال. 1-وخرج مسلم بن الحجاج قال ثني هارون بن سعيد الأيلي ثنا عبد الله بن وهب عمرو، وهو ابن الحارث، أن ابن شهاب حدثه عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين، أن أبا بكر دخل عليها، وعندها جاريتان تغنيان في أيام مِنًى وتضربان، ورسول الله مُسَجًّى بثوبه، فنهرهما أبو بكر، فكشف رسول الله عنه فقال: دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد. 2-وبه إلى عمرو بن الحارث أن محمد بن عبد الرحمن حدثه عن عروة عن عائشة قال: دخل رسول الله وعنده جاريتان تغنيان بغناء بُعَاث، فاضطجع على الفراش وحوّل وجهه، فدخل أبو بكر فانتهرني وقال: مزمار الشيطان عند رسول الله؟ فأقبل عليه فقال: دعهما. فإن قيل إن أبا أسامة روى هذا الحديث عن هشام بن عروة عن أبيه فقال فيه: "وليستا بمغنيتين"، قيل: قد قالت عائشة: "تغنيان"، فأثبتت الغناء لهما. فقولها: وليستا بمغنيتين، أي ليستا بمحسنتين. وقد سمع رسول الله قول أبي بكر: "مزمار الشيطان؟"، فأنكر عليه، ولم ينكر على الجاريتين غناءهما. وهذا هو الحجة التي لا يسع أحدا خلافُها، ولا يزال التسليم لها. 3-وروى أبو داود السجستاني ثنا أحمد بن عبيد العداني ثنا الوليد بن مسلم ثنا سعيد بن عبد العزيز ثنا سليمان بن موسى عن نافع قال: سمع ابن عمر مزمارًا فوضع إصبعيه في أذنيه ونأى عن الطريق، وقال: يا نافع، هل تسمع شيئًا؟ قال: لا. فرفع إصبعيه وقال: كنت مع رسول الله فسمع مثل هذا، فصنع مثل هذا. فلو كان حرامًا ما أباح رسول الله لابن عمر سماعه، ولا أباح ابن عمر لنافع سماعه، ولكنه عليه السلام كره لنفسه كل شيء ليس من التقرب إلى الله كما كره الأكل متكئًا، والتنشف بعد الغسل في ثوب يُعَدّ لذلك، والستر الموشى على سدة عائشة وعلى باب فاطمة رضوان الله عليهما، وكما كره أشد الكراهية عليه السلام أن يبيت عنده دينار أو درهم. وإنما بُعِث عليه السلام منكرًا للمنكر وآمرًا بالمعروف. فلو كان ذلك حرامًا لما اقتصر عليه السلام أن يسد أذنيه عنه دون أن يأمر بتركه وينهى عنه. فلم يفعل عليه السلام شيئًا من ذلك بل أقره وتنزه عنه، فصح انه مباح وأن تركه أفضل كسائر فضول الدنيا المباحة، ولا فرق. 4-وروى مسلم بن الحجاج قال ثنا زهير بن حرب ثنا جرير ابن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قال: جاء حبشٌ يزفنون في المسجد في يوم عيد، فدعاني رسول الله فوضعت رأسي على منكبه فجعلت أنظر إلى لعبهم حتى كنت أنا التي انصرفت عن النظر به إليهم. 5-وروى سفيان الثوري وشعبة كلاهما عن أبي إسحاق السبيعي عن عامر بن سعد البجلي أن أبا مسعود البدري وقرظة بن كعب وثابت بن زيد كانوا في العريش، وعندهم غناء، فقلت: هذا، وأنتم أصحاب رسول الله؟ فقالوا: إنه رُخِّص لنا في الغناء في العرس، والبكاء على الميت في غير نوح، إلا أن شعبة قال: "ثابت بن وديعة" مكان ثابت بن زيد، ولم يذكر أبا مسعود. 6-وروى هشام بن زيد ثنا حسان عن محمد بن سيرين قال: إن رجلاً قدم المدينة بجَوَارٍ، فنزل على ابن عمر، وفيهم جارية تضرب، فجاء رجل فساومه فلم يَهْوَ منهن شيئًا. قال: انطلقْ إلى رجل هو أمثل لك بيعًا من هذا. فأتى إلى عبد الله بن جعفر فعرضهن عليه، فأمر جارية فقال: "خذي"، فأخذت حتى ظن ابن عمر أنه قد نظر إلى ذلك، فقال ابن عمر: حسبك سائر اليوم من مزمور الشيطان. فبايعه ثم جاء الرجل إلى ابن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن، إني غُبِنْتُ بتسعمائة درهم. فأتى ابن عمر مع الرجل إلى المشتري فقال له إنه غُبِن في تسعمائة درهم، فإما أن تعطيها إياه وإما أن ترد عليه بيعه. فقال: بل نعطيها إياه. فهذا عبد الله بن جعفر وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما قد سمعا الغناء بالعود. وإن كان ابن عمر كره ما ليس من الجِدّ فلم ينه عنه. وقد سَفَر في بيع مغنية كما ترى، ولو كان حرامًا ما استجاز ذلك أصلاً.

 

فإن قال قائل: قال الله تعالى: "فماذا بَعْدَ الحقِّ إلا الضلال؟" (يونس/ 32)، ففي أي ذلك يقع الغناء؟ قيل له: حيث يقع التروح في البساتين وصباغ ألوان الثياب وكل ما هو من اللهو. قال رسول الله: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى". فإذا نوى المرء بذلك ترويح نفسه وإجمالها لتقوى على طاعة الله عز وجل فما أتى ضلالاً. وقد قال أبو حنيفة: من سرق مزمارًا أو عودًا قُطِعَتْ يده، ومن كسرهما ضَمِنَهما. فلا يحل تحريم شيء ولا إباحته إلا بنص من الله تعالى أو من رسوله عليه السلام لأنه إخبار عن الله تعالى، ولا يجوز أن يخبر عنه تعالى إلا بالنص الذي لا شك فيه. وقد قال رسول الله: "ومن كذب علي متعمّدًا فليتبوأ مقعده من النار". قال أبو بكر عبد الباقي بن بريال الحجاري رضي الله عنه: ولقد أخبرني بعض كبار أهل زمانه أنه قال: أخذتُ النسخة التي فيها الأحاديث الواردة في ذم الغناء والمنع من بيع المغنيات وما ذكره فيها أبو محمد رضي الله عنه، ونهضت بها إلى الإمام الفقيه أبي عمر بن عبد البر ووقفته عليها أيامًا ورغّبته في أن يتأملها، فأقامت النسخة عنده أيامًا ثم نهضتُ إليه فقلت: ما صنعتَ في النسخة؟ فقال: وجدتها فلم أجد ما أزيد فيها وما أنقص".

 

ومن الفقهاء المعاصرين يقول الشيخ شلتوت، رحمه الله رحمة واسعة، فى كتابه: "الفتاوى" (ط18/ دار الشروق/ 1424هـ- 2004م/ 355- 358) مع بعض التصرف: "الأصل الذي أرجو أن يُتنبَّه إليه في هذا الشأن وأمثاله مما يختلفون في حِلِّهِ وحُرمته هو أن الله خلَق الإنسان بغريزة يَميل بها إلى المستلَذّات والطيبات التي يَجِدُ لها أثرًا طيبًا في نفسه به يهدأ، وبه يرتاح، وبه ينشط، وبه تسكن جوارحه. فتراه ينشرح بالمناظر الجميلة، كالخُضرة المُنَسَّقَة والماء الصافي الذي تلعب أمواجه، والوجه الحسَن الذي تنْبسط أساريرُه، وينشرح صدرُه بالروائح الزكيَّة التي تُحْدِث خِفَّةً في الجسم والروح، وينشرح صدره بلَمْسِ النُّعومة التي لا خُشونة فيها، وينشرح صدره بلذَّة المَعرفة في الكشف عن مجهول مَخْبُوءٍ، وتراه بعد هذا مَطبوعًا على غريزة الحب لمُشتهيات الحياة وزينتها من النساء والبنين، والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، والخيل المسومة والأنعام والحرْث.

 

ولعلَّ قيام الإنسان بمُهمته في هذه الحياة ما كانت لِتَتِمَّ على الوجه الذي لأجله خلَقه الله إلا إذا كان ذا عاطفة غريزية، تُوَجّهه نحو المشتَهَيَات، وتلك المُتَع التي خلقها الله معه في الحياة، فيأخذ منها القَدْر الذي يحتاجه وينفعه. ومن هنا قضت الحِكمة الإلهية أن يُخْلَق الإنسان بتلك العاطفة، وصار من غير المعقول أن يَطْلُب الله منه، بعد أن خلَقه هذا الـخَلْق، وأودع فيه لحِكمته السامية هذه العاطفة، نزْعَها أو إِمَاتتها أو مكافحتها في أصلها، وبذلك لا يُمكن أن يكون من أهداف الشرائع السماوية، في أيِّ مرحلة من مراحل الإنسانية، طلبُ القضاء على هذه الغريزة الطبيعية التي لابد منها في هذه الحياة. نعم للشرائع السماوية بإِزاءِ هذه العاطفة مَطلب آخر يتلخص في كبْح الجماح. ومعناه: مكافحة الغريزة عن الحدِّ الذي ينسى به الإنسان واجباتِه، أو يُفْسِد عليه أخلاقه، أو يَحُول بينه وبين أعمال هي له في الحياة ألْزمُ، وعليه أوجب.

 

ذلك هو موقفُ الشرائع السماوية مِن الغريزة. وهو موقف الاعتدال والقَصْد لا موقف الإفْراط ولا مَوقف التفريط. هو موقف التنظيم لا موقف الإماتة والانتزاع. هذا أصْلٌ يجب أن يُفْهَم، ويجب أن تُوزَن به أهداف الشريعة السماوية. وقد أشار إليه القرآن في كثير من الجُزئيات "ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلَى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْهَا كُلَّ البَسْطِ". "يا بَنِي آدمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا". "واقْصِدْ فِي مَشْيِكَ واغْضُضْ مِن صَوْتِكَ". وإذنْ فالشريعة تُوجِّه الإنسان في مُقتضيات الغريزة إلى الحدِّ الوسَط، فهي لم تنزل لانتزاع غريزة حُبِّ المال. إنما نزلت بتَعديلها على الوجه الذي لا جشَع فيه ولا إسراف. وهي لم تنزل لانتزاع الغريزة في حُبِّ المناظر الطيبة ولا المسموعات المستلذة، وإنما نزلت بتهذيبها وتعديلها على ما لا ضرر فيه ولا شر. وهي لم تنزل لانتزاع غريزة الحُزْن، وإنما نزلت بتعديلها على الوجه الذي لا هلَع فيه ولا جزَع. وهكذا وقفت الشريعة السماوية بالنسبة لسائر الغرائز. وقد كلَّف الله العقل، الذي هو حُجته على عباده، بتنظيمها على الوجه الذي جاء به شرْعه ودينه. فإذا مال الإنسان إلى سماع الصوت الحسن أو النغم المستلذ من حيوان أو إنسان أو آلة كيفما كانت أو مالَ إلى تعلُّم شيء من ذلك فقد أدَّى للعاطفة حقَّها. وإذا ما وقف بها مع هذا عند الحدِّ الذي لا يصرفه عن الواجبات الدينية أو الأخلاق الكريمة أو المكانة التي تتَّفِق ومركزه كان بذلك مُنظمًا لغريزته، سائرًا بها في الطريق السوي، وكان مَرْضِيًّا عند الله وعند الناس. بهذا البيان يتَّضِح أن موقف الشاب في تعلُّم الموسيقى، مع حرصه الشديد على أداء الصلوات الخمس في أوقاتها وعلى أعماله المكلف بها، موقف (كما قلنا) نابعٌ من الغريزة التي حكَمها العقل بشرع الله وحكمه، فنزلت على إرادت. وهذا هو أسمى ما تطلبه الشرائع السماوية من الناس في هذه الحياة.

 

ولقد كنتُ أرى أن هذا القدْر كافٍ في معرفة حكم الشرع في الموسيقى وفي سائر ما يُحب الإنسان ويهوَى بمقتضى غريزته لولا أن كثيرًا من الناس لا يكتفون، بل ربما لا يؤمنون بهذا النوع من التوجيه في معرفة الحلال والحرام، وإنما يقنعهم عرض ما قيل في الكتب وأُثِر عن الفقهاء. وإذا كان ولا بد فليعلموا أن الفقهاء اتفقوا على إباحة السماع في إثارة الشوق إلى الحج، وفي تحريض الغُزَاة على القتال، وفي مناسبات السرور المألوفة كالعيد والعُرْس وقدوم الغائب وما إليها. ورأيناهم فيما وراء ذلك على رأيينِ: يُقَرّر أحدهما الحُرْمة، ويستند إلى أحاديث وآثار. ويُقرر الآخر الحِلّ، ويستند كذلك إلى أحاديث وآثار. وكان من قول القائلين بالحِلِّ: "إنه ليس في كتاب الله ولا سُنة رسوله ولا في معقولهما من القياس والاستدلال ما يقتضي تحريم مُجَرَّد سماع الأصوات الطيبة الموزونة مع آلة من الآلات". وقد تعقَّبوا جميع أدلة القائلين بالحُرمة، وقالوا: إنه لم يصحَّ منها شيء.

 

وقد قرأت في هذا الموضوع لأحد فقهاء القرن الحادي عشر المعروفين بالورَع والتقوى رسالة هي: "إيضاح الدلالات في سماع الآلات" للشيخ عبد الغني النابلسي الحنفي قرر فيها أن الأحاديث التي استدل بها القائلون بالتحريم، على فرض صحتها، مُقَيَّدة بذِكْر الملاهي وبذكر الخمر والقيْنات والفسوق والفجور، ولا يكاد حديث يخلو من ذلك. وعليه كان الحُكْم عنده في سماع الأصوات والآلات المُطرِبة أنه إذا اقترن بشيء من المُحرَّمات، أو اتُّخذ وسيلةً للمُحرَّمات، أو أَوْقعَ في المحرمات كان حرامًا، وأنه إذا سلِم من كل ذلك كان مباحًا في حضوره وسماعه وتعلُّمه. وقد نُقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم عن كثير من الصحابة والتابعين والأئمة والفقهاء، أنهم كانوا يسمعون ويحضرون مجالس السماع البريئة من المجون والـمُحَرَّم. وذهب إلى مثل هذا كثير من الفقهاء. وهو يُوافق تمامًا في المغزى والنتيجة الأصل الذي قرَّرناهُ في موقف الشريعة بالنسبة للغرائز الطبيعية.

 

وإذن فسماع الآلات ذات النغمات أو الأصوات الجميلة لا يُمكن أن يحرم باعتباره صوت آلة أو صوت إنسان أو صوت حيوان. وإنما يُحَرَّم إذا استُعِين به على محرَّم أو اتُّخِذ وسيلةً إلى محرَّم أو ألْهَى عن واجب. وهكذا يجب أن يعلم الناس حُكْم الله في مثل هذه الشؤون. ونرجو بعد ذلك ألا نسمع القول يُلْقَى جزافًا في التحليل والتحريم، فإن تحريم ما لم يُحَرّمه الله أو تحليل ما حرَّمه الله كلاهما افتراءٌ وقوْلٌ على الله بغير علم: "قُلْ إنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ومَا بَطَنَ والإثْمَ والبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وأنْ تُشْرِكُوا باللهِ مَا لمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلطَانًا وأنْ تَقُولُوا علَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ" (الآية 33 من سورة الأعراف)".

 

ومن الفقهاء المعاصرين كذلك د. القرضاوى، الذى عالج هذه المسألة فى كتابه: "الإسلام والفن"، والذى ننقل كلامه هنا أيضا بشىء من التصرف. قال: "ما حكم الإسلام في الغناء والموسيقي؟ سؤالٌ يتردد على ألسنة كثيرين في مجالات مختلفة وأحيان شتى، سؤالٌ اختلف جمهور المسلمين اليوم في الإجابة عليه، واختلف سلوكهم تبعًا لاختلاف أجوبتهم: فمنهم من يفتح أذنية لكل نوع من أنواع الغناء ولكل لون من ألوان الموسيقي مدعيًا أن ذلك حلال طيب من طيبات الحياة أباح الله لعباده. ومنهم من يغلق الراديو أو يغلق أذنيه عند سماع أية أغنية قائلا: إن الغناء مزمار الشيطان ولهو الحديث، ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة‌، وخاصة‌ إذا كان المغني امرأة. فالمرأة عندهم صوتها عورة بغير الغناء، فكيف بالغناء؟ ويستدلون لذلك بآيات وأحاديث وأقوال. ومن هؤلاء من يرفض أي نوع من أنواع الموسيقى حتى المصاحِبة لمقدمات نشرات الأخبار. ووقف فريق ثالث مترددًا بين الفريقين: ينحاز إلى هؤلاء تارة،‌ وإلى أولئك طورًا، ينتظر القول الفصل والجواب الشافي من علماء الإسلام في هذا الموضوع الخطير الذي يتعلق بعواطف الناس وحياتهم اليومية، وخصوصًا بعد أن دخلت الإذاعة: المسموعة والمرئية على الناس بيوتهم بِجِدّها وهَزْلها، وجذبت إليها أسماعهم بأغانيها وموسيقاها طوعًا وكرهًا.

 

والغناء‌ بآلة، أي مع الموسيقى، وبغير آلةٍ مسألةٌ ثار فيها الجدل والكلام بين علماء الإسلام منذ العصور الأولى، فاتفقوا في مواضع واختلفوا في أخرى: اتفقوا على تحريم كل غناء يشتمل على فحش أو فسق أو تحريض على معصية، إذ الغناء ليس إلا كلامًا: فحَسَنُه حَسَنٌ، وقبيحه قبيح. وكل قول يشتمل على فحشٍ حرامٌ، فما بالك إذ اجتمع له الوزن والنغم والتأثير؟ واتفقوا على إباحة ما خلا من ذلك من الغناء الفطري الخالي من الآلات و الإثارة، وذلك في مواطن السرور المشروعة كالعرس وقدوم الغائب وأيام الأعياد ونحوها بشرط ألا يكون المغني امرأة في حضرة أجانب منها. وقد وردت في ذلك نصوص صريحة سنذكرها فيما بعد. واختلفوا فيما عدا ذلك اختلافًا بيّنًا: فمنهم من أجاز كل غناء بآلة وبغير آلة، ومنهم من منعه منعًا باتًّا بآلة وبغير آلة‌، وعده حرامًا، بل ربما ارتقي به إلى درجة "الكبيرة". ولأهمية الموضوع نرى لزامًا علينا أن نفصل فيه بعض التفصيل، ونلقي عليه أضواء كاشفة لجوانبه المختلفة حتى يتبين المسلم الحلال فيه من الحرام، مُتّبِعًا للدليل الناصع، لا مقلدًا قول قائل. وبذلك يكون على بينة من أمره، وبصيرة من دينه.

 

قرر علماء الإسلام أن الأصل في الأشياء الإباحة لقوله تعالى: "هوَ الَذِي خَلَقَ لَكم مَا فِي الأَرُضِ جَمِيعًا"، و لا تحريم إلا بنص صحيح صريح من كتاب الله تعالى، أو سنة رسوله صلي الله عليه و آله و سلم، أو إجماع ثابت متيقن. فإذا لم يرد نص ولا إجماع، أو ورد نص صريح غير صحيح، أو صحيح غير صريح، بتحريم شيء من الأشياء لم يؤثر ذلك في حله، وبقي في دائرة العفو الواسعة. قال تعالى: "وَقَدُ فَصَلَ لَكم مَا حُرَِّمَ عَلَيْكُمُ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتمُ إِلَيْهِ". وقال رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم: "ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرّم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو. فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئًا"، وتلا: "وَ مَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا". وقال: "إن الله فرض فرائض فلا تضيّعوها، وحَدَّ حدودًا فلا تَعْتَدُوها، وسكت عن أشياءَ رحمةً بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها". وإذ كانت هذه هي القاعدة، فما هي النصوص و الأدلة التي استند إليها القائلون بتحريم الغناء؟ وما موقف المجيزين منها؟

 

استدل المحرِّمون بما رُوِيَ عن ابن مسعود وابن عباس وبعض التابعين: أنهم حرموا الغناء محتجين بقول الله تعالى: "وَمِنَ النَاسِ مَن يَشُتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ الَلهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهمُ عَذَاب مهِين"ـ وفسروا لهو الحديث بـ"الغناء". قال ابن حزم: "ولا حجة في هذا لوجوه: أحدها أنه لا حجة لأحد دون رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم. والثاني أنه قد خالف غيرهم من الصاحبة والتابعين. والثالث أن نص الآية يبطل احتجاجهم بها لأن فيها: "وَمِنَ النَاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الُحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا". وهذه صفةٌ مَنْ فَعَلها كان كافرًا بلا خلاف، إذ اتخذ سبيل الله هزوًا. قال: "ولو أن امرءًا اشترى مصحفًا ليضل به عن سبيل الله ويتخذه هزوًا لكان كافرًا! فهذا هو الذي ذم اللهُ تعالى، وما ذَمَّ قَطُّ عز و جل مَنْ اشترى لهو الحديث ليتلهى به ويروّح نفسه لا ليضل عن سبيل الله تعالى. فبطل تعلقهم بقول هؤلاء. وكذلك من اشتغل عامدًا عن الصلاة بقراءة القرآن أو بقراءة السنن أو بحديث يتحدث به أو بغناء أو بغير ذلك فهو فاسقٌ عاصٍ لله تعال. ومن لم يضيع شيئًا من الفرائض اشتغالا بما ذكرنا فهو محسن".

 

واستدلوا بقوله تعالى في مدح المؤمنين: "وَإِذَا سَمِعُوا اللّغْوَ أَعْرَضُوا عَنُه"، والغناء من اللغو، فوجب الإعراض عنه. ويجاب بأن الظاهر من الآية أن اللغو سفه القول من السب والشتم ونحو ذلك، وبقية الآية تنطق بذلك. قال تعالى: "وَ إِذَا سَمِعوُاُ اللَغْوَ أَعْرَضُوا عَنْه وَقَالُوا لَنا أَعُمَالنَا وَلَكمُ أَعُمَالَكمُ سَلامٌ عَلَيْكُم لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِيُنَ". فهي شبيهة بقوله تعالى في وصف عباد الرحمن: "وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا: سَلامًا". ولو سلّمنا أن اللغو في الآية يشمل الغناء لوجدنا الآية تستحب الإعراض عن سماعه، ‌وليس فيها ما يوجب ذلك. وكلمة "اللغو"، ككلمة "الباطل"، تعني ما لا فائدة فيه. وسماعُ ما لا فائدة فيه ليس محرّمًا ما لم يضيّع حقا أو يشغل عن واجب. رُوِيَ عن ابن جريج أنه كان يرخِّص في السماع، فقيل له: أيؤتى به يوم القيمة في جملة حسناتك أو سيئاتك؟ فقال: لا في الحسنات ولا في السيئات لأنه شبيه باللغو. قال تعالى: "لا يُؤَاخِذُكم الله بِالَلغْو ِفِي أَيْمَانِكمْ".قال الإمام الغزالي: "إذا كان ذكر اسم الله تعالى على الشيء على طريق القَسَم من غير عقد عليه ولا تصميم، والمخالفة فيه، مع أنه لا فائدة فيه، لا يؤاخَذ به، فكيف يؤاخَذ بالشعر والرقص؟".

 

على أننا نقول: ليس كل غناءٍ لغوًا. إنه يأخذ حكمه وفق نية صاحبه: فالنية الصالحة تحيل اللهو قربة، والمزح طاعة. والنية الخبيثة تحبط العمل الذي ظاهره العبادة، وباطنه الرياء: "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم". و ننقل هنا كلمة جيدة قالها ابن حزم في "المحلَّى" ردا على الذين يمنعون الغناء. قال: "احتجوا فقالوا: من الحق الغناء أم من غير الحق؟ ولا سبيل إلى قسم ثالث.‌ وقد قال الله تعالى: "فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إلاَّ الضَّلاَلُ؟". فجوابنا، وبالله التوفيق، أن رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم قال: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىء ما نوى". فمن نوى باستماع الغناء ترويح نفسه ليقوى بذلك على طاعة الله عز وجل، وينشط نفسه بذلك على البر، فهو مطيع محسن، وفِعْله هذا من الحق. ومن لم ينو طاعة ولا معصية فهو لغوٌ معفوٌّ عنه كخروج الإنسان إلى بستانه، وقعوده على باب داره متفرجًا، وصبغه ثوبه لا زورديًّا أو أخضر أو غير ذلك، ومدّ ساقه وقبضها، وسائر أفعاله.

 

واستدلوا بحديث "كل لهو يلهو به المؤمن فهو باطل إلا ثلاثة: ملاعبة الرجل أهله، و تأديبه فرسه، و رميه عن قوسه"، والغناء خارج عن هذه الثلاثة. وأجاب المجوِّزون بضعف الحديث، ولو صح لما كان فيه حجة، فإن قوله: "فهو باطل" لا يدل على التحريم، بل يدل على عدم الفائدة. فقد ورد عن أبي الدرداء قوله: "إني لأستجمّ نفسي بالشيء من الباطل ليكون أقوى لها على الحق". على أن الحصر في الثلاثة غير مراد، فإن التلهي بالنظر إلى الحبشة وهم يرقصون في المسجد النبوي خارج عن تلك الأمور الثلاثة، وقد ثبت في الصحيح. ولا شك أن التفرج في البساتين وسماع أصوات الطيور، وأنواع المداعبات مما يلهو به الرجل، لا يحرم عليه شيء منها، وإن جاز و صفه بأنه باطل.

 

واستدلوا بالحديث الذي رواه البخاري معلقًا عن أبي مالك أو أبي عامر الأشعري (شكٌّ من الراوي) عن النبي عليه الصلاة والسلام، قال: "ليكونن قوم من أمتي يستحلون الحِرَ والحرير والخمر والمعازف". والمعازف: الملاهي أو آلات العزف. والحديث، وإن كان في صحيح البخاري، إلا أنه من "المعلَّقات" لا من "المسندات المتصلة".‌ ولذلك رده ابن حزم لانقطاع سنده. ومع التعليق فقد قالوا: إن سنده ومتنه لم يسلما من الاضطراب. وقد اجتهد الحافظ ابن حجر لوصل الحديث، ووصله بالفعل من تسعة طرق، ولكنها جميعًا تدور على راوٍ تكلم فيه عدد من الأئمة النقاد، ألا وهو هشام بن عمار. وهو، وإن كان خطيب دمشق ومقرئها ومحدِّثها وعالمها، ووثَّقه ابن معين و العجلي، فقد قال عنه أبو داود: حدَّث بأربعمائة حديث لا أصل لها. وقال أبو حاتم: صدوقٌ، وقد تغير. فكان كل ما دُفِع إليه قرأه،‌ وكل ما لُقِّنَه تلقَّن. وكذلك قال ابن سيار. وقال الإمام أحمد: طياش خفيف. وقال النسائي: لا بأس به (وهذا ليس بتوثيق مطلق). ورغم دفاع الحافظ الذهبي عنه قال: صدوقٌ مُكْثِرٌ له ما يُنْكَر. وأنكروا عليه أنه لم يكن يحدّث إلا بأجر! ومثل هذا لا يُقْبَل حديثه في مواطن النزاع، وخصوصًا في أمر عمت به البلوى. ورغم ما في ثبوته من الكلام ‌ففي دلالة كلام آخر، فكلمة "المعازف" لم يُتَّفَق على معناها بالتحديد: ما هو؟ فقد قيل: الملاهي، وهذه مجملة. وقيل: آلات العزف. ولو سلّمنا بأن معناها آلات الطرب المعروفة‌ بآلات الموسيقى، فلفظ الحديث المعلّق في البخاري غير صحيح في إفادة حرمة "المعازف" لأن عبارة "يستحلون"، كما ذكر ابن العربي، لها معنيان: أحدهما يعتقدون أن ذلك حلال، والثاني أن تكون مجازًا عن الاسترسال في استعمال تلك الأمور، إذ لو كان المقصود بالاستحلال المعني الحقيقي لكان كفرًا، فإن استحلال الحرام المقطوع به، مثل الخمر والزنى المعبر عنه بـ"الحِرِ"، كفر بالإجمال.

 

ولو سَلَّمْنا بدلالتها على الحرمة، فهل يستفاد منها تحريم المجموع المذكور من الحِرِ والحرير والخمر والمعازف، أو كل فرد منها على حدة؟ والأول هو الراجح. فإن الحديث في الواقع ينعى على أخلاق طائفة من الناس انغمسوا في الترف والليالي الحمراء وشرب الخمور، فهم بين خمر ونساء، ولهو وغناء، وخَزٍّ و حرير. ولذا روى ابن ماجه هذا الحديث عن أبي مالك الأشعري باللفظ: "ليشربنّ أناسٌ من أمتي الخمر يسمّونها بغير اسمها، يُعْزَف على رؤوسهم بالمعازف و المغنيات، يخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم القردة و الخنازير".‌ وكذلك رواه ابن حبان في "صحيحه"، والبخاري في "تاريخه". وكل من روى الحديث من طريق غير هشام بن عمار جعل الوعيد على شرب الخمر، وما المعازف إلا مكملة وتابعة.

 

واستدلوا بحديث عائشة: "إن الله تعالى حرّم القينة (أي الجارية) وبيعها وثمنها ‌وتعليمه". والجواب عن ذلك: أولا أن الحديث ضعيف، وكل ما جاء في تحريم بيع القيان ضعيف. ثانيًا، قال الغزالي: "المراد بالقينة الجارية التي تغني للرجال في مجلس الشرب. وغناء‌ الأجنبية للفسّاق ومن يُخَاف عليهم الفتنة حرام.‌ وهم لا يقصدون بالفتنة إلا ما هو محذور. فأما غناء الجارية لمالكها فلا يفهم تحريمه من هذا الحديث. بل لغير مالكها سماعها عند عدم الفتنة بدليل ما رُوِيَ في الصحيحين من غناء الجاريتين في بيت عائشة رضي الله تعالى عنها، وسيأتي. ثالثًا، كان هؤلاء‌ القيان المغنيات يُكَوِّنَّ عنصرًا هامًّا من نظام الرقيق، الذي جاء الإسلام بتصفيته تدريجيًا، فلم يكن يتفق وهذه الحكمة إقرار بقاء هذه الطبقة في المجتمع الإسلامي. فإذا جاء حديث بالنعي على امتلاك "القينة " وبيعها والمنع منه، فذلك لهدم ركن من بناء "نظام الرق" العتيد.

 

واستدلوا بما روى نافع: أن ابن عمر سمع صوت زمارة‌ راعٍ فوضع أصبعيه في أذنيه ‌وعدل راحلته عن الطريق، وهو يقول: يا نافع، أتسمع؟ فأقول: "نعم"، فيمضي حتى قلت: "لا"، فرفع يده وعدل راحلته إلى الطريق،‌ وقال: "رأيت رسول الله صلي الله عليه وآله و سلم يسمع زمارة راعٍ فصنع مثل هذا". والحديث قال عنه أبو داود: حديثٌ مُنْكَرٌ. ولو صح لكان حجة على المحرِّمين لا لهم، فلو كان سماع المزمار حرامًا ما أباح النبي صلي الله عليه و آله وسلم لا بن عمر سماعه، ولو كان عند ابن عمر حرامًا ما أباح لنافعٍ سماعه ولأَمَرَ عليه السلام بمنع وتغيير هذا المنكر. فإقرار النبي صلي الله عليه وآله وسلم لابن عمر دليل على أنه من الحلال. وإنما تجنب عليه السلام سماعه كتجنبه أكثر المباح من أمور الدنيا، كتجنبه الأكل متكئًا،‌ وأن يبيت عنده دينار أو درهم... إلخ.

 

واستدلوا أيضًا بما روي: "إن الغناء يُنْبِت النفاق في القلب". ولم يثبت هذا حديثًا عن النبي صلي الله عليه وآله وسلم، و إنما ثبت قولا لبعض الصحابة أو التابعين، فهو رأي لغير معصوم خالفه فيه غيره. فمن الناس من قال، وبخاصة الصوفية: إن الغناء يرقق القلب، ويبعث الحزن والندم علي المعصية،‌ ويهيج الشوق إلى الله تعالى. ولهذا اتخذوه وسيلة‌ لتجديد نفوسهم، وتنشيط عزائمهم، وإثارة أشوقهم. قالوا: وهذا أمر لا يُعْرَف إلا بالذوق والتجربة والممارسة. ومن ذاق عرف، وليس الخبر كالعِيَان! على أن الإمام الغزالي جعل حكم هذه الكلمة بالنسبة للمغنى لا للسامع، إذ كان غرض المغنى أن يعرض نفسه على غيره ويروج صوته عليه، ولا يزال ينافق ويتودد إلى الناس ليرغبوا في غنائه. ومع هذا قال الغزالي: وذلك لا يوجب تحريما، فإن لبس الثياب الجميلة، وركوب الخيل المهملجة، وسائر أنواع الزينة، والتفاخر بالحرث والأنعام والزرع وغير ذلك، ينبت النفاق في القلب، ولا يطلق القول بتحريم ذلك كله. فليس السبب في ظهور النفاق في القلب المعاصي فقط، بل المباحات التي هي مواقع نظر الخلق أكثر تأثيرا.

 

واستدلوا على تحريم غناء المرأة خاصة بما شاع عند الناس من أن صوت المرأة عورة. وليس هناك دليل ولا شبه دليل من دين الله على أن صوت المرأة عورة. وقد كان النساء يسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ملإ من أصحابه، وكان الصحابة يذهبون إلى أمهات المؤمنين ويستفتونهن ويفتينهم ويحدثنهم، ولم يقل أحد إن هذا من عائشة أو غيرها كشفٌ لعورةٍ يجب أن تُسْتَر. فإن قالوا: هذا في الحديث العاديّ لا في الغناء، قلنا: روى "الصحيحان" أن النبي سمع غناء الجاريتين ولم ينكر عليهما، وقال لأبي بكر: دعهما. وقد سمع ابن جعفر وغيره من الصحابة والتابعين الجواري يغنين.

 

تلك هي أدلة المحرّمين، وقد سقطت واحدا بعد الآخر، ولم يقف دليل منها على قدميه. وإذا انتفت أدلة التحريم بقى حكم الغناء على أصل الإباحة بلا شك، ولو لم يكن معنا نص أو دليل واحد على ذلك غير سقوط أدلة التحريم، فكيف ومعنا نصوص الإسلام الصحيحة الصريحة، وروحه السمحة، وقواعده العامة، ومبادئه الكلية؟ وهاك بيانها: أولا من حيث النصوص: استدلوا بعدد من الأحاديث الصحيحة منها حديث غناء الجاريتين في بيت النبي صلى الله عليه وسلم عند عائشة، وانتهار أبي بكر لهما، وقوله: "مزمور الشيطان في بيت النبي صلى الله عليه وسلم؟". وهذا يدل على أنهما لم تكونا صغيرتين كما زعم بعضهم، فلو صح ذلك لم تستحقا غضب أبي بكر إلى هذا الحد. والمعوَّل عليه هنا هو رد النبي صلى الله عليه وسلم على أبي بكر رضى الله عنه وتعليله أنه يريد أن يعلم اليهود أن في ديننا فسحة، وأنه بُعِث بحنيفيةٍ سمحة. وهو يدل على وجوب رعاية تحسين صورة الإسلام لدى الآخرين، وإظهار جانب اليسر والسماحة فيه. وقد روى البخاري وأحمد عن عائشة أنها زفت امرأة إلى رجل من الأنصار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا عائشة، ما كان معهم من لهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو". وروى النسائي والحاكم، وصححه عن عامر بن سعد، قال: دخلتُ على قرظة بن كعب وأبي مسعود الأنصاري في عرس، وإذا جوارٍ يغنين. فقلت: أيْ صاحَبْى رسول الله أهلَ بدر، يُفْعَل هذا عندكم؟ فقالا: اجلس. إن شئت فاستمع معنا، وإن شئت فاذهب، فإنه قد رُخِّص لنا اللهو عند العرس. وروى ابن حزم بسنده عن ابن سيرين أن رجلا قدم المدينة بجَوَارٍ، فأتى عبد الله بن جعفر فعرضهن عليه، فأمر جارية منهن فغنت، وابن عمر يسمع، فاشتراها ابن جعفر بعد مساومة. ثم جاء الرجل إلى ابن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن، غُبِنْتُ بسبعمائة درهم! فأتى ابن عمر إلى عبد الله بن جعفر فقال له: إنه غُبِن بسبعمائة درهم، فإما أن تعطيها إياه، وإما أن ترد عليه بيعه. فقال: بل نعطيه إياها. قال ابن حزم: فهذا ابن عمر قد سمع الغناء وسعى في بيع المغنية. وهذا إسناد صحيح لا تلك الأسانيد الملفقة الموضوعة. واستدلوا بقوله تعالى: "وإذا رَأَوْا تجارةً أو لهوًا انفضُّوا إليها وتركوك قائما. قل: ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين". فقرن اللهو بالتجارة، ولم يذمّهما إلا من حيث شُغْل الصحابة بهما، بمناسبة قدوم القافلة وضرب الدفوف فرحا بها، عن خطبة النبي صلى الله عليه وسلم وتَرْكه قائما. واستدلوا بما جاء عن عدد من الصحابة رضي الله عنهم أنهم باشروا السماع بالفعل أو أقروه، وهم القوم يُقْتَدَى بهم فيُهْتَدَى. واستدلوا بما نقله غير واحد من الإجماع على إباحة السماع كما سنذكره بعد.

 

وثانيا من حيث روح الإسلام وقواعده: أ-لا شئ في الغناء إلا أنه من طيبات الدنيا التي تستلذها الأنفس، وتستطيبها العقول، وتستحسنها الفِطَر، وتشتهيها الأسماع، فهو لذة الأذن، كما أن الطعام الهنيء لذة المعدة، والمنظر الجميل لذة العين، والرائحة الذكية لذة الشم... إلخ. فهل الطيبات، أي المستلذات، حرام في الإسلام أم حلال؟ من المعروف أن الله تعالى كان قد حرم على بني إسرائيل بعض طيبات الدنيا عقوبة لهم على سوء ما صنعوا، كما قال تعالى: "فبِظُلْمٍ من الذين هادوا حرَّمْنا عليهم طيباتٍ أُحِلَّتْ لهم وبِصَدِّهم عن سبيل الله كثيرا * وأَخْذِهم الربا وقد نُهُوا عنه وأَكْلِهم أموالَ الناس بالباطل"، فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم جعل عنوان رسالته في كتب الأولين: "الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويُحِلّ لهم الطيبات ويحرّم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إِصْرَهم والأغلال التي كانت عليهم". فلم يبق في الإسلام شئ طيب، أي تستطيبه الأنفس والعقول السليمة، إلا أحله الله رحمة بهذه الأمة لعموم رسالتها وخلودها. قال تعالى: "يسألونك: ماذا أُحِلَّ لهم؟ قل: أُحِلّ لكم الطيبات". ولم يبح الله لواحد من الناس أن يحرم على نفسه أو على غيره شيئا من الطيبات مما رزق الله مهما يكن صلاح نيته أو ابتغاء وجه الله فيه، فإن التحليل والتحريم من حق الله وحده، وليس من شأن عباده. قال تعالى: "قل: أرأيتم ما أنزل اللهُ لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا؟ قل: آلله أذن لكم أم على الله تفترون؟"، وجعل سبحانه تحريم ما أحله من الطيبات كإحلال ما حرّم من المنكرات، كلاهما يجلب سخط الله وعذابه، ويُرْدِى صاحبه في هاوية الخسران المبين والضلال البعيد. قال جل شأنه يَنْعَى على من فعل ذلك من أهل الجاهلية: "قد خَسِر الذين قتلوا أولادهم سَفَهًا بغير علم وحرَّموا ما رزقهم الله افتراءً على الله. قد ضلوا، وما كانوا مهتدين".

 

ب-ولو تأملنا لوجدنا أن الغناء والطرب للصوت الحسن يكاد غريزة إنسانية وفطرة بشرية حتى إننا لنشاهد الصبي الرضيع في مهده يسكته الصوت الطيب عن بكائه، وتنصرف نفسه عما يبكيه إلى الإصغاء إليه. ولذا تعودت الأمهات والمرضعات والمربيات الغناء للأطفال منذ زمن قديم. بل نقول: إن الطيور والبهائم تتأثر بحسن الصوت والنغمات الموزونة حتى قال الغزالي في الإحياء: "من لم يحركه السماع فهو ناقص مائل عن الاعتدال، بعيد عن الروحانية، زائد في غلظ الطبع وكثافته على الجِمَال والطيور وجميع البهائم، إذ الجمل مع بلادة طبعه يتأثر بالحُدَاء تأثرا يستخف معه الأحمال الثقيلة، ويستقصر لقوة نشاطه في سماعه المسافات الطويلة، وينبعث فيه من النشاط ما يُسْكِره ويُوَلِّهه. فنرى الإبل إذا سمعت الحادي تمد أعناقها، وتصغي إليه ناصبة آذانها، وتسرع في سيرها حتى تتزعزع عليها أحمالها ومحاملها". وإذا كان حب الغناء غريزة وفطرة، فهل جاء الدين لمحاربة الغرائز والفطر والتنكيل بها؟ كلا، إنما جاء لتهذيبها والسمو بها وتوجيهها التوجيه القويم. قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: إن الأنبياء قد بُعِثوا بتكميل الفطرة وتقريرها لا بتبديلها وتغييرها. ومصداق ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: "ما هذان اليومان؟". قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية. فقال عليه السلام: "إن الله قد أبدلكم بهما خيرا منهما: يوم الأضحى ويوم الفطر". وقالت عائشة: "لقد رأيت النبي يسترني بردائه، وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد، حتى أكون أنا التي أسأمه، أي اللعب. فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو". وإذا كان الغناء لهوا ولعبا فليس اللهو واللعب حراما، فالإنسان لا صبر له على الجِدّ المطلق والصرامة الدائمة. قال النبي صلى الله عليه وسلم لحنظلة حين ظن نفسه قد نافق لمداعبته زوجه وولده وتغير حاله في بيته عن حاله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا حنظلة، ساعة وساعة". وقال علي بن أبي طالب: رَوِّحُوا القلوب ساعة بعد ساعة، فإن القلوب إذا أُكْرِهَتْ عَمِيَتْ. وقال كرم الله وجهه: إن القلوب تَمَلُّ كما تمل الأبدان، فابتغوا لها طرائف الحكمة. وقال أبو الدرداء: إني لأستجمّ نفسي بالشيء من اللهو ليكون أقوى لها على الحق. وقد أجاب الإمام الغزالي عمن قال: "إن الغناء لهو ولعب" بقوله: هو كذلك، ولكن الدنيا كلها لهو ولعب... وجميع المداعبة مع النساء لهو، إلا الحراثة التي هي سبب وجود الولد، وكذلك المزح الذي لا فحش فيه، حلال. نُقِل عن ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة.

 

تلك هي الأدلة المبيحة للغناء من نصوص الإسلام وقواعده، فيها الكفاية كل الكفاية ولو لم يقل بموجبها قائل، ولم يذهب إلى ذلك فقيه. فكيف، وقد قال بموجبها الكثيرون من صحابة وتابعين وأتباع وفقهاء؟ وحسبنا أن أهل المدينة على ورعهم، والظاهرية على حَرْفِيّتهم وتمسكهم بظواهر النصوص، والصوفية على تشددهم وأخذهم بالعزائم دون الرُّخَص، رُوِيَ عنهم إباحة الغناء. قال الإمام الشوكانى في "نيل الأوطار": "ذهب أهل المدينة ومن وافقهم من علماء الظاهر وجماعة الصوفية إلى الترخيص في الغناء ولو مع العود واليراع. وحكى الأستاذ أبو منصور البغدادي الشافعي في مؤلفه في السماع أن عبد الله بن جعفر كان لا يرى بالغناء بأسا، ويصوغ الألحان لجواريه، ويسمعها منهن على أوتاره. وكان ذلك في زمن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه. وحكى الأستاذ المذكور مثل ذلك أيضا عن القاضي شريح وسعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح والزهري والشعبي". وقال إمام الحرمين في "النهاية" وابن أبي الدنيا: "نَقَل الأثباتُ من المؤرخين أن عبد الله بن الزبير كان له جَوَارٍ عوَّادات، وأن ابن عمر دخل إليه وإلى جنبه عود، فقال: ما هذا يا صاحب رسول الله؟ فناوله إياه، فتأمله ابن عمر فقال: هذا ميزان شامي؟ قال ابن الزبير: يوزن به العقول!". وروى الحافظ أبو محمد بن حزم في رسالة في السماع بسنده إلى ابن سيرين قال: "إن رجلا قدم المدينة بجَوارٍ، فنزل على ابن عمر، وفيهن جارية تضرب. فجاء رجل فساومه، فلم يَهْوَ فيهن شيئا. قال: انطلقْ إلى رجل هو أمثل لك بيعًا من هذا. قال: من هو؟ قال: عبد الله بن جعفر... فعرضهن عليه، فأمر جارية منهن فقال لها: خذي العود، فأخذته، فغنت، فبايعه ثم جاء إلى ابن عمر... إلخ القصة". وروى صاحب "العِقْد" العلامة الأديب أبو عمر الأندلسي أن عبد الله بن عمر دخل على ابن جعفر فوجد عنده جارية في حجرها عود، ثم قال لابن عمر: هل ترى بذلك بأسا؟ قال: لا بأس بهذا. وحكى الماوردي عن معاوية وعمرو بن العاص أنهما سمعا العود عند ابن جعفر. وروى أبو الفرج الأصبهاني أن حسان بن ثابت سمع من عزة الميلاء الغناء بالمِزْهَر بشعر من شعره. وذكر أبو العباس المبرّد نحو ذلك. والمزهر عند أهل اللغة: العود. وذكر الأدفوي أن عمر بن عبد العزيز كان يسمع جواريه قبل الخلافة. ونقل ابن السمعاني الترخيص عن طاووس، ونقله ابن قتيبة وصاحب "الإمتاع" عن قاضى المدينة سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن الزهري من التابعين. ونقله أبو يعلى الخليلي في "الإرشاد" عن عبد العزيز بن سملة الماجشون مفتى المدينة. هؤلاء جميعا قالوا بتحليل السماع مع آلة من الآلآت المعروفة، أي آلات موسيقى. وأما مجرد الغناء من غير آلة فقال الإدفوى في "الإمتاع": إن الغزالي في بعض تآليفه الفقهية نقل الاتفاق على حله، ونقل ابن طاهر إجماع الصحابة والتابعين عليه، ونقل التاج الفزاري وابن قتيبة إجماع أهل الحرمين عليه، ونقل ابن طاهر وابن قتيبة أيضا إجماع أهل المدينة عليه، وقال الماوردي: لم يزل أهل الحجاز يرخِّصون فيه في أفضل أيام السنة المأمور فيها بالعبادة والذكر. وقال ابن النحوي في "العمدة": وقد رُوِيَ الغناءُ وسماعُه عن جماعة من الصحابة والتابعين: فمن الصحابة عمر كما رواه ابن عبد البر وغيره، وعثمان كما نقله الماوردي وصاحب "البيان" والرافعي، وعبد الرحمن بن عوف كما رواه ابن أبي شيبة، وأبو عبيدة بن الجراح كما أخرجه البيهقي، وسعد بن أبي وقاص كما أخرجه بن قتيبة، وأبو مسعود الأنصاري كما أخرجه البيهقي، وبلال وعبد الله بن الأرقم وأسامة بن زيد كما أخرجه البيهقي أيضا، وحمزة كما في "الصحيح"، وابن عمر كما أخرجه ابن طاهر، والبراء بن مالك كما أخرجه أبو نعيم، وعبد الله بن جعفر كما رواه ابن عبد البر، وعبد الله بن الزبير كما نقل أبو طالب المكي، وحسان كما رواه أبو الفرج الأصبهاني، وعبد الله بن عمرو كما رواه الزبير بن بكار، وقرظة بن كعب كما رواه ابن قتيبة، وخَوّات بن جيبر ورباح المعترف كما أخرجه صاحب "الأغاني"، والمغيرة بن شعبة كما حكاه أبو طالب المكي، وعمرو بن العاص: حكاه الماوردي، وعائشة والرُّبيّع كما في "صحيح البخاري" وغيره. وأما التابعون فسعيد بن المسيب وسالم بن عبد الله بن عمر وابن حسان وخارجة بن زيد وشريح القاضي وسعيد بن جبير وعامر الشعبي وعبد الله بن أبي عتيق وعطاء بن أبي رباح ومحمد بن شهاب الزهري وعمر بن عبد العزيز وسعد بن إبراهيم الزهري. وأما تابعوهم فخَلْقٌ لا يُحْصَوْن منهم الأئمة الأربعة وابن عيينة وجمهور الشافعية". انتهى كلام ابن النحوي. هذا كله ذكره الشوكاني في "نيل الأوطار".

 

ولا ننسى أن نضيف إلى هذه الفتوى قيودا لا بد من مراعاتها في سماع الغناء: 1-فقد أشرنا في أول البحث إلى أنه ليس كل غناء مباحا، فلا بد أن يكون موضوعه متفقا مع أدب الإسلام وتعاليمه. فالأغنية التي تقول: "الدنيا سيجارة وكاس" مخالفة لتعاليم الإسلام، الذي يجعل الخمر رجسا من عمل الشيطان، ويلعن شارب "الكاس" وعاصرها وبائعها وحاملها وكل من أعان فيها بعمل. والتدخين أيضا آفة ليس وراءها إلا ضرر الجسم والنفس والمال. والأغاني التي تمدح الظلمة والطغاة والفسقة من الحكام الذين ابتليت بهم أمتنا مخالفة لتعاليم الإسلام، الذي يلعن الظالمين وكل من يعينهم بل من يسكت عليهم، فكيف بمن يمجدهم؟ والأغنية التي تمجد صاحب العيون الجريئة أو صاحبة العيون الجريئة أغنية تخالف أدب الإسلام، الذي ينادي كتابه: "قل للمؤمنين يَغُضّوا من أبصارهم... وقل للمؤمنات يَغْضُضْن من أبصارهن". ويقول صلى الله عليه وسلم: "يا عليّ، لا تُتْبِع النظرة النظرة، فإن لك الأولى، وليست لك الآخرة". 2-ثم إن طريقة الأداء لها أهميتها، فقد يكون الموضوع لا بأس به ولا غبار عليه، ولكن طريقة المغني أو المغنية في أدائه بالتكسر في القول وتعمد الإثارة والقصد إلى إيقاظ الغرائز الهاجعة وإغراء القلوب المريضة ينقل الأغنية من دائرة الإباحة إلى دائرة الحرمة أو الشبهة أو الكراهة من مثل ما يذاع على الناس ويطلبه المستمعون والمستمعات من الأغاني التي تلح على جانب واحد هو جانب الغريزة الجنسية وما يتصل بها من الحب والغرام وإشعالها بكل أساليب الإثارة والتهيج، وخصوصا لدى الشباب والشابات. إن القرآن يخاطب نساء النبي فيقول: "فلا تَخْضَعْن بالقول فيطمعَ الذي في قلبه مرض". فكيف إذا كان مع الخضوع في القول الوزن والنغم والتطريب والتأثير؟ 3-ومن ناحية ثالثة يجب ألا يقترن الغناء بشيء محرم كشرب الخمر أو التبرج أو الاختلاط الماجن بين الرجال والنساء بلا قيود ولا حدود. وهذا هو المألوف في مجالس الغناء والطرب من قديم، وهي الصورة الماثلة في الأذهان عندما يُذْكَر الغناء، وبخاصة غناء الجواري والنساء. وهذا ما يدل عليه الحديث الذي رواه ابن ماجة وغيره: "ليشربنّ ناس من أمتي الخمر، يسمونها بغير اسمها، يُعْزَف على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات، يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم القردة والخنازير". وأود أن أنبه هنا على قضية مهمة، وهي أن الاستماع إلى الغناء في الأزمنة الماضية كان يقتضي حضور مجلس الغناء ومخالطة المغنين والمغنيات وحواشيهم. وقلما كانت تسلم هذه المجالس من أشياء ينكرها الشرع ويكرهها الدين. أما اليوم فيستطيع المرء أن يستمع إلى الأغاني وهو بعيد عن أهلها ومجالسها. وهذا لا ريب عنصر مخفف في القضية، ويميل بها إلى جانب الإذن والتيسير. 4-هذا إلى أن الإنسان ليس عاطفة فحسب، والعاطفة ليست حبا فقط، والحب لا يختص بالمرأة وحدها، والمرأة ليست جسدا وشهوة لا غير. لهذا يجب أن نقلّل من هذا السيل الغامر من الأغاني العاطفية الغرامية وأن يكون لدينا من أغانينا وبرامجنا وحياتنا كلها توزيع عادل، وموازنة مقسطة بين الدين والدنيا، وفي الدنيا بين الحق الفرد وحقوق المجتمع، وفي الفرد بين عقله وعاطفته، وفي مجال العاطفة بين عواطف الإنسانية كلها من حب وكره وغيرة وحماسة وأبوة وأمومة وبنوة وأخوة وصداقة... إلخ، فلكل عاطفة حقها. أما الغلو والإسراف والمبالغة في إبراز عاطفة خاصة فذلك على حساب العواطف الأخرى، وعلى حساب عقل الفرد وروحه وإرادته، وعلى حساب المجتمع وخصائصه ومقوماته، وعلى حساب الدين ومثله وتوجيهاته. إن الدين حرّم الغُلُوّ والإسراف في كل شئ حتى في العبادة، فما بالك بالإسراف في اللهو وشغل الوقت به ولو كان مباحا؟ إن هذا دليل على فراغ العقل والقلب من الواجبات الكبيرة والأهداف العظيمة، ودليل على إهدار حقوق كثيرة كان يجب أن تأخذ حظها من وقت الإنسان المحدود وعمره القصير. وما أصدق وأعمق ما قال ابن المقفع: "ما رأيت إسرافا إلا وبجانبه حق مضيَّع"! وفي الحديث: "لا يكون العاقل ظاعنا إلا لثلاث: مَرَمَّة لمعاش، أو تزوُّد لمعاد، أو لذة في غير محرم". فلنقسم أوقاتنا بين هذه الثلاثة بالقسط، ولنعلم أن الله سائل كل إنسان عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه؟ 5-وبعد هذا الإيضاح تبقى أشياء يكون كل مستمع فيها فقيه نفسه ومفتيها. فإذا كان الغناء أو نوع خاص منه يستشير غريزته، ويغريه بالفتنة، ويسبح به في شطحات الخيال، ويطغى فيه الجانب الحيواني على الجانب الروحاني، فعليه أن يتجنبه حينئذ، ويسد الباب الذي تهب منه رياح الفتنة على قلبه ودينه وخلقه فيستريح ويريح.

 

ونختم بحثنا هذا بكلمة أخيرة نوجهها إلى السادة العلماء الذين يستخفّون بكلمة "حرام" ويطلقون لها العِنَان في فتاواهم إذا أَفْتَوْا، وفي بحوثهم إذا كتبوا: عليهم أن يراقبوا الله في قولهم ويعلموا أن هذه الكلمة: "حرام" كلمة خطيرة. إنها تعنى عقوبة الله على الفعل، وهذا أمر لا يُعْرَف بالتخمين ولا بموافقة المزاج، ولا بالأحاديث الضعيفة، ولا بمجرد النص عليه في كتاب قديم. إنما يعرف من نص ثابت صريح أو إجماع معتبر صحيح، وإلا فدائرة العفو والإباحة واسعة، ولهم في السلف الصالح أسوة حسنة. قال الإمام مالك رضي الله عنه: "ما شيءٌ أشدَّ علىّ من أن أُسْأَل عن مسألة من الحلال والحرام لأن هذا هو القطع في حكم الله. ولقد أدركت أهل العلم والفقه ببلدنا، وإن أحدهم إذا سُئِل عن مسألة كأن الموت أشرف عليه. ورأيت أهل زماننا هذا يشتهون الكلام في الفتيا، ولو وقفوا على ما يصيرون إليه غدا لقللوا من هذا. وإن عمر بن الخطاب وعليًّا وعامة خيار الصحابة كانت تَرِدُ عليهم المسائل، وهم خير القرون الذين بُعِث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم، فكانوا يجمعون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ويسألون، ثم حينئذ يفتون فيها. وأهل زماننا هذا قد صار فخرهم، فبقدر ذلك يُفْتَح لهم من العلم. قال: ولم يكن من أمر الناس ولا من مضى من سلفنا الذين يُقْتَدَى بهم ومُعَوَّل الإسلام عليهم أن يقولوا: هذا حلال، وهذا حرام، ولكن يقول: أنا أكره كذا، وأرى كذا. وأما "حلال" و"حرام" فهذا الافتراء على الله. أما سمعتَ قول الله تعالى: "قل أرأيتم ما أنزل اللهُ لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا؟ قل آللهُ أَذِنَ لكم أم على الله تفترون؟"؟ لأن الحلال ما حلله الله ورسوله، والحرام ما حرماه. وقال الله تعالى: ولا تقولوا لما تَصِفُ ألسنتُكم الكذبَ هذا حلالٌ وهذا حرامٌ لتفتروا على الله الكذب. إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون".

 

هذا فى الغناء، أما بالنسبة إلى التصوير فإلى القارئ أولا هذه الأحاديث النبوية المشرفة بشأنه وحكمه فى الإسلام: "لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة. قال بُسْر: فمرض زيد بن خالد، فعدناه، فإذا نحن في بيته بسِتْرٍ فيه تصاوير. فقلت لعبيد الله الخولاني: ألم يحدّثنا في التصاوير؟ قال: إنه قال: إلا رَقْمًا في ثوب. ألم تسمعه؟ قلت: لا. قال: بلى، قد ذكر ذلك".

 

"كنت عند ابن عباس إذ أتاه رجل فقال: إني إنسان إنما معيشتي من صنعة يدي، وإني أصنع هذه التصاوير. قال ابن عباس: لا أحدثك إلا ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: مَنْ صَوَّر صورةً فإن الله عز وجل يعذبه يوم القيامة حتى ينفخ فيها، وليس بنافخ فيها أبدا. قال: فرَبَا لها الرجل ربوةً شديدةً واصفرّ وجهه. قال: ويحك! إنْ أَبَيْتَ إلا أن تصنع فعليك بهذا الشجر وكل شيء ليس فيه روح".

 

"(عن صفية بنت شيبة:) رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بَلَّ ثوبا وهو في الكعبة، ثم جعل يضرب التصاوير التي فيها".

 

"أخبرني أبو طلحة رضي الله عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان قد شهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة". يريد صورة التماثيل التي فيها الأرواح".

 

"(عن جابر:) دخلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، وفي البيت (أو حول البيت) ثلاثمائة وستون صنما تُعْبَد من دون الله تعالى، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأُكِبَّتْ لوجهها، ثم قال: "جاء الحق، وزهق الباطل. إن الباطل كان زَهُوقا". ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت فصلى فيه ركعتين، فرأى فيه تمثال إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، وقد جعلوا في يد إبراهيم الأزلام يستقسم بها، فقال رسول الله: "قاتلهم الله! ما كان إبراهيم يستقسم بالأزلام". ثم دعا رسول الله بزعفران فلطخه بتلك التماثيل".

 

"أشد الناس عذابا يوم القيامة رجلٌ قتل نبيا أو قتله نبي، أو رجل يُضِلّ الناس بغير علم، أو مصور يصور التماثيل".

 

هذه بعض أحاديث نبوية فى التصوير يفهم من نصوصها أن هذا الفن لا موضع له فى الإسلام. لكن للشيخ محمد عبده مقالا هاما بعنون "الصور والتماثيل وفوائدها وحكمها" يناقش فيه التصوير والنحت والحكم الدينى فيهما مستندا إلى التحليل العقلى، ومحاولا التعرف إلى ما وراء النصوص الدينية من حكمة، جاء فيه: "إذا كنت تدرى السبب فى حفظ سلفك للشعر وضبطه فى دواوينه والمبالغة فى تحريره، خصوصا شعر الجاهلية وما عُنِىَ به الأوائل رحمهم الله بجمعه وترتيبه، أمكنك أن تعرف السبب فى محافظة القوم (يقصد الأوربيين) على هذه المصنوعات من الرسوم والتماثيل. إن الرسم ضَرْبٌ من الشعر الذي يُرَى ولا يُسْمَع، والشعر ضرب من الرسم الذي يُسْمَع ولا يُرَى. إن هذه الرسوم حفظت من أحوال الأشخاص في الشئون المختلفة ومن أحوال الجماعات في المواقع المتنوعة ما تستحق به أن تسمى: ديوان الهيئات والأحوال البشرية. يصورون الإنسان أو الحيوان فى حال الفرح والرضا، والطمأنينة والتسليم، وهذه المعانى المدرجة فى هذه الألفاظ متقاربة لا يسهل عليك تمييز بعضها من بعض، ولكنك تنظر فى رسوم مختلفة فتجد الفرق ظاهرا وباهرا. يصورونه مثلا فى حالة الجزع والفزع، والخوف والخشية. والجزع والفزع مختلفان فى المعنى، ولم أجمعهما هنا طمعا فى جميع عينين فى سطر واحد، بل لأنهما مختلفان حقيقة. ولكنك ربما تعتصر ذهنك لتحديد الفرق بينهما وبين الخوف والحشية، ولا يسهل عليك أن تعرف متى يكون الفزع، ومتى يكون الجزع، وما الهيئة التى يكون عليها الشخص فى هذه الحال أو تلك. أما إذا نظرت إلى الرسم، وهو ذلك الشعر الساكت، فإنك تجد الحقيقة بادرة لك تتمتع بها نفسك كما يتلذذ بالنظر فيها حِسُّك إذا نزعتْ نفسك إلى تحقيق الاستعارة المصرحة في قولك: "رأيت أسدا"، تريد رجلا شجاعا. فانظر إلى صورة أبي الهول بجانب الهرم الكبير تجد الأسد رجلا، أو الرجل أسدا. فحِفْظ هذه الآثار حِفْظٌ للعلم في الحقيقة، وشكرٌ لصاحب الصنعة على الإبداع فيها. إن كنت فهمت من هذا شيئا فذلك بغيتي، أما إذا لم تفهم فليس عندي وقت لتفهيمك بأطول من هذا، وعليك بأحد اللغويين أو الرسامين أو الشعراء المُفْلِقين ليوضح لك ما غمض عليك إذا كان ذلك من ذَرْعه.

 

ربما تعرض لك مسألة عند قراءة هذا الكلام، وهي: ما حكم هذه الصور في الشريعة الإسلامية إذا كان القصد منها ما ذُكِر من تصوير هيئات البشر في انفعالاتهم النفسية أو أوضاعهم الجسمانية؟ هل هذا حرام أو جائز أو مكروه أو مندوب أو واجب؟ فأقول لك إن الراسم قد رسم، والفائدة محققة لا نزاع فيها، ومعنى العبادة وتعظيم التمثال أو الصورة قد مُحِيَ من الأذهان. فإما أن تفهم الحكم من نفسك بعد ظهور الواقعة، وإما أن ترفع سؤالا إلى المفتي، وهو يجيبك مشافهة. فإذا أوردت عليه حديث "إن أشدالناس عذابا يوم القيامة المصورون" أو ما في معناه، فالذى يغلب على ظني أنه سيقول لك إن الحديث جاء في أيام الوثنية، وكانت الصور تُتَّخَذ في ذلك العهد لسببين: الأول اللهو، والثاني التبرك بمثال من تُرْسَم صورته من الصالحين. والأول مما يبغضه الدين، والثاني مما جاء الإسلام لمحوه. والمصور في الحالين شاغلٌ عن الله أو ممهدٌ للإشراك به. فإذا زال هذان العارضان وقُصِدَت الفائدة كان تصوير الأشخاص بمنزلة تصوير النبات والشجر في المصنوعات. وقد صُنِع ذلك في حواشي المصاحف وأوائل السور، ولم يمنعه أحد من العلماء مع أن الفائدة في نقش المصاحف موضع النزاع.

 

أما فائدة الصور فمما لا نزاع فيه على الوجه الذي ذُكِر. وأما إذا أردت أن ترتكب بعض السيئات في محل فيه صورٌ طمعًا في أن الملَكين الكاتبين أو كاتب السيئات على الأقل لا يدخل محلا فيه صُوَرٌ كما ورد، فإياك أن تظن أن ذلك ينجيك من إحصاء ما تفعل، فإن الله رقيب عليك وناظر إليك حتى في البيت الذى فيه صُوَر. ولا أظن أن الملَك يتأخر عن مرافقتك إذا تعمدت دخول البيت لأن فيه صورا! ولا يمكنك أن تجيب المفتي بأن الصورة على كل حال مظنة العبادة، فإني أظن أنه يقول لك إن لسانك أيضا فيه مظنة الكذب، فهل يجب ربطه مع أنه يجوز أن يصدق كما يجوز أن يكذب؟ وبالجملة إنه يغلب على ظني أن الشريعة الإسلامية أبعد من أن تحرّم وسيلة من أفضل وسائل العلم بعد تحقيق أنه لا خطر فيها على الدين: لا من جهة العقيدة، ولا من جهة العمل. على أن المسلمين لا يتساءلون إلا فيما تظهر فائدته ليحرموا أنفسهم منها، وإلا فما بالهم لا يتساءلون عن زيارة قبور الأولياء أو ما سماهم بعضهم بـ"الأولياء"، وهم ممن لا نعرف لهم سيرة ولا يطَّلع لهم أحد على سريرة، ولا يستفتون فيما يفعلون عندها من ضروب التوسل والضراعة، وما يعرضون عليها من الأموال والمتاع، وهم يخشَوْنها كخشية الله أو أشد، ويطلبون منها ما يخشَوْن ألا يجيبهم الله فيه، ويظنون أنهم أسرع إلى إجابتهم من عنايته سبحانه وتعالى؟ ولا شك أنهم لا يمكنهم الجمع بين هذه العقائد وعقيدة التوحيد، ولكن يمكنهم الجمع بين عقيدة التوحيد ورسم صورة الإنسان والحيوان لتحقيق المعاني العلمية وتمثيل الصور الذهنية" (الأعمال الكاملة للإمام الشيخ محمد عبده/ تحقيق د. محمد عمارة/ دار الشروق/ 1414هـ- 1993م/ 2/ 198- 200).

 

وقد تناول الشيخ الطاهر بن عاشور فى "التحرير والتنوير" هذه القضية فرأى، كما رأى الشيخ محمد عبده، أن التماثيل ليست معيبة فى ذاتها، بل لأن العرب كانت أمعن فى الشرك، فأراد الإسلام أن يجتثّه من أصله. إلا أنه لم يرتب على هذا التوجيه تجويزا لصنعها، بل قال بحرمتها رغم هذا. وإلى القارئ نص كلامه: "التمثال هو الصورة الممثلة، أي المجسمة مثل شيء من الأجسام. فكان النحاتون يعملون لسليمان صورا مختلفة كصور موهومة للملائكة وللحيوان مثل الأسود، فقد كان كرسي سليمان محفوفا بتماثيلِ أُسودٍ أربعة عشر كما وُصِف في الإِصحاح العاشر من سفر "الملوك الأول". وكان قد جَعَل في الهيكل جابيةً عظيمةً من نحاسٍ مصقولٍ مرفوعةً على اثنتي عشرة صورةَ ثورٍ من نحاس. ولم تكن التماثيل المجسمة محرَّمَة الاستعمال في الشرائع السابقة، وقد حرمها الإِسلام لأن الإِسلام أمعن في قطع دَابر الإِشراك لشدة تمكن الإِشراك من نفوس العرب وغيرهم. وكان معظم الأصنام تماثيل، فحرّم الإسلام اتخاذها لذلك. ولم يكن تحريمها لأجل اشتمالها على مفسدة في ذاتها، ولكنْ لكونها كانت ذريعة للإشراك. واتفق الفقهاء على تحريم اتخاذ ما له ظلّ من تماثيل ذوات الروح إذا كانت مستكملة الأعضاء التي لا يعيش ذو الروح بدونها، وعلى كراهة ما عدا ذلك مثل التماثيل المنصّفة، ومثل الصور التي على الجدران وعلى الأوراق والرقم في الثوب ولا ما يُجْلَس عليه ويُدَاس. وحُكْمُ صُنْعِها يتبع اتخاذَها. ووقعت الرخصة في اتخاذ صور تلعب بها البنات لفائدة اعتيادهن العمل بأمور البيت".

 

وللدكتور عبد الحليم محمود فتوى فى هذا الشأن قال فيها تحت عنوان "التصوير سواء كان رقما فى ثوب أم نقشا على الجدار، وسواء أكان رسما على ورق أم تماثيل مجسَّدة": "إن كل ما يحدث من ذلك مخلا بالآداب مثيرا للشهوة منافيا للفضيلة فهو حرام حرمةً لا شك فيها، وذلك مثل الأجساد العارية والصور الخليعة. وقد ابتُلِينا فى هذه الأيام بالكثير من ذلك، بل أصحبت الإعلانات عن الكباريهات عن طريق الصور العارية تنشر فى الصحف اليومية وغيرها، ولا تتورع صحيفة عن نشر هذه الإعلانات، ولا تكاد توجد صحيفة إلا وهى تتهالك على نشر ذلك طلبا للمال. وما من شك فى أن كل مال يؤدَّى فى ذلك فهو سُحْتٌ تمتنع عنه النفس الأبية والأخلاق الفاضلة. وأكثر من ذلك فإنه توجد مجلات متخصصة فى نشر الصور العارية المثيرة، وتمر هذه المجلات على الرقابة فلا تعيرها اهتماما وتصرّح بها وتصبح بين أيدى الشبان وطلبة الجامعات وطالباتها. ويكثر الفساد فى المجتمع نتيجة لهذا السوء الذى أصبح مألوفا، وكأن الله تعالى لم يحرمه، وكأن المجتمع لا دين له. ونعود فنقول: إن كل ذلك حرام، وفاعلوه ومبيحو نشره فى المجتمع ملعونون فى عُرْف الفضيلة ومن قِبَل الله سبحانه وتعالى.

 

ونوع آخر لا شك فى حرمته، وهو هذه الأصنام التى أخذت منذ فترة تنتشر شيئا فشيئا فى العالم الإسلامى. إنها الأصنام التى يقيمونها هنا وهناك تخليدا لذكرى شخص أو رمزا لفكرة معينة أو تعبيرا عن القوة والجمال. يقول الله تعالى: "وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آَزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آَلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ" (الأنعام/ 74). ويقول تعالى: "وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ" (إبراهيم/ 35- 36). ويقول تعالى: "وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاَّعِبِينَ * قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ * وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ * فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلاَّ كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ" (الأنبياء/ 51- 58). وحينما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة أخذ يحطم الأصنام دون استثناء، وهو يقول: "جاء الحقُّ وزَهَقَ الباطلُ. إن الباطل كان زَهُوقًا" (الإسراء/ 81). والتحريم، فيما يتعلق بهذه الأصنام، يقين لا شك فيه.

 

ومما يُذْكَر فى هذا الصدد ما ذكره القرآن الكريم عن بنى إسرائيل مبينا أن فكرتهم عن الإله سبحانه لم تكون فكرة مستنيرة، وإنما كانت فكرة ضالة. وقد صورها القرآن فى صورتين أبرع ما يكون التصوير الساخر الموجِّه المرشِد المعلِّم إحداهما هذه الصورة: لقد أنعم الله على بنى إسرائيل بنعمة النجاة، وما إن تمت النجاة حتى رَأَوْا قوما يعكفون على أصنام لهم. وعن ذلك يقول الله تعالى: "وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ" (يونس/ 138- 140). ويقول سبحانه: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ * قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آَبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ * قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ" (الشعراء/ 69- 70). أما الصورة الثانية فهى: "وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ * وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأَعْدَاءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ" (الأعراف/ 148- 152).

 

وقد يقول قائل إن علة تحريم الأصنام فى الإسلام أنها كانت تُعْبَد من دون الله، ولكن هذه العلة زالت فى العصر الحاضر، فلا يتأتى أن يصنع الإنسان صنما ويعبده فى عهد هذه الحضارة التى عمّت الشرق والغرب. ونحبّ، إجابةً على ذلك، أن نقول: إن الإسلام قد حرّم ذلك تحريما مطلقا لا يقيده زمان ولا مكان، وإن حكمة الله فوق كل حكمة، والمبادئ التى أوحاها الله سبحانه لا تنقضها أهواء البشر. ثم إنه فى هذه الحضارة التى عمت الشرق والغرب ما زالت البقر تُعْبَد أو تُقَدَّس، وما زالت تثير المعارك وتُسِيل دماء بنى البشر، دماء أهل وطن واحد. وفى هذه الحضارة الحديثة ما زالت الأصنام تعبد أو تقدس فى معابد لا تحصى من معابد الشرق الأقصى. وفى هذه الحضارة الحديثة ما زالت بعض الأديان فى أكبر الدول تحتفظ بطابع اللامعقول، طابع يتميز بأنه ضد العقل والمنطق والتفكير السليم. ويتغلغل هذا الطابع فى كثير من زواياها، ولكن الإلف والزمن والتكرار والتعود، كل ذلك جعل منها أديانا تستمر فى الماضى، وما زالت مستمرة فى الحاضر مع أنها خرافات وأساطير. وقد أعلن كبار مؤرِّخى الأديان عن الأساطير فيها والخرافة، ومع ذلك ما زالت مستمرة. وأمر الإنسان فى الحاضر أو فى الماضى غريب: إن الإلف يغرس فى شعوره أن المألوف صحيح، وأن ما عليه الآباء والأجداد من عقائدَ حقٌّ. بل إنه يفر ويهرب من التأمل والفحص إذا أداه ذلك إلى إنكار المألوف من العقائد، ويُسْكِت فى نفسه بالقهر صوتَ الإنكار أو النقد. وبقيتْ أساطير، واستمرتْ خرافات، ودام ضلالٌ دهورًا: "إنا وجدنا آباءنا على أُمّة..."

 

ونخلص من كل ذلك إلى القول بأمرين هما من البداهة بمكان: أن كل ما يتنافى مع الدين فى التصوير محرَّم. أن الأصنام، على أى وضع كانت: تمثيلا لشخص أو تمثيلا لفكرة، محرَّمةٌ. بقى بعد ذلك أهم جانب من الوجهة العلمية البحتة نحب أن نتحدث عنه، وذلك هو موضوع التصوير العادىّ الذى يستعمل الآن فى شمول عام: هذه الصور التى تستخدم فى البطاقات الشخصية، وفى جوازات السفر، والصور الخاصة بالذكريات، وصور الآباء للأبناء أو صور الأبناء للآباء. وأنا أتحدث الآن عن هذا الموضوع، وأنا أعلم أنه مثار نزاع حاد يبدأ شيئا فشيئا على توالى الأيام، ولكن هدفه لا يرجع إلى اقتناع المانعين، بل إلى طغيان الموجة وقصورهم عن مقاومتها. ونحن لا ننظر فى إعلان رأينا إلى وضع قائم أو إلى طغيان الموج أو العوج أو إلى حاجات فى المجتمع تقتضى التحليل، وإنما نرجع فى رأينا إلى الوثائق، وإلى آراء أسلافنا. وقد اختلفوا هم الآخرون اختلافا كثيرا محلّلين أو محرّمين.

 

ونحن نبدأ بحديث صحيح رواه الإمام البخارى فى صحيحه. قال: حدثنا قتيبة حدثنا الليث عن بكير بن بُسْر بن سعيد عن زيد بن خالد عن أبى طلحة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صُوَرٌ. قال بسر: ثم اشتكى زيد فعدناه، فإذا على بابه ستر فيه صورة. فقلت لعبيد الله الخولانى ربيب ميمونة زوج النبى صلى اله عليه وسلم: ألم يخبرنا زيد عن الصور يوم الأول؟ فقال عبيد الله: ألم تسمعه حين قال: إلا رَقْمًا فى ثوب؟". وقال ابن وهب: أخبرنا عمرو، وهو ابن الحارث، حدثه بكير، حدثه بسر، حدثه زيد، حدثه أبو طلحة عن النبى صلى الله عليه وسلم. هذا الحديث الشريف هو الأساس الذى يقوم عليه رأينا. ويقول الإمام النووى: وذهب بعض السلف إلى أن الممنوع ما كان له ظل، وأما ما لا ظل له فلا بأس باتخاذه مطلقا. ثم يعقب الإمام النوى على ذلك بقوله: "وهو مذهب باطل". ولكن الإمام ابن حجر صاحب "فتح البارى" يعقب على ذلك قائلا عن مذهب "بعض السلف" إن "المذهب المذكور نقله ابن أبى شيبة عن القاسم بسند صحيح، ولفظه: عن ابن عون قال: "دخلت على القاسم وهو بأعلى مكة فى بيته، فرأيت فى بيته حَجَلَة فيها تصاوير القندس والعنقاء". ففى إطلاق كونه مذهبا باطلا نَظَرٌ، إذ يحتمل أنه تمسك فى ذلك بعموم قوله: "إلا رقما فى ثوب"، فإنه أعم من أن يكون معلَّقا أو مفروشا، وكأنه جعل إنكار النبى صلى الله عليه وسلم على عائشة تعليق الستر المذكور مركَّبا من كونه مصوَّرا، ومن كونه ساترا للجدار. ويؤيده ما ورد فى بعض طرقه عند مسلم، فأخرج من طريق سعيد بن يسار عن زيد بن خالد الجهنى قال: "دخلت على عائشة..."، فذكر نحو حديث الباب، لكن قال: "فجذبه حتى هتكه وقال: إن الله لم يأمرنا بكسوة الحجارة والطين. قال: فقطعنا منه وسادتين... الحديث". فهذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كره ستر الجدار بالثوب المصوَّر، فلا يساويه الثوب الممتَهن ولو كانت فيه صورة، وكذلك الثوب الذى لا يُسْتَر به الجدار. والقاسم بن محمد أحد فقهاء المدينة، وكان من أفضل أهل زمانه، وهو الذى روى حديث النمرقة. فلولا أنه فهم الرخصة فى مثل الحَجَلَة ما استجاز استعمالها.

 

ويقول الإمام ابن حجر: وقد أخرج ابن أبى شيبة من طريق أيوب عن عكرمة، قال: كانوا يقولون فى التصاوير فى البُسُط والوسائد التى تُوطَأ: ذُلٌّ لها. ومن طريق عاصم عن عكرمة، قال: كانوا يكرهون ما نُصِب من التماثيل نصبا، ولا يرون بأسا بما وطئته الأقدام. وعن طريق ابن سيرين وسالم بن عبد الله وعكرمة بن خال وسعيد بن جبير قولهم إنهم قالوا: لا بأس بالصورة إذا كانت تُوطَأ. ومن طريق عروة أنه كان يتكئ على المرافق فيها تماثيل الطير والرجال. ويلخص الإمام أبو بكر بن العربى المذاهب فى التصوير فيقول: حاصل ما فى اتخاذ الصور أنها إن كانت ذات أجسادٍ حَرُمَ بالإجماع، وإن كانت رَقْمًا فى ثوب فأربعة أقوال: الأول، يجوز مطلقا على ظاهر قوله فى حديث الباب: "إلا رقما فى ثوب". الثانى، المنع مطلقا حتى الرَّقْم. الثالث، إن كانت الصورة باقية الهيئة قائمة الشكل حَرُمَ، وإن قُطِعَت الرأس جاز. قال: وهذا هو الأصح. الرابع، إن كان ما يُمْتَهَن جاز، وإن كان معلَّقًا لم يجز. ولقد حمل أبو على الفارسى لفظ "المصورين" فى الأحاديث التى تتحدث عن عذابهم على "المشبِّهة"، وقال: إنهم المراد بقوله: "المصورون"، أى الذين يعتقدون أن الله صورة كما يقول. ويقول أبو محمد الجوينى: إن نسج الصورة فى الثوب لا يمتنع لأنه قد يُلْبَس. وقال البعض: إن التصوير على الأرض ونحوها جائز.

 

وبعد، فإن الآراء فى هذا النوع من الفن لم تُجْمٍع على الحل ولا على التحريم. ونحن نميل إلى الحِلّ مستندين إلى الحديث الشريف ومتناسقين مع كل الآراء على الرغم من أن كثيرين يخالفوننا الرأى، وكل مجتهدٍ مخلصٍ مأجورٌ. ولقد كتبت مجلة "المسلم" نقلا عن كتاب "الإسلام والحضارة العربية" للأستاذ محمد كرد على ما يلى: أقر الرسول الكريم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم النقود التى كان يستخدمها العرب فى الجاهلية، وكانت تَرِدُ من الممالك المجاورة، وكانت مصوَّرة. وضرب عمرُ الدراهمَ نقش الكسروية وشكلها. وضرب معاوية دنانير عليها تمثالٌ متقلدٌ سيفا. واستعمل زيد بن خالد سترا فيه صور. وكانت المنسوجات اليمنية فيها تصاوير. وصُنِعَت الصور فى دَارَىْ مروان بن الحكم وسعيد بن العاص. وهكذا لم يحرّم الإسلام صناعة مفيدة فى كثير من العلوم والفنون" (د. عبد الحليم محمود/ 38- 49).

 

هذا ما قاله فضيلة الدكتور عبد الحليم محمود، الذى أقدره وأبجّله وأعتز به لأنه كان شيخا محترما للأزهر، وكانت شخصيته مهيبة جليلة. ولكنى أود أن أناقش قوله: "إنه فى هذه الحضارة التى عمت الشرق والغرب ما زالت البقر تُعْبَد أو تُقَدَّس، وما زالت تُثِير المعارك وتُسِيل دماء بنى البشر: دماء أهل وطن واحد. وفى هذه الحضارة الحديثة ما زالت الأصنام تُعْبَد أو تُقَدَّس فى معابد لا تحصى من معابد الشرق الأقصى. وفى هذه الحضارة الحديثة ما زالت بعض الأديان فى أكبر الدول تحتفظ بطابع اللامعقول، طابع يتميز بأنه ضد العقل والمنطق والتفكير السليم، ويتغلغل هذا الطابع فى كثير من زواياها، ولكن الإلف والزمن والتكرار والتعود، كل ذلك جعل منها أديانا تستمر فى الماضى، وما زالت مستمرة فى الحاضر مع أنها خرافات وأساطير. وقد أعلن كبار مؤرِّخى الأديان عن الأساطير فيها والخرافة، ومع ذلك ما زالت مستمرة. وأمر الإنسان فى الحاضر أو فى الماضى غريب: إن الإلف يغرس فى شعوره أن المألوف صحيح، وأن ما عليه الآباء والأجداد من عقائدَ حقٌّ. بل إنه يفرّ ويهرب من التأمل والفحص إذا أداه ذلك إلى إنكار المألوف من العقائد، ويُسْكِت فى نفسه بالقهر صوتَ الإنكار أو النقد. وبقيت أساطير، واستمرت خرافات، ودام ضلالٌ دهورًا: إنا وجدنا آباءنا على أُمّة...". والواقع أنه لا اعتراض عندى على ما قاله فضيلته رحمه الله عن عبادة الأبقار والأصنام والبشر فى بعض البلاد حتى الآن. إلا أننا لو جرينا دائما على مبدإ سَدّ الباب الذى يأتى منه الريح حتى نستريح لكان لزاما علينا أن نستأصل مثلا جنس الأبقار مثلا من الأرض ما دامت تشكل فتنة فى الهند. لكن أحدا لا يقول بهذا. ثم إننا لسنا مسؤولين عن الهند ولا عن غير الهند. لا بل إننا لا نملك أن نقول لهم أو لغيرهم: اقتلوا أبقاركم، أو تخلصوا ممن تعبدونهم من البشر حتى لا تفتتنوا بها ولا بهم. أم تراه، رحمه الله رحمة واسعة، سيقول إن حكم الأبقار والأصنام والبشر فى هذه الحالة مختلف؟ لكن على أى أساس؟ وعلى كلٍّ فالمسلمون لا يعبدون أبقارا ولا أصناما، بل تتمثل مشكلتهم فى الرهبة من حكامهم رهبة تجاوز حد المعقول. وفى بعض بلادهم قد ينفذون ما يقوله الحاكم ويهملون ما يقوله ربهم. فما العمل؟ إن المشكلة تكمن فى الضمير قبل كل شىء كما هو واضح. وفوق ذلك هناك مَلاَحِظُ علميةٌ وحضاريةٌ جِدُّ هامةٍ سوف نأتى عليها بعد قليل توجب أن نفكر فى أمر التماثيل بمقدار من التروى أكبر. فكنت أحب لو أن د. عبد الحليم محمود، الذى أُجِلّه كثيرا وأحبّه كثيرا رغم أنى لست من المغرمين كثيرا بكتاباته الصوفية، قد أخذها بعين الاعتبار.

 

وثَمَّ رأى للشيخ جاد الحق على جاد الحق فى ذات الموضوع يتضمنه كتابه: "بيان للناس" يقول فيه: "الذى تدل عليه الأحاديث النبوية الشريفة والتى رواها البخارى وغيره من أصحاب السُّنَن أن التصوير الضوئى للإنسان والحيوان المعروف الآن، وكذلك الرسم، لا بأس به متى كان لأغراض علمية مفيدة للإنسان". ثم يقول عن التماثيل: "إن هذه التماثيل كانت محرمة، وذلك سَدًّا لذريعة عبادتها واتخاذها وسيلة للتقرب إلى الله". ثم يستطرد إلى الكلام عن تماثيل الآثار القديمة قائلا: "إن هذه التماثيل والصور تسجيل لتاريخ هؤلاء الذين صنعوها، ودراسة تاريخهم تدفع إلى المزيد من التقدم العلمى والحضارى النافع. لهذا كان حتما الحفاظ على الآثار والأخذ منها ما يوافق قواعد الإسلام". وعن المتاحف يقول: "إذا كان التحفظ على الآثار هو الوسيلة الوحيدة لدراستها كانت إقامة المتاحف جائزة، إن لم تكن واجبة، لأنها ضرورة، وللضرورة حكمها كما جاء فى نصوص الشريعة. وتخريجا على ذلك كان الاحتفاظ بالآثار ضرورة من الضرورات الدراسية والتعليمية لا يحرّمها الإسلام لأنها لا تنافيه، بل إنها تخدم غرضا علميا وعقائديا حث عليه القرآن، فكان ذلك جائزا، إن لم يصل إلى مرتبة الواجب" (من كتاب "بيان للناس"/ الأزهر الشريف/ 1989م/ 2/ 166).

 

أما الدكتور القرضاوى فقد تناول هذه القضية على نحو أكثر تفصيلا فى كتابه: "الإسلام والفن" تحت عنوان "الرسم و التصوير والزخرفة"، وأورد معظم النصوص التى تتصل بالموضوع ولم ينطلق من الحجج العقلية كالشيخ محمد عبده، بل جعل النصوص تحت بصره طوال الوقت محافظا عليها كما هى فى ظاهرها. وهذا ما كتبه بشىء من التصرف: "عَرَضَ القرآن الكريم للتصوير على أنه عمل من أعمال الله تبارك وتعالى، الذي يبدع الصور الجميلة، وخصوصا صور الكائنات الحية، وفي مقدمتها الإنسان: "هوَ الَذِي يُصَوِّرُكمُ فِي الأَرْحَام كَيْفَ يَشَآء"، "وَصَوَّرَكمُ فَأَحْسَنَ صُوَرَكمُ"، "الَذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةِ مَا شَآءَ رَكَّبَك". وذكر القرآن أن من أسماء الله الحسنى اسم "المصوِّر" كما في قوله تعالى: "هوَ اللهُ الُخَالِقُ البَارِئُ الُمصَوِّر لَهُ الأَسْمَآء الحُسْنَى". كما عرض القرآن للتماثيل في موضعين: أحدهما في موضع الذم و الإنكار، وذلك على لسان الخليل إبراهيم عليه السلام حيث اتخذها قومه أصناما، أي آلهةً تُعْبَد، فأنكر عليهم ذلك قائلاً:‌ "مَا هَذِهِ التَمَاثِيل التِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونُ * قَالُوا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا لَهَا عَابِديِنَ". والثاني: ذكرها القرآن في معرض الامتنان و الإنعام على سليمان عليه السلام حيث سخر له الريح، وسخر له الجن يعملون بين يديه بإذن ربه: "يَعْمَلونَ لَه مَا يَشَآءُ مِن محَاريِبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانِ كَالْجَوَابِ وَقدورِ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا ءَالَ دَاوُدَ شُكْرًا".

 

أما السُّنّة فقد حفلت بأحاديث كثيرة صحيحة معظمها يذم التصوير و المصورين، وبعضها يشدد غاية التشدد في منع التصوير وتحريمه والوعيد عليه. كما ينكر اقتناء الصور أو تعليقها في البيت، ويعلن‌ أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة. والملائكة هم مظهر رحمة الله تعالى ورضاه وبركته، فإذا مُنِعَتْ من الدخول في بيت فمعناه أنه محروم من الرحمة والرضا والبركة. والمتأمل في معاني الأحاديث الواردة في التصوير أو اقتناء الصور وفي سياقاتها وملابساتها ويقارن بين بعضها وبعض يتبين له أن النهي والتحريم والوعيد في تلك الأحاديث لم يكن اعتباطا ولا تحكما، بل كان وراءه علل ومقاصد يهدف الشرع إلى رعايتها وتحقيقها.

 

أ-فبعض التصوير كان يقصد به تعظيم المصوَّر، وهذا التعظيم يتقاوت حتى يصل إلى درجة التقديس. بل العبادة وتاريخ الوثنيات يدل على أنها بدأت بالتصوير للتذكرة، وانتهت بالتقديس والعبادة. ذكر المفسرون، في قوله تعالى على لسان قوم نوح: "وَقَالواُ لا تَذَرُنَّ ءَالِهَتَكمُ وَلا تَذَرُنَ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَ نَسْرًا"، أن أسماء هذه الأصنام المذكورة كانت أسماء رجال صالحين، فلما ماتوا أوحى الشيطان إلى قومهم أنِ انْصُبُوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون إليها أنصابا، وسمُّوها بأسمائهم ففعلوا، فلم تُعْبَد. حتى إذا هلك أولئك ونُسِيَ العلم عُبِدَتْ. وعن عائشة قالت:‌ لما اشتكى النبي صلي الله عليه وآله وسلم ذكر بعض نسائه كنيسة يقال لها: مارية‌. وكانت أم سلمة وأم حبيبة أتتا أرض الحبشة، فذكرنا من حسنها وتصاوير فيها، فرفع رأسه فقال: أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بَنَوْا على قبره مسجدا، ثم صوروا فيه تلك الصور. أولئك شرار خلق الله.

 

ومن المعروف أن الصور والتماثيل أروج ما تكون في رحاب الوثنية، كما عُرِف ذلك عند قوم إبراهيم، وعند المصريين القدماء واليونان والرومان، وعند الهنود إلى اليوم وغيرهم. والنصرانية حينما تروَّمَتْ على يد قسطنطين إمبراطور الروم دخلها كثير مما كان عند الرومان من مظاهر الوثنية. ولعل بعض ما ورد من الوعيد الشديد على التصوير يُقْصَد به الذين ينحتون الآلهة المزعومة والمعبودات المتنوعة عند الأمم المختلفة، وذلك مثل حديث ابن مسعود مرفوعا: "إن أشد الناس عذابا عند الله: المصورون". قال النووي:‌ "قيل: هي محمولة على من فعل الصورة لتُعْبَد، وهو صانع الأصنام ونحوها. فهذا كافر، وهو أشد عذابا. و قيل: هي فيمن قصد المعنى الذي في الحديث من مضاهاة خلق الله تعالى، واعتقد ذلك. فهذا كافر له من أشد العذاب ما للكافر، ‌ويزيد عذابه بزيادة قبح كفره". وإنما ذكر النووي ذلك، وهو من أشد المشددين في تحريم التصوير واتخاذ الصور لأنه لا يُتَصَوَّر، بحسب مقاصد الشرع، أن يكون المصور العاديّ أشد عذابا من القاتل والزاني وشارب الخمر والمرابي وشاهد الزور وغيرهم من مرتكبي الكبائر و الموبقات. وقد روى مسروق حديث ابن مسعود المذكور بمناسبة دخوله هو وصاحب له بيتا فيه تماثيل، فقال مسروق: هذه تماثيل كسرى؟ قال صاحبه: هذه تماثيل مريم. فرَوَى مسروقٌ الحديثَ.

 

ب-وقريب من هذا اللون من التصوير ما كان يعبر عن شعائر دين معين غير دين الإسلام، وأبرز مثل لذلك الصليب عند النصارى. فما كان من الصور مشتملاً على الصليب فهو محرَّم بلا ريب، ويجب على المسلم نقضه و إزالته. وفي هذا روي البخاري عن عائشة أن النبي صلي الله عليه وآله وسلم لم يكن يترك في بيته شيئا فيه تصاليب إلا نقضه.

 

ج-مضاهاة خلق الله عز و جل بدعوى أنه يبدع ويخلق كما يخلق الله سبحانه. ويبدو أن هذا أمر يتعلق بقصد المصور ونيته، وإن كان هناك من يرى أن كل مصور مُضَاهٍ لخلق الله. وفي هذا جاء‌ حديث عائشة عن النبي صلي الله عليه و آله وسلم: "أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله". فهذا الوعيد الغليظ يوحي بأنهم يقصدون إلى مضاهاة خلق الله، وهو ما نقله الإمام النووي في شرح مسلم، إذ لا يقصد ذلك إلا كافر. ويدل عليه حديث أبي هريرة الصحيح، قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يقول: "‌قال الله تعالى: ومَنْ أَظْلَمُ ممن ذهب يخلق كخلقي؟ فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة". فقوله:‌ "ذهب يخلق كخلقي" يدل على القصد والتعمد. ولعل هذا هو سر التحدي الإلهي لهم يوم القيامة حيث يقال لهم: "أَحْيُوا ما خلقتم". وهو "أمر تعجيز" كما يقول الأصوليون.

 

د-أن تكون جزءا من أدوات الترف ومظاهره، وهذا ما يظهر من كراهية النبي صلي الله عليه وآله وسلم لبعض الصور في بيته، ‌فقد روت عائشة‌ أنه عليه الصلاة والسلام خرج في غزالة، قالت: فأخذتُ نمطًا (نوعًا من البُسُط اللطيفة أو الستائر) فسترته على الباب، فلما قدم رأى النمط، فجذبه حتى هتكه، ثم قال: "إن الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة‌ والطين". قالت: فقطعنا منه وسادتين وحشوتهما ليفا، فلم يَعِبْ ذلك عليَّ. والنص بهذه الصيغة: "إن الله لم يأمرنا" يقتضي أنه ليس بواجب و لا مندوب، فهو لا يدل على أكثر من الكراهة التنزيهية كما قال الإمام النووي.‌ ولكن بيت النبوة ‌ينبغي أن يكون أسوة ومثلاً للناس في الترفع على زخرف الدنيا وزينتها.

 

يؤكد هذا حديث عائشة الآخر. قالت: كان لنا ستر فيه تمثال طائر، و كان الداخل إذا دخل استقبله، فقال لي رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم:‌ "حَوِّلي هذا، ‌فإني كلما دخلت فرأيته ذكرت الدنيا". ومثله ما رواه القاسم بن محمد عنها رضي الله عنهما: أنه كان لها ثوب فيه تصاوير ممدود إلى سهوة، فكان النبي صلي الله عليه وآله وسلم يصلي إليه،‌ فقال: "أخِّريه عني". قالت: فأخرته فجعلته وسائد. وفي رواية‌ عند غير مسلم: "أخريه عني، فإن تصاويره تعرض لي في صلاتي". فهذا كله من زيادة الترفه والتنعم، وهو من وادي الكراهية لا من وادي التحريم. ولكن النووي قال: هذا محمول على أنه كان قبل تحريم اتخاذ ما فيه صورة. فلهذا كان يدخل ويراه ولا ينكره. ومعني هذا ‌أنه يرى الأحاديث التي ظاهرها التحريم ناسخة لهذا الحديث وما في معناه. ولكن النسخ لا يثبت بمجرد الاحتمال. فإثبات مثل هذا النسخ يستلزم أمرين: أولهما التحقق من تعارض النصين بحيث لا يمكن الجمع بينهما، مع أن الجمع ممكن بحمل أحاديث التحريم على قصد مضاهاة خلق الله، أو بقصرها على المجسَّم، أي ما له ظل. وثانيهما معرفة المتأخر من النصين. ولا دليل على أن التحريم هو المتأخر، بل الذي رآه الإمام الطحاوي في "مُشْكِل الآثار" هو العكس، فقد شدد الإسلام في شأن الصور في أول الأمر لقرب عهده بالوثنية، ثم رخص في المسطحات من الصور، أي ما كان رَقْمًا في ثوب ونحوه.

 

وقد رُوِيَ هذا الحديث عن عائشة بصيغة أخرى تدل على شدة الكراهية من النبي صلي الله عليه وآله وسلم. فعن عائشة أنها اشترت نمرقة (وسادة صغيرة) فيها تصاوير، فلما رآها رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم قام على الباب فلم يدخل، فعَرَفَتْ في وجهه الكراهية. قالت: فقلت: يا رسول الله، أتوب إلى الله وإلى رسوله. ما أذنبت؟ فقال: "ما بال هذه النمرقه؟". قلت: اشتريتها لك لتقعد عليها وتَوَسَّدَها. فقال رسول الله صلي الله عليه وآله و سلم: "إن أصحاب هذه الصور يعذَّبون يوم القيامة‌، ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم". وقال:‌ "إن البيت الذي فيه الصورة لا تدخله الملائكة".

 

في هذا الجو الذي كان يحيط بفن التصوير والصور في عصر النبوة وَرَدَ معظم الأحاديث المحرمة. ولا غرو أنْ شددت الأحاديث النبوية في هذا الأمر، و إن كان تشديدها في صنعة التصوير أكثر من تشديدها في اقتناء الصورة، فبعض ما يحرم تصويره يجوز اقتناؤه فيما يُمْتَهَن مثل البُسُط و الوسائد ونحوها مما يُبْتَذَل بالاستعمال كما رأينا في حديث عائشة. ومن أشد ما رُوِيَ في منع التصوير ما جاء‌ في الصحيحين عن ابن عباس مرفوعا: "كل مصور في النار. يجعل الله بكل صورة صورها نَفَسًا فيعذبه في جهنم". وفي رواية للبخاري عن سعيد بن أبي الحسن قال: "كنت عند ابن عباس، إذ جاءه رجل فقال: يا ابن عباس، إني رجل إنما معيشتي من صنعة يدي، ‌وإني أصنع هذه التصاوير. فقال ابن عباس: لا أحدثك إلا ما سمعت من رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم. سمعته يقول: "من صَوَّر صورة فإن الله معذبه حتى ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ فيها أبدا". فربا الرجل ربوه شديدة (أي انتفخ غيظا و ضيقا)، فقال: ويحك! إنْ أبيتَ إلا أن تصنع فعليك بهذا الشجر وكل شيء ليس فيه روح". وروى مسلم عن حبان بن حصين قال: "قال لي علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم؟ ألاّ تَدَعَ صورة إلا طمستَها، ولا قبرًا مُشْرِفًا إلا سَوَّيْتَه". وروى مسلم عن عائشة‌ أنها قالت:‌ "واعد رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم جبريل عليه السلام في ساعة يأتيه فيها، فجاءت تلك الساعة، ولم يأته، وفي يده عصا، فألقاها من يده، وقال: "ما يخلف اللهُ وعدَه ولا رسلُه!". ثم التفت فإذا جَرْوُ كلبٍ تحت سريره، فقال: "يا عائشة، متى دخل هذا الكلب ههنا؟". فقالت: والله ما دريت! فأمر به، فأُخْرِج. ‌فجاء جبريل، فقال رسول الله صلي الله عليه و آل و سلم: "واعَدْتَني، فجلستُ لك، فلم تأت!". فقال: منعني الكلب الذي كان في بيتك. إنا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة".

 

وبهذا نرى أن عدد الأحاديث التي وردت في شأن التصوير والصور ليس قليلاً كما زعم بعض من كتب في ذلك، فقد رواها جمع من الصحابة منهم ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وعائشة، وعلي، وأبو هريرة، وأبو طلحة، وكلها في الصحاح. وقد اختلف آراء الفقهاء في قضية التصوير في ضوء هذه الأحاديث، وكان من أشدهم في ذلك الإمام النووي، الذي حرم تصوير كل ما فيه روح من إنسان أو حيوان: مجسَّمًا (له ظل) أو غير مجسَّمٍ، ممتهَنًا أو غير ممتهن، ولكنه أجاز استعمال ما يُمْتَهَن، وإن كان تصويره حراما، كالمصوَّر في البُسُط و الوسائد ونحوها. ولكن بعض فقهاء‌ السلف قصر التحريم على المجسَّم (الذي له ظل)، وهو ما نطلق عليه عُرْفًا: "التماثيل"، فهي أوغل في مشابهة الوثنية، وهي التي يظهر فيها مضاهاة خلق الله، لأن خلق الله و تصويره مجسم: "هوَ الَّذِي يُصَوِّركمُ فِي الأَرُحَامَ كَيُفَ يَشَآء". وفي الحديث القدسي:‌ "ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي؟". وخَلْق الله تعالى مجسَّم، وهو الذي يمكن قبول نفخ الروح فيه، إذ المسطَّح ليس قابلاً لذلك، ولأنها أدخل في الترف والسَّرَف، ولا سيما ما كان من المعادن الثمينة. وهذا مذهب بعض السلف. وقد قال النووي:‌ "إن هذا مذهب باطل"، فتعقبه الحافظ ابن حجر بأنه مذهب القاسم بن محمد. ولعله أخذ بعموم قوله صلي الله عليه و آله وسلم: "إلا رَقْمًا في ثوب". وسنذكر نص هذا الحديث.

 

و القاسم بن محمد بن أبي بكر أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، ومن أفضل أهل زمانه، وابن أخي عائشة‌، وراوي حديث النمرقة عنها، ويحتج له بالحديث التالي: ففي الصحيح عن بُسْر بن سعيد زيد بن خالد الجهني عن أبي طلحة صاحب رسول الله صلي اله عليه و آله وسلم أنه قال: إن رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم قال: "إن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة". قال بُسْر: ثم اشتكى زيد بَعْدُ، فعدناه، فإذا على بابه ستر فيه صورة. قال: فقلت لعبيد الله الخولاني ربيب ميمونة زوج النبي صلي الله عليه و آل و سلم: ألم يخبرنا زيد عن الصور يوم الأول؟ فقال: ألم تسمعه حين قال: إلا رقما في ثوب"؟ وأكد ذلك ما رواه الترمذي أن سهل بن حنيف وافق أبا طلحة على هذا الاستثناء:‌ "إلا رَقْمًا في ثوب". وتأويل هذا بأن المراد به "ما كان لغير ذي روح" يعارضه حديث تمثال الطائر الذي كان في بيت عائشة وقول النبي لها: "حَوِّلي هذا، فإني كلما رأيته ذكرت الدنيا"، أو "فإن تصاويره تعرض لي في صلاتي".

 

فالأرجح قصر التحريم على المجسَّم، وأما صور اللوحات المسطَّحة على الورق أو الجدران أو الخشب ونحوها فأقصى ما فيها الكراهية التنزيهية كما ذكر الإمام الخطابي، إلا ما كان فيه غلو و إسراف‌ كالصور التي تباع بالملايين ونحوها. ويستثنى من المجسم المحرَّم لُعَب الأطفال من الدمى والعرائس والقطط والكلاب والقرود ونحوها مما يتلهى به الأطفال لأن مثله لا يظهر فيه قصد التعظيم، والأطفال يعبثون بها. ودليل ذلك حديث عائشة أنها كانت تلعب بالبنات (العرائس)، وأن صواحب لها كن يجئن إليها فيلعبن معها. وكان الرسول الكريم يُسَرُّ لمجيئهن إليها. ومثل ذلك التماثيلُ (العرائس) التي تصنع من الحلوى وتباع في بعض المناسبات، ثم لا تلبث أن تؤكل. كما يستثنى من الحظر التماثيل التي تشوه بقطع رأسها أو نحو ذلك منها كما جاء في الحديث أن جبريل قال للرسول صلي الله عليه وآله وسلم: "مُرْ برأس التمثال فلْيُقْطَع حتى يصير كهيئة الشجرة". وأما التماثيل النصفية التي تنصب في الميادين و نحوها للملوك والزعماء فلا يخرجها من دائرة‌ الحظر لأنها لا تزال تعظَّم. ونهج الإسلام في تخليد العظماء والأبطال يخالف نهج الغربيين، فهو يخلدهم بالذكر الحسن والسيرة الطيبة يتناقلها الخلف عن السلف ويتمثلونها ويأتسون بها. وبهذا خُلِّد الأنبياء والصحابة والأئمة والأبطال والربانيون،‌ فأحبتهم القلوب ودعت لهم الألسنة، وإن لم تُرْسَم لهم صورة‌ ولا نُصِب لهم تمثال. وكم من تماثيل قائمة لا يعرف الناس شيئا عن أصحابها كتمثال لاظوغلى في قلب القاهرة، وكم من تماثيل يمر الناس عليها فيلعنون أصحابها.

 

ومما لا خفاء فيه أن كل ما ورد في التصوير والصور إنما يعني الصور التي تُنْحَت أو تُرْسَم على حسب ما ذكرنا. أما الصور الشمسية، التي تؤخذ بآلة الفوتوغرافيا، فهي شيء‌ مستحدَث لم يكن في عصر الرسول ولا سلف المسلمين، فهل ينطبق عليه ما ورد في التصوير والمصورين؟ أما الذين يقصرون التحريم على التماثيل المجسمة فلا يَرَوْن شيئا في هذه الصور، وخصوصا إذا لم تكن كاملة‌. و أما على رأي الآخرين فهل تقاس هذه الصور الشمسية على تلك التي تبدعها ريشة الرسام؟ أم أن العلة‌ التي نصت عليها بعض الأحاديث في عذاب المصورين، وهي أنهم يضاهون خلق الله، لا تتحقق هنا في الصورة الفوتوغرافية، وحيث عدمت العلة عدم المعلول كما يقول الأصوليون؟ إن الواضح هنا ما أفتى به المغفور له الشيخ محمد بخيت مفتي مصر: "إن أخذ الصورة بالفوتوغرافيا، الذي هو عبارة عن حبس الظل بالوسائط المعلومة لأرباب هذه الصناعة، ليس من التصوير المنهي عنه في شيء لأن التصوير المنهي عنه هو إيجاد صورة وصنع صورة لم تكن موجودة ولا مصنوعة‌ من قبل يضاهي بها حيوانا خلقه الله تعالى، وليس هذا المعني موجودا في أخذ الصورة بتلك الآلة. يؤكد هذا تسمية أهل الخليج الصورةَ: عَكْسًا، والمصوِّرَ: عكّاسًا".

 

هذا، ومن المقرر أن لموضوع الصورة أثرا في الحكم بالحرمة أو غيرها. ولا يخالف مسلم في تحريم الصورة إذا كان موضوعها مخالفا لعقائد الإسلام أو شرائعه و آدابه، فتصوير النساء عاريات أو شبه عاريات،‌ وإبراز مواضع الأنوثة والفتنة منهن، ورسمهن أو تصويرهن في أوضاع مثيرة للشهوات موقظة للغرائز الدنيا، كما نرى ذلك واضحا في بعض المجلات والصحف و دور السينما، كل ذلك مما لا شك في حرمته، وحرمة‌ تصويره، وحرمة نشره على الناس،‌ وحرمة اقتنائه واتخاذه في البيت أو المكاتب والمحلات، وتعليقه على الجدران، وحرمة القصد إلى رؤيته ومشاهدته. ومثل هذا صور الكفار والظلمة والفساق، الذين يجب على المسلم أن يعاديهم في الله، فلا يحل لمسلم أن يصور أو يقتني صورة لزعيم ملحد ينكر وجود الله، أو وثني يشرك مع الله البقر أو النار أو غيرها، أو يهودي أو نصراني يجحد نبوة محمد صلى الله عليه و آله وسلم، أو مُدَّعٍ للإسلام وهو يحكم بغير ما أنزل الله، أو يشيع الفاحشة و الفساد في المجتمع. ومثل هذا الصُّوَرُ التي تعبر عن الوثنية أو شعائر بعض الأديان التي لا يرضاها الإسلام كالأصنام وما شابهها.

 

ومن المعلوم أن هناك بعض العلماء حاولوا أن يؤولوا الأحاديث الصحاح الواردة في تحريم التصوير واقتناء الصور ليقولوا بإباحة الصور كلها حتى المجسمة منها: مثل ما حكاه أبو علي الفارسي في "تفسيره" عمن حَمَل كلمة "المصورين" في الحديث على من جعل الله صورة‌،. يعني المجسِّمة والمشبِّهة، الذين شبهوا الله تعالى، الذى ليس كمثله شيء. ذكر هذا أبو علي فارسي في كتابه: "الحجّة". وهو تكلف واعتساف لا تساعده الألفاظ الثابتة في الأحاديث. ومثل من استند إلى ما أبيح لسليمان عليه السلام وذَكَره القرآن في سورة سبأ: "يَعُمَلونَ لَه مَا يَشَآء مِن مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيُلَ..."، ولم يقولوا بنسخه في شريعتنا. وهذا الرأي ذكره أبو جعفر النحاس، وحكاه بعده مكي في تفسيره: "الهداية إلى بلوغ النهاية". ومثل من حمل المنع على مجرد الكراهة وأن هذا التشديد كان في ذلك الزمان لقرب عهد الناس بعبادة الأوثان، وقد تغير الحال في العصور التالية. هذا مع أن الوثنية لا زال يدين بها آلاف الملايين. وهذا قاله بعضهم من قبل، ورد عليهم الإمام ابن دقيق العيد بأن "هذا القول باطل قطعا لأن هذا منافٍ للعلة التي ذكرها الشارع، وهي أنهم يضاهون أو يشبهون بخلق الله". قال: "وهذه علة عامة مستقيمة مناسبة لا تخص زمانا دون زمان. وليس لنا أن نتصرف في النصوص المتظاهرة المتضافرة‌ بمعنًى خياليٍّ".

 

و الثابت الواضح أن هذه الأقوال لم تقنع العقل المسلم، وبالتالي لم تؤثر في المجرى العام للحضارة الإسلامية والحياة الإسلامية‌، وإنْ عَمِل بها بعض الناس في بعض البلدان، كما رأينا في أسود قصر الحمراء بغرناطة في الأندلس، وبعض ما حكاه شمعدانٌ وُضِع للملك الكامل: كلما مضى من الليل ساعة انفتح باب منه، وخرج منه شخص في خدمة الملك... إلخ، وأن القرافي نفسه عمل شمعدانا زاد فيه أن الشمعة‌ يتغير لونها كل ساعة‌، وفيه أسد تتغير عيناه من السواد الشديد إلى البياض الشديد إلى الحمرة الشديدة، ويسقط حصانان من طائرين، ويدخل شخص، ويخرج شخص غيره، ويغلق باب ويفتح باب، في كل ساعة لها لون، وإذا طلع الفجر طلع الشخص على أعلى الشمعدان، وأصبعه في أذنه يشير إلى الأذان. قال القرافي: غير أني عجزت عن صنعة الكلام. وقريب من ذلك ما حكاه ابن جُبَيْر في رحلته عن وصف الساعة التي كانت بجامع دمشق، وفيها تمثال صقور... إلخ.

 

ولكن المؤكد أن المزاج العام للحضارة الإسلامية لم يرحب بصور الإنسان والحيوان، وخصوصا المجسمة منها، وغلب عليه التجريد اللائق بعقيدة التوحيد لا التجسيم اللائق بالوثنيات علي اختلاف درجاتها. ومن هنا اتجه الفن التشكيلي في حضارتنا إلى أمور أخري فيها إبداع، وترك فيها آثارا رائعة الجمال تجلت في الزخارف التي تفنن فيها عقل الفنان المسلم ويده وريشته. وتجلي ذلك في المساجد والمصاحف والقصور والمنازل وغيرها: علي الجدران والسقوف والأبواب والنوافذ، وعلي الأرضيات أحيانا، ‌وفي الأدوات المنزلية، وفي الأثاث والتحف والبُسُط والثياب والسيوف، واستخدمت المواد المختلفة من الحجارة والرخام والخشب والخزف والجلد والنحاس والمعادن المتنوعة. ودخل في الزخرفة الخط العربي بأنواعه المختلفة من الثلث والنسخ والرقعة والفارسي والديواني والكوفي وغيرها، وافتن الخطاطون في ذلك كل الافتنان، وخلفوا لنا لوحات في غاية الحسن والإبداع. وأكثر ما تجلي الفَنَّانِ: "الخط والزخرفة" في المصاحف والجوامع. أما الجوامع فلا زلنا نشهد منها آيات في الجمال كما في المسجد النبوي، ومسجد قبة الصخرة، والجامع الأموي بدمشق، وجامع السلطان أحمد والسليمانية بإستانبول، وجامع السلطان حسن وجامع محمد علي بالقاهرة، وغيرها وغيرها في أنحاء العالم الإسلامي.

 

وأبرز ما تجلي فيه الفن الإسلامي إنما كان في العمارة،‌ وقد قال مؤرخو الحضارة إن فن البناء أحسن معبر عن الفن الإسلامي. وقد ظهر ذلك في روائع كثيرة في أقطار عدة لعل أبرزها في الهند إحدى عجائب الدنيا المتمثلة في تلك الرائعة الهندسية الجمالية: تاج محل. وهكذا كان منع التصوير والنحت سببا لفتح أبواب أخري في عالم الفنون جعلت للعالم الإسلامي تميزه الخاص، ومثاليته المتفردة".

 

هذا ما قاله د. القرضاوى، ولعل السياق يتسع لى فأضيف بدورى شيئا قد يكون له بعض من الجدوى. لقد ورد فى كلام فضيلته أن "الملائكة هم مظهر رحمة الله تعالى ورضاه وبركته، فإذا مُنِعَتْ من الدخول في بيت فمعناه أنه محروم من الرحمة الرضا والبركة". وكان ينبغى أن يتحرز فضيلته هنا قليلا، إذ إن جبريل كان، طبقا لنص حديث الكلب الذى كان مختبئا تحت سرير الرسول، ممنوعا من دخول بيته صلى الله عليه وسلم، مما يُفْهَم منه أنه كان محروما طوال ذلك الوقت من الخير والبركة. فهل يليق أن نقول هذا؟ ثم هل كلمة "سرير" بالنسبة إلى الرسول تعنى سريرا كسريرنا الذى يعلو عادة عن الأرض بما يسمح بدخول كلب تحته؟ الذى أفهمه من كلمة "سرير" فى هذا السياق هو الفراش المبسوط على الأرض لا أكثر. فكيف يتسنى للكلب أن يدخل تحته؟ كذلك وردت فى كلام الأستاذ الدكتور الإشارة إلى أن "بعض فقهاء‌ السلف قصر التحريم على المجسَّم (الذي له ظل)، وهو ما نطلق عليه عُرْفًا: التماثيل، فهي أوغل في مشابهة الوثنية، وهي التي يظهر فيها مضاهاة خلق الله، لأن خلق الله وتصويره مجسم: "هوَ الَّذِي يُصَوِّركمُ فِي الأَرُحَامَ كَيُفَ يَشَآء". وفي الحديث القدسي:‌ "ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي؟". وخلق الله تعالى مجسَّم، وهو الذي يمكن قبول نفخ الروح فيه، إذ المسطَّح ليس قابلاً لذلك". وإنى لأتساءل: هل خلق الله وتصويره لا يكون فعلا إلا مجسما؟ فمَنْ خَلَقَ السطوح والمسطَّحات فى الدنيا إذن؟ الحق أنه ليس ثَمَّ خالق إلا الله سبحانه وتعالى، سواء كان هذا الخلق مجسما أو مسطحا. فكل شىء فى الكون: مجسما أو مسطحا هو من خلق الله لا خلق أى كائن آخر. أليس كذلك؟

 

كذلك أحب أن أقول كلمة عن مضاهاة خلق الله، إذ الفنانون إنما يضاهون دائما ما حولهم من الأشياء والأشخاص: كما هى، أو بعد إدخال شىء من التحوير عليها طبقا للمدرسة الفنية التى يتبعها كل منهم، فلم كانت مضاهاتهم للإنسان والحيوان بالذات هى العلة فى التحريم؟ أليست مضاهاتهم للنباتات أو الشجر أو الجبال أو السحاب أو البحر أو النهر هى كذلك مضاهاة لخلق الله؟ فلماذا لا يُعْتَرَض عليهم فى ذلك أيضا؟ بل ألا يضاهى الأدباء أيضا بأقلامهم خلق الله من حيوان وإنسان ونبات وجمادات حين يكتبون رواية أو مقالا مثلا فى وصف ما يريدون وصفه من بشر وغير بشر؟ ثم إن المصورين، حتى الكافرين منهم، لا يضعون فى اعتبارهم أبدا أنهم يخلقون كخلق الله. إنهم يعرفون أن كل ما يصنعون هو تصوير ما حولهم. ولا أعلم أحدا من المصورين قال شيئا آخر سوى هذا. الواقع أن الذين قد تدور فى أذهانهم مضاهاة خلق الله بخلق مثله ليسوا هم المصورين، بل الأطباء والعلماء، الذين سول الغرور لبعضهم فى وقتٍ من الأوقات الزعم بأنه لو توفرت لهم المواد التى خُلِق منها الإنسان وأُعْطُوا الوقت الكافى لاستطاعوا هم أيضا أن يخلقوا الإنسان، على أساس أن العملية لا تزيد على أن تكون تركيبة كيميائية تخلو من المعجزة، ولا تحتاج من ثم إلى إله. ثم إن فى مؤسسة الشُّرْطة فى كثير من البلاد المتقدمة قسما يصورون فيه، على السماع لا على المشاهدة، المجرمين الفارين من العدالة ممن لم يتمكن أحد من تصويرهم بالآلة الفوتوغرافية، إذ يُؤْتَى بجميع الشهود الذى رَأَوُا المجرم الهارب فيصفون ملامحه، ومن جُمّاع كلامهم يتم رسم صورة له تعلَّق فى الأماكن العامة كى يقبض الناس عليه أو يبلغوا السلطات بموضعه فتمسكه هى. فهل يعدّ الفقهاء هذا اللون من التصوير، وهو ليس تصويرا ظليا بل تصويرا باليد، حراما أيضا؟ ثم ماذا عن التماثيل فى عهد سليمان؟ هل كانت تخلو من فتنة الناس فى عقيدتهم؟ لكن لم؟ أهى تماثيل من نوع خاص؟ وإذا كانت التماثيل المنحوتة للمشاهير يمكن أن تفتن، فماذا عن تماثيل غير المشاهير؟ ثم لو تركنا التماثيل البشرية جانبا، هل يجوز نحت صور الأسماك والطيور والحيوانات مثلا؟ أو على الأقل: هل يصح نحت الجمادات والنباتات، التى ليس فيها روح؟

 

وفى عصرنا الحالى، كما يؤكد بحقٍّ د. أحمد شوقى الفنجرى، لا يخلو أى كتاب يدرَّس فى الكليات العملية من الرسوم التوضيحية لتبسيط المادة وشرحها للطلاب، وليس من المعقول ولا من الممكن طبعا أن يرفقوا كل كتاب بالأشياء والبشر المراد تصويرهم. ويشير الباحثون إلى أن المسلمين هم أول من قام بهذا فى التاريخ حينما ابتدعوا فن المنمنمات فى بعض كتبهم التى تحتوى على صور الإنسان والحيوان والطيور. كما يستعان بفن النحت فى العلميات التجميلية للوجوه التى شُوِّهت فى حادثة من الحوادث. وهناك الصور والتماثيل التى يستعان بها فى دراسة الطب لتطبيق المعلومات التشريحية أو تعليم الصغار، وبخاصة إذا كانت التماثيل خاصة بحيوانات بادت منذ وقت طويل أو لشخصيات تاريخية لا نعرف عنها شيئا من ناحية الملامح إلا من خلال هذه التماثيل. وكنت أظن إلى وقت قريب أن صور بعض علمائنا القدامى كابن سينا مثلا والرازى وابن الهيثم وابن النفيس هى صور اجتهادية من وحى الخيال إلى أن قرأت، عند د.الفنجرى، أنها صور دقيقة قامت على أساس علمى. وإلى جانب هذا فإن الشركات الصناعية تستعين بالتماثيل للوصول بمنتجاتها إلى أحسن وضع ممكن، كما فى صناعة السيارات والقطارات، إذ يضعون تمثالا من مادة بلاستيكية تشابه جسم الإنسان فى المتانة والاحتمال، ثم يضعونها فى السيارة أو القاطرة التى يطلقونها بسرعة معينة لتصطدم عمدا بأحد الحواجز كى يعرفوا المواضع التى تتعرض أكثر من سواها فى جسد الإنسان للكسر أو التلف، ومن ثم يراعون ذلك فى تصميم السيارة أو القطار توفيرا لأكبر قدر من السلامة والأمان للسائقين (انظر ما كتبه د. أحمد شوقى الفنجرى فى هذا الموضوع فى كتابه: "الإسلام والفنون"/ دار الأمين/ 1418هـ- 1998م/ 101- 108).

 

ويؤسفنا أن العلماء الكرام الذين تشددوا فى الأمر لم يتنبهوا إلى هذه الملاحظ فأَفْتَوْا فتاواهم دون أن يضعوا السياق الذى وردت فيه النصوص فى الاعتبار ولم يلحظوا ما فى صنع التماثيل أحيانا كثيرة من فوائد لا يمكن نكرانها أو الغض منها بحال، مع ملاحظة أننا لا نقول بإطلاق التصوير والنحت على مصراعيه، بل لا نقول به حتى فى مجال الأدب، فكيف بالتصوير، الذى يُرِى المشاهدَ الأمرَ عيانا بيانا؟ فمن الطبيعى أننا لا نوافق ولا يمكن أن يُتَصَوَّر أننا نوافق على اتخاذ الأصنام للعبادة. كما أننا لسنا ممن يَرَوْن إقامة تماثيل للحكام المسلمين القائمين فى الحكم، إن لم يكن من أجل شىء فمن أجل أنهم فى الغالب حكام مستبدون ساقوا البلاد إلى الضياع على ما هو معروف، وإن كانت الشعوب فى رأيى، وبخاصة ذوو الرأى والتأثير فيهم، تتحمل النصيب الأعظم من المسؤولية لأن البلاد بلادهم، والمصلحة مصلحتهم قبل أن تكون مصلحة الحكام، لكنهم سكتوا بل خنعوا للحكام الفاشلين، بل هتفوا لهم حتى بُحَّتْ منهم الحناجر، ومجّدوا القمع والغطرسة والاستبداد، فحقت عليهم كلمة الذل والتخلف والهوان. كذلك فنحن بكل قوة ضد التماثيل العارية التى تثير الشهوات مهما تكلف المتكلفون فى محاولة تزيين نحتها ونصبها فى المتاحف أو الميادين العامة أو حتى فى البيوت.

 

وبالمناسبة فإن المسلمين القدماء لم يلتزموا دائما بالامتناع عن رسم البشر والحيوان: لقد ظهرت صور بعض الخلفاء على قطع النقود. وثَمَّ أبسطة وسجاجيد خلَّفوها وراءهم منقوش عليها صور لرجال من الحاشية ومقاتلين ومغنيات وطيور... وتحتوى كثير من المخطوطات على صور توضيحية، كـ"مقامات الحريرى" مثلا، التى تحتوى إحدى مخطوطاتها على أربعين صورة لحكامٍ عرب وفرس وملكات وقادة ومشاهير. كما أن سقف قاعة الحكم فى الحمراء يشتمل على صور مختلفة منها مجلس بعض الأمراء ومطاردة أحد الفرسان المسلمين لنظير له إسبانى وغير ذلك. وهناك صور آدمية وحيوانية رسمها خطاطون مسلمون من خلال تشكيل العبارات المكتوبة تشكيلا معينا. وقد أعطى الفرس بالذات لأنفسهم حرية كبيرة نسبيا فى مجال تصوير الأحياء. أما بالنسبة للتماثيل فقد أقام بعض الخلفاء فى قصورهم تماثيل لنسائهم، كما نصب بعضٌ آخرُ تماثيلَ حيوانات وطيور كما فى الأسود المنصوبة حول نوافير بعض القصور التى أنشئت على نحو ينبثق معه الماء من أفواهها عائدا إلى النافورة من جديد (انظر، على سبيل المثال، كتاب جوستاف لوبون: "حضارةالعرب"/ ترجمة عادل زعيتر/ 507- 511). وقد سبق أن أشار د. يوسف القرضاوى إلى أن المسلمين لم يمتنعوا تماما عن النحت والتصوير اللذين يستقيان موضوعاتهما من عالم الإنسان والحيوان، وإن ظل ذلك فى نطاق محدود.

 

وعلى كل حال فها هى ذى أبرز النصوص التى تعرض فيها القرآن إلى تلك القضية: فقد تعرض لها فى موضع من مواضعه على سبيل الامتنان على سليمان حين ذكر أنه قد سخر له الجن تصنع له محاريبَ وتماثيلَ وجِفَانًا كالجوابى وقُدُورًا راسياتٍ. فلم ذكرها سبحانه وتعالى فى سياق الامتنان بالنعمة، وهى فى الإسلام حرام؟ أما قوله على لسان إبراهيم عليه السلام لأبيه وقومه فى الآية 52 من سورة "الأنبياء": "مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُون؟" فهو إنكار لعبادتهم إياها لا لصناعة التماثيل فى ذاتها. وفى ضوء هذا ينبغى أن نفهم معنى قوله تعالى: "وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ" (يونس/ 138- 140). فمن الواضح الذى لا يحتاج إلى أى شرح أن الأصنام هنا للعبادة، إذ اتخذها أصحابها "آلهة" بنص القرآن. ومثله قوله جل جلاله: "وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ * وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأَعْدَاءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ" (الأعراف/ 148- 152)، "فَأَخْرَجَ لَهُمْ (أى أخرج السامرىُّ لبنى إسرائيل) عِجْلاً جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ * أَفَلا يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا * وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي * قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى * قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي * قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي * قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ * قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي * قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا * إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا" (طه/ 88- 98).

 

ولقد يُسْتَحَبّ أن ننقل هنا كلام النحاس ومكى بن أبى طالب فى هذا الموضوع، وهو الكلام الذى أشار إليه د. القرضاوى، إذ قال النحاس عند تناوله للآية 13 من سورة "سبأ" فى كتابه: "إعراب القرآن": "قال قوم: عمل الصور جائز لهذه الآية ولِمَا أخبر الله عن المسيح. وقال قوم: قد صح النهى عن النبى صلى الله عليه وسلم عنها والتوعد لمن عملها أو اتخذها، فنسخ الله بها ما كان مباحا قبله. وكانت الحكمة فى ذلك لأنه بُعِث عليه السلام، والصور تُعْبَد، فكان الأصلح إزالتها". وفى تفسير مكى بن أبى طالب المسمى: "الهداية إلى بلوغ النهاية": "قال مجاهد: تماثيل من نحاس. وقال الضحاك: "تماثيل": تماثيل الصور. وهذا عند أكثر العلماء منسوخ بنهى النبى صلى الله عليه وسلم عن عمل الصورة وتوعُّده لمن عملها أو اتخذها. وكان فى ذلك صلاح الدين، إذ بعثه الله عز وجل، والصور تُعْبَد، فكان الأصلح إزالتها. وقد قال قوم: عمل الصور جائز بهذه الآية وبما صح عن المسيح عليه السلام". يقصد ما جاء فى القرآن من أنه كان عليه السلام يصنع من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله.

 

على أن هناك مسألة سبق أن لمستها لمسا سريعا قبل قليل، وأحب أن أعود إليها بشىء من التفصيل فى هذاالمقام، وهى العلاقة بين الفن (أو الجمال) والأخلاق. ذلك أن قولنا بأن فى الإسلام مكانا فسيحا للفنون شىء، والتصور الذى يظن أصحابه أن الفن عندنا ينبغى أن يكون مُعْفًى تماما من الكوابح كما هو الحال فى الدول الغربية شىء آخر. وفى هذا الصدد يوضح المرحوم مالك بن نبى وضع العلاقة بين الجمال والأخلاق قائلا: "إن هناك على الخصوص صلة بين المبدأ الأخلاقي وذوق الجمال تكون في الواقع علاقة عضوية ذات أهمية اجتماعية كبيرة، إذ إنها تحدد طابع الثقافة كله واتجاه الحضارة حينما تضع هذا الطابع الخاص على أسلوب الحياة في المجتمع وعلى سلوك الأفراد فيه. فالحياة في مجتمع معين قبل أن تتأثر بالفنون والصناعات، أي بالجانب المادي أو الاقتصادي من الحضارة، تتخذ لها اتجاها عاما ولونا شاملا يجعلان جميع تفاصيلها مرتبطة بالمبدإ الأخلاقي وبذوق الجمال الشائعين في هذا المجتمع. وبعبارة أدق إنها تكون مرتبطة بالعلاقة الخاصة القائمة بينهما. ونتيجة هذه العلاقة تأتي أولا في ترتيب خاص يقدم أو يؤخر المبدأ الأخلاقي على ذوق الجمال في "سلم" القيم الثقافية حتى يتكون نموذج معين من المجتمع بسبب هذا الترتيب. ويمكننا أن نصوغ هذه العلاقة في صورة جبرية هكذا: "مبدأ أخلاقي+ ذوق جمالي= اتجاه حضارة". وتُعَدّ إذن هذه المعادلةُ مقياسا عاما يدل على اتجاه الحضارة كما يدل ما يسميه علماء الرياضيات: الدال (Le discriminant) في المعادلات الجبرية من الدرجة الثانية.

 

كذلك شأن الحضارة: تتغير ميزاتها وتتجه بوجه خاص طبقا لعلاقة المبدإ الأخلاقي وذوق الجمال في المعادلة الحضارية، أي طبقا لترتيب هذين العنصرين في تلك المعادلة. وعليه فإنه يمكننا القول إن هناك، بصورة عامة، نموذجين من المجتمع: نموذجا يقوم فيه النشاط أساسا على الدوافع الجمالية، و نموذجا يقوم فيه النشاط على الدوافع الأخلاقية أوّلاً. وهذا الاختلاف الأساسي ليس مجرد اختلاف شكلي. إنه يؤدي إلى نتائج تاريخية ذات أهمية كبيرة. فالنموذجان اللذان يختلفان هكذا بسبب اختلافهما في ترتيب عناصر الثقافة لا يتطوران في اتجاه واحد. بل إنه في بعض الظروف تنشأ بينهما مناقضات جذرية حتى إن الأمر الذي لا يريد أحدهما، بل لا يمكنه أن يريد، تحقيقه بسبب أخلاقي نرى الآخر يحققه بسبب جمالي. ولنتخذ دليلا على هذا من حضارتين: 1-إن المجتمع الغربي قد مارس، من بين فنونه، فن التصوير و تصوير المرأة العارية بخاصة بسبب الدافع الجمالي، بينما لا نرى الفن الإسلامي قد خلف آثارا في التصوير كذلك الذي نشاهده في متاحف الحضارة الغربية لأن الرادع الأخلاقي في المجتمع الإسلامي لا يطلق العِنَان للفنان أن يعبر عن كل ألوان الجمال، وعلى وجه الخصوص المرأة العارية. 2-إن تطور الملابس في المجتمع الغربي قد انطلق من نقطة معينة هو إبراز جمال المرأة في الشارع بكل ما يمكن أن يوضح مظهره، بينما نجد أن تطور الملابس في المجتمع الإسلامي قد اتخذ اتجاها مخالفا تمام الاختلاف، إذ هو يهدف أساسا بوسائل "ملاية اللف" أن يخفي جمال المرأة في الشارع.

 

وليس الأمر في هذين الاتجاهين أمر تفكير واختيار، و إنما هو أمر تقليد يخضع للوراثة الاجتماعية وللعادات والتقاليد. وليس يعني أن الثقافة الإسلامية تفقد عنصر الجمال، وإنما تضعه في مكان آخر في سُلَّم القيم. فكل ثقافة تتضمن عنصر "الجمال" وعنصر "الحقيقة"، غير أن عبقرية إحداهما تجعل محورها الجمال، بينما الأخرى تفضل أن يكون محورها الحقيقة. والاختلاف هذا يعود إلى الأصول البعيدة: فالثقافة الغربية قد ورثت ذوق الجمال من التراث اليوناني الروماني، أما الثقافة الإسلامية فقد ورثت الشغف بـ"الحقيقة" من بين ميزات الفكر السامي. فكان رواد الأولى وحملة لوائها زعماء الفن من فيدياس (Phidias) إلى مخائيل أنجلو (Michel Angelo)، بينما قادة الأخرى أنبياء مثل إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام. ومن هنا لم يكن من محض الصدفة أو من لغو الحديث أن مؤرخي النهضة الأوربية يحددونها بأنها "رجوع إلى الحضارة الرومانية اليونانية".

 

ولقد كان لهذا الاختلاف في الأصول البعيدة للحضارتين أثر فيما ينتجه الفكر في كل واحدة منهما: فالعبقرية الأوروبية أنتجت مناهج أدبية كتبت على رايتها خلال القرون أسماء لامعة منذ أسشيل (Aschyle) وسوفوكل (Sophocle) إلى راسين وبلزاك ودستويفسكى حتى برنارد شو. غير أن هذه العبقرية بعيدة عن وحي التوراة والإنجيل والفرقان. وعلى العكس من ذلك فإن الأدب العربي، والأدب الإسلامي بصفة عامة، لم ينتج التراجيديا ولا القصة، بل لم يحاول أن ينتجهما إلا في القرن العشرين، و في صورة تدعو أحيانا للأسف. وعليه فإن كل ثقافة تتضمن علاقة "مبدأ أخلاقي- ذوق جمالي" تكون ذات دلالة من نوع عبقرية مجتمع معين. وهي ليست تطبع إنتاجه الأدبي بطابع خاص فحسب، وإنما تحدد اتجاهه في التاريخ أيضا".

 

وهذا كلام طيب إلى حد بعيد. وإذا كان هناك من ينكر الاعتراض من هذا الوجه على الفنون والآداب فاعتراضه خاطئ من أساسه، إذ لا يُعْقَل أن يبنى الدينُ المجتمعَ الصالحَ بيدٍ ليستدير فيهدم باليد الأخرى ما كان قد بناه. لقد جاء الإسلام لتصحيح العقيدة وتتميم مكارم الأخلاق، فيكف يُتَصَوَّر أنه يمكن أن يقف صامتا إزاء أى عمل يهدد العقيدة أو يضرب الأخلاق فى الصميم؟ إن هذا هو ما يسمونه: "انفصام الشخصية"، ودين الله أَقْوَمُ وأَطْهَرُ من أن يُظَنّ به ظنُّ السَّوْء. لكننى أود أن أبين أن الإسلام، حينما يرى أن القيمة العقيدية أو الخلقية يجب أن تظل نصب عين الفنان، فهو لا يدعو إلى التحامل على "الجميل"، وإلا لرأيناه يعمل على تشويه "الجميل" وإظهاره فى صورة قبيحة، وهو ما لم يحدث قط، بل هو يعمل دائما على الموازنة بين "الجميل" وبين "الأخلاقى" من خلال إبراز "الجميل" فى صورة كريمة، أى الحفاظ على الجانبين معا. أما الحضارة الغربية فإنها، حسب هذا التحليل، هى التى تغلِّب "الجميل" (أو بالأحرى: تغلّب "المثير للشهوة") على "الأخلاقى". ذلك أن ما يعمل الإسلام على ستره فى هذا السياق ليس هو الجميل، بل المثير للشهوة الجنسية. كذلك ليس شرطا إلزام الأديب أو الفنان بالدعوة إلى القيم الدينية والأخلاقية، بَلْهَ أن يكون الدعاء إليها فِجًّا لا فن فيه ولا إبداع، بل يكفيه ألا يصادمها.

 

كذلك فقول بن نبى إن الأديب المسلم لم يستطع أن يبدع المسرحية والقصة إلا فى القرن العشرين، وفى صورة تدعو للأسف، هو قول لا أستطيع أن أشاطره إياه فيما يخص القصة، إذ عُرِف الفن القصصى فى أدبنا العربى وغيره من الآداب الإسلامية منذ أزمان طويلة. والواقع أنه لم يحدث أنْ خلا أى أدب من هذا الفن يوما، إذ الفن القصصى يجرى فى عروق البشر، ولا علاقة له بنوع الحضارة، بل هو شىء إنسانى لا يقتصر على قوم دون غيرهم من الأقوام. ففى التراث الأدبى الذى خلّفه لنا أسلافنا قَصَصٌ كثير منه الدينى، ومنه السياسى، ومنه الاجتماعى، ومنه الفلسفى، ومنه الوعظى، ومنه الأدبى، ومنه ما وُضِع للتسلية ليس إلا. ومنه الواقعى، ومنه الرمزى. ومنه المسجوع المجنَّس، ومنه المترسِّل. ومنه المحتفَى بلغته، والبسيط المنساب. ومنه الطويل مثل "رسالة النمر والثعلب" لسهل بن هارون (ت215هـ)، و"رسالة التوابع والزوابع" لابن شُهَيْد (382- 426هـ)، و"رسالة الغفران" و"رسالة الصاهل والشاحج" للمعرى (363- 449هـ)، و"سلامان وأبسال" و"رسالة الطير" لابن سينا (370- 427هـ)، و"رسالة حَىّ بن يقظان" لكل من ابن سينا وابن الطُفَيْل (ت581هـ) والسهروَرْدِىّ (549- 587هـ)، وقصص "ألف ليلة وليلة، و"سيرة عنترة"، و"سيرة سيف بن ذى يزن"، ومنه القصير كالحكايات التى تَغَصّ بها كتب الأدب والتاريخ المختلفة وجَمَعَ طائفةً كبيرةً منها محمد أبو الفضل إبراهيم وعلى محمد البجاوى ومحمد أحمد جاد المولى فى أربعة مجلدات كبار، و"كليلة ودمنة" لابن المقفع (ت146هـ)، و"البخلاء" للجاحظ (163- 255هـ)، و"الفرج بعد الشدة"، و"نشوار المحاضرة" للقاضى التنوخى (327- 384هـ)، و"المقامات"، و"عرائس المجالس" للثعالبى (350- 429هـ)، و"مصارع العشاق" للسراج القارى (417- 500هـ)، و"سلوان المطاع فى عدوان الأتباع" لابن ظَفَر الصِّقِلّىّ (ت565هـ)، و"المكافأة" لابن الداية (ت340هـ)، و"غُرَر الخصائص الواضحة وعُرَر النقائض الفاضحة" للوطواط (632- 719هـ)، و"المستطرَف من كل فنٍّ مستظرَف" للأبشيهى (790- 852هـ)، و"عجائب المقدور فى أخبار تيمور" و"فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء" لابن عربشاه (791- 854هـ)، وبعض قصص "ألف ليلة وليلة" أيضا، وما ذكره ابن النديم فى "الفهرست" من كتب الأسمار الخرافية التى تُرْجِمَتْ عن الفارسية والهندية واليونانية، أو رُوِيَتْ عن ملوك بابل، أو أُلِّفَتْ بالعربية، فكانت حوالى مائة وأربعين كتابا: المؤلَّف منها بلسان العرب فقط نحو ثمانين كتابا كلها فى أخبار العشاق فى الجاهلية والإسلام، ودعنا مما أُلِّفَ بعد ذلك... ومنه النثرىّ كالأمثلة السابقة، والشِّعْرِىّ كشعر الشَّنْفَرَى عن لقائه بالغول، وقصيدة الحُطَيْئة: "وطاوِى ثلاثٍ عاصبِ البطن مُرْمِلٍ"، وكثير من قصائد عمر بن أبى ربيعة، وأبيات الفرزدق عن الذئب، ورائية بشار، ومغامرات أبى نواس الخمرية، وقصيدة المتنبى عن مصارعة بدر بن عمار للأسد... وهلم جرا.

 

على أن ليس معنى ذكر الكتب والمؤلفات فى هذا السياق أن الفن القصصى لم يُعْرَف عند العرب إلا فى عصر التدوين بعد أن انتشر نور الإسلام وتخلص العرب من الأمية وأصبحوا أمة كاتبة قارئة مثقفة كأحسن ما تكون الأمم ثقافة وتحضرا، بل كان هذا الفن معروفا قبل ذلك فى الجاهلية. وهذا الحكم يستند أولا إلى أن حب القصص نزعة فطرية لا يمكن أن يخلو منها إنسان، فضلا عن مجتمع كامل كالمجتمع العربى قبل الإسلام. وفى الفقرة التالية يؤكد كاتب مادة "Storytelling" فى "الويكيبيديا" عن حقٍّ أن جميع المجتمعات البشرية، قديما وحديثا، قد عرفت رواية القصص. وهذه هى عبارته نصا: "People in all times and places have told stories". وثانيا إلى أن لدينا قصصا كثيرا تدور وقائعه فى الجاهلية وينتسب أبطاله إليها. وقد اقتصر دور الكتاب الأمويين والعباسيين على تسجيل ذلك القصص، وقد يكونون تدخلوا بأسلوبهم فى صياغته، وهذا أبعد ما يمكن أن تكون أقلامهم قد وصلت إليه. ومن الواضح أن هذا القصص يصوّر المجتمع العربى قبل الإسلام تصويرا لا يستطيعه إلا أصحابه.

 

وثمة خبر أورده المسعودى فى "مروج الذهب" عن معاوية يدل على أنه كان هناك منذ خلافته على الأقل تدوينٌ كتابىٌّ لما كان الجاهليون يروونه من قصص وحكايات وأسمار، وأن هذا التدوين من ثَمَّ لم ينتظر حتى مجىء العصر العباسى. وهذا هو النص المذكور، وقد ورد فى سياق كلام المسعودى عن المنهج الذى كان معاوية يتبعه فى إنفاق ساعات يومه نهارا وليلا، وهو خاص بسماع العاهل الأموى أخبار العرب وأيامها فى الجاهلية: "ويستمر إلى ثلث الليل في أخبار العرب وأيامها والعجم وملوكها وسياستها لرعيتها وسِيَر ملوك الأمم وحروبها ومكايدها وسياستها لرعيتها، وغير ذلك من أخبار الأمم السالفة، ثم تأتيه الطُّرَفُ الغريبة من عند نسائه من الحلوى وغيرها من المآكل اللطيفة، ثم يدخل فينام ثلث الليل، ثم يقوم فيقعد فيحضر الدفاتر فيها سير الملوك وأخبارها والحروب والمكايد، فيقرأ ذلك عليه غلمان له مرتَّبون، وقد وُكِّلوا بحفظها وقراءتها، فتمرّ بسَمْعه كلَّ ليلة جُمَلٌ من الأخبار والسير والآثار وأنواع السياسات، ثم يخرج فيصلي الصبح، ثم يعود فيفعل ما وصفنا في كل يوم". ولدينا أيضا كتاب "أخبار عَبِيد بن شَرِيّة الجُرْهُمِيّ في أخبار اليمن وأشعارها وأنسابها"، الذى سجل فيه مؤلفه ما كان يقع بينه وبين معاوية بن أبى سفيان من حوارات تاريخية، وكان معاوية قد استقدمه ليستمع منه إلى أخبار ملوك اليمن. ويذكر ابن النديم أن عَبِيدًا وَفَد على معاوية فسأله العاهل الأموى عن الأخبار المتقدمة وملوك العرب والعجم وسبب تبلبل الألسنة وأَمْر افتراق الناس في البلاد، وكان قد استحضره من صنعاء اليمن، فأجابه إلى ما سأل، فأمر معاوية أن يُدَوَّن ذلك ويُنْسَب إلى عبيد. وهو الكتاب الذى يؤكد المسعودى أن صاحبه هو الوحيد الذى صح وفوده على معاوية من رواة أخبار الجاهلية.

 

واللافت للنظر أن الأغلبية من كتّاب القصة ونقادها فى بدايات العصر الحديث بأرض الكنانة مثلا لم ينظروا إلى القصة على أنها شىء جديد، بل على أنها امتداد للقصص العربى القديم، إن لم تكن هى هو. وهذا واضح مما كتبه رفاعة الطهطاوى فى مقدمة ترجمته لرواية فنلون التى عنونها بــ"مواقع الأفلاك فى وقائع تليماك"، إذ قال إنها موضوعة على هيئة مقامات الحريرى فى صورة مقالات. كما يقارن عبد الله النديم، فى مقال له بمجلة "الأستاذ" بتاريخ 10 يناير 1893م، الأسلوب الذى كُتِبَتْ به رواية سعيد البستانى: "ذات الخدر" بأسلوب السِّيَر الشعبية ويدافع عنها على هذا الأساس. كذلك كان حافظ إبراهيم، حين ترجم رواية هوجو: "البؤساء"، ينظر إلى عمله على أنه امتداد لما كان العرب يعملونه فى العصر العباسى من نقل القصص الأجنبى القديم إلى لسانهم. وهذا الكلام متاح لمن يطلبه فى مقدمة الترجمة المذكورة. وهو نفسه ما قاله تقريبا جرجى زيدان فى الجزء الرابع من كتابه: "تاريخ آداب اللغة العربية"، وإن أضاف أن القصص العصرى ينحو نحو الواقعية التى تلائم روح العصر.

 

أما الاعتراض بأن شكل القصة العربية القديمة يختلف عنه فى القَصَص الحديث فليس بشىء لأن الفن القصصى تتغير أشكاله مع الزمن، والقصص الغربى نفسه فى بدايته يختلف عنه الآن من هذه الناحية اختلافا شديدا، وليس هذا بمسوغ عند أحد للقول بأن الغرب لم يكن يعرف القصة من قبل. بل إن عددا كبيرا مما تركه العرب من قَصَص ليصمد لمحكّ الشكل الفنى الحديث رغم أن هذا ليس بشرط أبدا، فلكل زمان ولكل مكان دولة ورجال، وكثير من النقاد العرب الكبار فى عصرنا قد أثبتوا هذا وأطالوا القول فيه. والمهم أن يتألف العمل القصصى من أحداث تقع فى زمان ومكان معينين وشخصيات وحوار وسرد وموضوع تدور عليه القصة وشكل فنى محكم يتكون من بداية وعقدة ونهاية. أما التفصيلات فتختلف من زمن إلى زمن، ومن أمة إلى أمة، تبعا للتطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والذوقية، وما إلى ذلك. وما يعجبنا اليوم ربما لا يعجب أبناءنا وأحفادنا غدا، مثلما لا يعجبنا بعض ما خلفه لنا أسلافنا. وهل تجرى الحياة على وتيرة واحدة؟ إن هذا لهو المستحيل بعينه، فلماذا يشذ الفن القصصى عن هذه السُّنّة وتكون القصة الغربية فى العصر الحديث هى "القصة" بـ"أل" الماهية، وما سواها ليس بقصة؟ وإذا كنا قد ترجمنا ولا نزال نترجم الأعمال القصصية التى يبدعها الغربيون فقد ترجموا هم بدورهم كثيرا من الأعمال القصصية التى أبدعها أجدادنا وتأثروا بها مثلما تأثرنا نحن بهم. ترجموها إلى اللغات الأوربية المختلفة، وكثيرا ما ترجموا هذا العمل أو ذاك إلى اللغة الواحدة عدة مرات. وهى سنة كونية لا تتخلف أبدا: كل أمة تأخذ من غيرها وتعطيها.

 

الحضارة الإسلامية فى عز مجدها

 

لمحة طائر

 

تبدأ الحضارة الإسلامية مع بداية الإسلام عام 622م. ذلك أن النبي وضع أسس دولة حضارية متينة مستمدة من روح القرآن الكريم وتعاليمه. ومع الدعوة الجديدة اتجه الناس نحو عبادة الإله الواحد، والانتظام في قوانين ودساتير مدنية نظمها القرآن الكريم. فبدأ العرب ينضوون تحت لواء الإسلام، وينتظمون فيما أخذ يشكل دولة حقيقية. وفى تلك الرقعة الشاسعة التى بلغ بها الإسلام أقصى أنحاء العالم ترسخت أسس حضارة إسلامية في عقل الإنسان الفرد وقلبه، وفي ضمير الجماعة.

 

ومن أبرز الأسس التي قامت عليها الحضارة الإسلامية في العهد النبوي عقيدة التوحيد. وترتَّب على هذا التوحيد آثار إيجابية في بناء المسلمين لأن الناس عندما تُقْبِل على الخضوع لله وحده تُحِلّ الحلال وتُحَرِّم الحرام وتجاهد في سبيل الله لإرساء قيم الحق والعدل والمساواة والكرامة والعلم النافع. ويخبرنا التاريخ الإسلامي أن العقيدة الإسلامية هي التي أفرزت بطولات نادرة، وجعلت المسلمين ينتصرون على شهواتهم، ثم يصمدون أمام قوى البغي والعدوان في مكة، وينتصرون في الغزوات والسرايا التي انطلقت من المدينة المنَّورة. ومن يتابع أبحاث المستشرقين المنصفين يلحظ أنهم يقفون مندهشين أمام هذه الظاهرة العجيبة في الحضارة الإسلامية.

 

ومن هذه الأسس أيضا وحدة الأمَّة ورَفْض كل العصبيات الطبقية والقومية والعنصرية والقبلية وما شابه ذلك، إذ جعل الإسلام رابطة العقيدة هي الأصل الذي يجتمع ويتفرق عليه الناس. والحق أن إلحاح الإسلام على وحدة الأصل البشري وبناء علاقات الناس على هذا الأساس يمثل سمة إنسانية حضارية بارزة في تشريعات الإسلام المختلفة. فمثلاً يقف الناس جميعًا في الصلاة بين يدي الله متراصين دون أى تفرقة بين غنى وفقير أو حاكم ومحكوم، ويلبسون زيا واحدا في الحج، ويؤدون المناسك جميعها بعضهم مع بعض. كذلك عبرت نصوص القرآن والسنة عن العدل، وطبّقه الرسول والصحابة تطبيقا صارما. وهناك أيضا العِلْم، فقد جاء الإسلام ليعيد ترتيب العقل الإنساني ثم يُطلقه ليعرف ربَّه من خلال آياته في الكون والنفس بقصد البناء. وكان أول ما نزل من الوحي يختص بالعلم، وهو قوله تعالى: "اقرأ باسم ربك الذي خلق" (العلق/ 1). وامتن الله على رسوله عليه السلام بالعلم في مواضع كثيرة من القرآن، وامتن على المسلمين بأنه قد بعثه فيهم رسولاً كما في قوله تعالى: "لقد مَنَّ اللهُ على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياتِه ويزكّيهم ويعلّمهم الكتابَ والحكمةَ، وإنْ كانوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضلالٍ مُبِينٍ " (آل عمران/ 164(، وفضَّل الله العلماء على غيرهم. ومن دلائل اهتمام الرسول بالعلم أنه جعل فداء بعض أسرى بدر تعليم الواحد منهم عشرة من أبناء الأنصار القراءة والكتابة. ووردت أحاديث كثيرة في الحث على تحصيل العلم النافع، مما كان له الأثر الفعال في بناء حضارة إسلامية رائدة.

 

وبالمثل كان الجهاد بجميع ميادينه ومعانيه أعظم وسيلة لتحقيق العمل بالدين بما في ذلك نشر مبادئ العدل والمساواة والإخاء والحرية وحماية الدين بالنفس والمال. ولذا رغَّب فيه الإسلام ترغيبًا شديدًا حين جعل ثواب المجاهدين الشهداء في المرتبة الأولى من مراتب الأعمال الصالحة. والتزم النبي بالعهود والمواثيق في جهاده ضد المشركين في حالتي الحرب والسلم مهما كلّفه ذلك. والأمثلة على ذلك كثيرة، منها أن جماعة من المسلمين المستخْفِين بإسلامهم خرجوا من مكة للحاق بالمسلمين بالمدينة أثناء حصار الأحزاب لها، ولكن لم يسمح لهم كفار قريش بدخولها، إلا إذا التزموا بعدم الحرب مع المسلمين. فلما أخبروا الرسول قال: نَفِي بعهدهم ونستعين بالله عليهم. وعندما هاجر إلى المدينة خلَّف وراءه عليًا ليؤدي عنه أمانات الكفار التي كانت بيده، ولم يستحل لنفسه الاستيلاء عليها.

 

كذلك تمثل آيات القرآن دستورا شاملا لتربية الأفراد والجماعات تربية صحيحة في شتى مجالات الحياة. والحق أن كل القيم التي أسست لقيام الحضارة الإسلامية في العهد النبوي هي من آثار تلك التربية الإسلامية الصحيحة للفرد والجماعة. وتميزت هذه التربية التي بدأت بدار الأرقم بن أبي الأرقم بمكة بأنها تربية أخلاقية شمولية تتناول كل شأن من شؤون المسلم، وبأنها قرنت القول بالعمل. وكان لُحْمَتها وسَدَاها الأخلاق الإنسانية الراقية التي يلحظها الإنسان في جميع أحكام الإسلام من فروض وسنن ومندوبات ومستحَبّات. وتمثل ذلك كله في شمائل الرسول وصحابته. ويدرك الناظر في كتاب "الأنوار في شمائل النبي المختار" للإمام البغوي هذه الحقيقة، إذ يكفي دلالة أن تعلم أنه أورد 1257 حديثًا وأثرًا معظمها في الأخلاق.

 

ومعروف أن العمل هو الذي يشيّد صرح الحضارة، ومن ثم قد علّم الإسلام المؤمنين المثابرة على العمل، وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يتعوّذ من العجز والكسل، موضحا أن الذي يخرج لطلب الرزق لأبويه الشيخين أو لذريته الضعاف أو ليُعِفّ نفسه من مذلة السؤال هو في سبيل الله. وارتقى الإسلام بالعمل، أيا كان نوعه، إلى مرتبة العبادة ما دام يُبْتَغَى به وجه الله. وحثّ الإسلام الناس على العمل لعمارة الأرض في شتّى الميادين الاقتصادية، مثل استصلاح الأرض الموات انطلاقا من قول الرسول: "من أحيا أرضًا ميتة فهي له". ولذا شهدت وقائع التاريخ الإسلامي حركة عظيمة لاستصلاح الأرض وتحسين أساليب الزراعة وتنويع المزروعات، ومثل التعدين والإنتاج الصناعي انطلاقا من توجيه القرآن أنظار المؤمنين إلى أهمية المعادن، وفي مقدمتها الحديد: "وأنزلنا الحديدَ فيه بأسٌ شديدٌ ومنافعُ للناس" (الحديد/ 2)، ومثل النشاط التجاري الذي انطلق من حث الله الناس للضرب في الأرض ابتغاء فضله.

 

ومن جهة الوعي بالزمن لا يختلف اثنان مع المفكر الإسلامي الجزائري مالك بن نبي، يرحمه الله، في تحليله لشروط النهضة الحضارية عمومًا حين قال: إن مشكلة الحضارة تنحلّ إلى ثلاث مشكلات أولية: مشكلة الإنسان، ومشكلة التراب، ومشكلة الوقت. فالإسلام يربّي الإنسان المؤمن به على محاسبة نفسه على كل لحظة يعيشها واستغلال كل لحظة للصالح العام والخاص. قال عليه الصلاة والسلام: "من أحس قيام الساعة وبيده فسيلة فليغرسها". ومن أول ما يُسأل عنه المرء يوم القيامة عمره فيم أبلاه.

 

وإذا أردنا أن نلم بعصور الحضارة الإسلامية فى عجالة فنستطيع أن نقول: في السنة الحادية عشرة للهجرة توفي النبي بعد أن حج حجة الوداع. وجاء بعده الخلفاء الراشدون الأربعة: أبو بكر الصديق فعمر بن الخطاب فعثمان بن عفان فعلي بن أبي طالب، فوجههوا اهتمامهم إلى نشر رسالة الإسلام على هدي الرسول واتسعوا في الفتوح.

 

وفي عام 41هـ انتقلت الخلافة إلى دمشق مع الخلفاء الأمويين الأربعة عشر، الذين ركز معظمهم على إرساء معالم الحضارة الإسلامية. وفي عصرهم تطور الشعر والنثر بأنواعهما المختلفة، كما ازدهرت بعض نواحي العلوم والموسيقى والغناء. ومع الأمويين اتسع العالم الإسلامي صوب مشارق الأرض ومغاربها، وبلغت فتوحهم إفريقيا الشمالية والمغرب، ثم عبروا إلى أسبانيا (الأندلس)، فأنشأوا فيها حضارة إسلامية راسخة لا تزال آثارها باقية حتى اليوم.

 

وفي عام 132هـ انتقلت الخلافة من دمشق إلى بغداد مع الخلفاء العباسيين السبعة والثلاثين، الذين انقسم عصرهم إلى أربع حقب زاخرة، إذ بلغت الخلافة الإسلامية أوانئذ أقصى مداها. ففي العصر العباسي اتخذت الدولة شكلاً متطورًا، وعرف المجتمع الإسلامي عصره الذهبي. وكان من أواصر هذا التقدم الحضاري قيام المجتمع الإسلامي على ثلاث وحدات: وحدة الدين، ووحدة الاقتصاد، ووحدة اللغة. وفي ذلك العصر قامت المذاهب الفكرية التي تعالج قضايا الشريعة والعقل مستمدة مواقفها من روح القرآن الكريم. ومن أبرز مآثر العصر العباسي تأسيس "بيت الحكمة" على عهد المأمون، وكان تجمعًا لكبار المفكرين والمترجمين والعلماء. وفيه بدأت عمليات الترجمة من اليونانية والفارسية والهندية إلى العربية حيث تمت ترجمة الكثير من كتب الفكر والعلوم وتأليفها، مما أهَّل المسلمين لاستقبال الفكر الإنساني في أبلغ مصادره. وإلى جانب الشعر والنثر الفني برز أدب السيرة والرواية والتصنيف الأدبي وفقه اللغة والمعاجم والنحو والعلوم الدينية والفلسفة والتاريخ والجغرافيا والطب والفلك والرياضيات والعلوم الطبيعية والغناء والموسيقى. ويمكن القول إن العصر العباسي رفد الحضارة الإسلامية بالعلوم وشتى مجالات المعرفة، وهو ما ظهر أثره لاحقًا على الفكر العالمي والإنتاج الغربي. ثم أصيب العصر العباسي للأسف بنكبة حضارية كبرى حين اجتاح المغول البلاد الإسلامية وأشاعوا الرعب والقتل ودمروا، ضمن ما دمروا، مكتبة بغداد، فدخلت الحضارة العربية عصرًا أطلق عليه بعض الدارسين: عصر الانحطاط، بعد أن أقام المسلمون بين القرنين السابع والثالث عشر الميلاديين حضارة عالمية جعلتهم في طليعة الشعوب المتحضرة. وقد شملت هذه الحضارة العظيمة أسبانيا وإفريقيا الشمالية في الغرب، وشعوب العالم القديم من مصر إلى سوريا إلى بلاد ما بين النهرين في الشرق. وكان واضحًا أن سرعة انتشار الإسلام هي التي عجّلت بربط أجزاء الخلافة الإسلامية. وهكذا كان الإسلام هو المحرِّك، وكانت اللغة العربية هي الصلة.

 

وقد حققت الحضارة الإسلامية العربية في فترة ازدهارها الكثير من الإنجازات في ميادين المعرفة المختلفة، خصوصًا في مجالات الرياضيات والفلك والطب والعمارة والجغرافيا والفيزياء والهندسة: ففي الرياضيات اخترع الخوارزمي، أحد علماء المأمون، علم الجبر وانتشر العلم بفضله في العالم. وأخذت أوروبا في الرياضيات عن العرب مفهوم "الصفر" ونظام التقويم والنظام العشري، الذي دفع بعلم الرياضيات خطوات إلى الأمام، وكذلك الأرقام العربية التي هي اليوم أوسع الأرقام انتشارًا في العالم. وفي علم الفلك شهدنا ظهور الأسطرلاب العربي، الذي أوجده العلماء المسلمون لتحديد أوقات الفجر والمغرب والصوم، ثم طوّروه فاكتشفوا خطوط الطول والعرض وسرعة الصوت والضوء حتى أصبح ذلك مرجعًا لعلماء الغرب. وتمكن البيروني من اكتشاف دوران الأرض حول الشمس، وهو ما أثبته جاليليو بعد ستة قرون. وترجم الفلكيون العرب كالزرقالي والفرغاني والفزاري مؤلفات بطليموس في الفلك وأضافوا إليها ثم تركوا ذلك كله مرجعًا للفلكيين الغربيين. وفي ميدان الطب تفوق العرب في فنون العلاج التي كانت معروفة في مصر القديمة وبلاد ما بين النهرين. وكانت مؤلفات الرازي المتقدمة في الطب مرجعًا للأوربيين حتى وقت متأخر من القرن السادس عشر الميلادي. كما ظل الأوروبيون حتى القرن السابع عشر يتعلمون من نظريات ابن سينا الطبية ككلامه فى الطب العقلي، الذى أصبح فيما بعد أساسًا لعلم النفس. واشتهر عند العرب أيضًا أمر التداوي بالأعشاب والمواد الطبيعية من ثوم ومُرّ وعصير جُلاّب وماء زهر... إلخ، ومنهم انتشرت إلى الشرق الأوسط فأوروبا. وفي علوم الفيزياء أفاد الأوروبيون من علماء الإسلام فوائد جمة، وبخاصة فى حقل البصر والبصريات، من مؤلفات الكندي وابن الهيثم. وفي الفلسفة ترجم العرب أهم مصادرها المشرقية واليونانية القديمة مع تطويرها، فاشتهر الكندي بتطوير فلسفة أفلاطون وأرسطو، والفارابي بفكرة "المدينة الفاضلة"، وابن سينا بفلسفته العقلية، وابن خلدون بنظرياته الاجتماعية التي لا تزال حتى اليوم أصل مؤلفات الكثيرين من الفلاسفة الاجتماعيين الغربيين. وبرز ابن رشد بفلسفته التي ارتكز عليها بعده فلاسفة غربيون كبار.

 

كذلك كان للعرب فى مجال الملاحة والجغرافيا تأثير كبير على الغرب. وقد أخذ العرب من الكنعانيين وقدامى المصريين ما أعانهم على تطوير البوصلة. وبرع الإدريسي في القرن الثاني عشر الميلادي بابتكاراته ومكتشفاته، إذ وضع أول أطلس في العالم، حاويًا سبعين خريطة بعضها لمناطق لم تكن معروفة من قبل. وكانت رحلات ابن بطوطة خير معين للأوروبيين على معرفة مناطق جغرافية لم يكونوا يعرفونها. وفي القرن السادس عشر تمكن حسن الوزان (وهو يُعْرَف عندهم باسم "ليون الإفريقي") من كشف مجاهل إفريقيا، مما استفاد منه الغربيون استفادة هائلة. وفي رحلات فاسكو دي جاما الشهيرة كان الملاح العربي أحمد بن ماجد هو البحار الرئيسي في القيادة. ويقال إن كريستوفر كولمبوس كان يتكل على بحار عربي في توجيه حملته البحرية التي أدت إلى اكتشاف أمريكا.

 

وفي العمارة عرف المسلمون طرازًا معماريًّا متميزا تجسد في بناء المساجد. ويعترف علماء الغرب أن الجامع الأموي في دمشق وجامع ابن طولون في القاهرة كانا أساسًا لبناء عدة كاتدرائيات ضخمة في أوروبا. وقد تأثر فن البناء الغربي كثيرًا ببناء المآذن والأقواس والقناطر والأهِلّة والأطراف والمثلثات والمنحنيات المعكوسة وهندسة القباب والمكعبات، مما أخذه الأوروبيون عن مساجد مكة والقدس والقاهرة ودمشق. وكان لفن الزخرفة والخط والنقوش تأثير كبير على الأوروبيين، خاصة ما تركه العرب في الأندلس كقصر الحمراء والجامع الكبير في قرطبة. وعلى نفس المنوال برع العرب في الحرفيات الدقيقة والمنمنمات والزجاجيات والخزف والحفر والبلَّور ومزج الألوان وصباغة الحرير والأقمشة والجلود والدباغة وصقل الحديد. ومازالت بعض هذه الخامات والحِرَف تحمل في الغرب اسمها الأصلي: دمقس، حرير دمشقي، دباغة مغربية، أزرق محمدي. ويردها بعض الغربيين كما هي في أصلها العربي تقريبا.

 

ولم يتوقف إبداع المسلمين الحضارى عند هذا الحد، بل كانت لهم تطويراتهم في الموسيقى وآلاتها أيضا، وما زالت هناك حتى اليوم آلات عديدة كالقيثارة والطبلة والناي والمزمار ومزمار القربة... إلخ معروفة على أنها تطوير غربي للآلات الموسيقية العربية. كما أخذ الأوروبيون الكثير من الألحان العربية التي كانت شائعة في غناء القصائد العربية في قصور الملوك. وعلى ذات الشاكلة أخذ الغربيون جماليات اللسان العربي فدخلت كلمات وعبارات عربية كثيرة إلى عدة لغات أوروبية، ولا تزال حتى اليوم جزءا من نسيج هذه اللغات كالإنجليزية والفرنسية والأسبانية والإيطالية والألمانية. وأثرت مؤلفات عربية مثل "حي بن يقظان" لابن طفيل و"ألف ليلة وليلة" و"مقدمة ابن خلدون" وغيرها في الفكر والأدب الغربي تأثيرا عظيما. كما اشتهر العرب أيضا بفن الجنائن والحدائق، وبات كتاب "الفِلاَحة الأندلسية" لابن العوام مرجعًا أوروبيًّا في علم النبات لأنه وصف فيه نحو خمسمائة نبتة، وبيَّن طريقة زراعتها والاعتناء بها وبالأرض والتربة. وكذلك ظل الأوروبيون لوقت طويل يستفيدون من العرب، خاصة الأندلسيين، في فنون حفظ الخضراوات والفواكه والأزهار، ومواد التجميل ومساحيق الوجه والعطور والتطيب والجواهر والحُلِيّ.

 

هكذا نجد أن المسلمين ساهموا في إعلاء الحضارة العالمية وتقدمها وتطورها بفضل أعلامهم في العلوم والفنون والتربية والفلسفة والشعر والموسيقى. وفي مكتبات العالم اليوم آلاف الوثائق التي تشهد بفضل المنجزات الحضارية الإسلامية في حقول الفلك والرياضيات والفيزياء والكيمياء والطب والصيدلة والجغرافيا والعمارة والموسيقى، وما كان لهم من تأثير في تصنيع النسيج والورق والدهان والصابون والحبر والشمع والسكر والنشاء والزيوت النباتية والعطور والبارود، وكذلك في اكتشاف أو تطوير الميزان ورقاص الساعة والساعة المائية والطاحونة المائية والهوائية والآلات الفلكية وأجهزة سكب المعادن وصك النقود والمعدات الحربية والأدوات الطبية والجراحية، وبناء الجسور والقنوات المكشوفة وجر المياه والتدفئة والتبريد وأنظمة الري والحمامات العامة وأبراج المراقبة والتحصينات العسكرية وسواها من الإنشاءات والابتكارات والاكتشافات التي يعترف الغرب اليوم بفضلها للعرب وحضارتهم. وبهذا تكون الحضارة العربية الإسلامية قد قدمت للحضارة العالمية إسهامات رئيسية ما يزال العالم يستخدمها اليوم، مدينًا بها للعرب بالسبق والابتكار.

 

أما بالنسبة للأندلس فقد فَتحَ المسلمون شبه جزيرة أيبرية بقيادة طارق بن زياد في رمضان عام 92هـ- 711م بعد أن انتصروا على جيوش القُوط، وأسّسوا دولة إسلامية حكمت ثمانية قرون من الزمان تمتد من نهاية القرن الأول حتى نهاية القرن الثامن الهجري (92- 798هـ)، الموافق للفترة من القرن الثامن حتى نهاية القرن الخامس عشر الميلادي (711– 1492م). وقد أدّت الأندلس، في عهود ولاتها الذين شجَّعوا العلم ورَعَوْا حقوق العلماء، دورًا مهمًا في نقل الحضارة العربية الإسلامية من المشرق إلى المغرب، فقامت بحمل مشاعل الفكر والمعرفة مبددة ما حولها من ظلام الغرب وتخلّفه قبل أن يبدأ ما عُرف بـ"عصر النهضة"، الذي كانت أوروبا تعيش قبله في جهل وظلام فكري وروحي. وتمّيزت الحضارة الإسلامية بالأندلس بمقومات عدّة أهمها: العقيدة، أى الدين الإسلامي، واللّسان، وهو اللغة العربية، فاختلفت بذلك عن كل الحضارات التي سبقتها أو لحقت بها فى شبه جزيرة أيبريا، إذ إن هويتها إسلامية عربية، فهي تَحْمِل قيم الإسلام وعزّته مع فصاحة اللّسان العربي وبيانه.

 

وقد أدّى تاريخ الأندلس السياسي دورًا كبيرًا، سواء في ازدهار هذه الحضارة ونموّها أو في تقلصها وانكماشها. وعرفت الحضارة الأندلسية تطورات مختلفة من القوة والضعف وصلت بها إلى ذروة قوتها ونضجها في عهد الخلافة الأُموية أيام حكم الخليفة عبد الرحمن الناصر (300- 350هـ/ 912- 961م) وابنه الحَكَم (350- 366هـ/ 961-976م). لقد عرفت الاندلس في هذا العصر شعراءَ كبارًا كابن عبد ربه وابن هانئ، ومؤرخين مشهورين كالرازي وابن القوطية، وعرفت كذلك فن التأليف الموسوعي كما هو الحال فى "العِقْد الفريد" لابن عبد ربه، وظهرت في هذا العصر المُؤَلَّفات الفلسفية على يد ابن مسَّرة. وفوق هذا فقد حظيت الدراسات العلمية في مجال الفلك والرياضيات باهتمام طيب، وإن كان أقل شأنًا من الاهتمام بالدراسات الأدبية. وبلغ الاهتمام بالعلوم الدينية والشرعية مدى عاليا، فظهر محدِّثون وفقهاءُ ومفسرون أعلام. ولعل ما بلغته مكتبة الخليفة الناصر من ثراء وغنى يُعَدُّ دليلاً على تلك النهضة الحضارية الشاملة التي عاشتها الأندلس في هذا العصر.

 

ولما انهارت الخلافة الأموية انقسمت الأندلس إلى إمارات وطوائف تتطاحن فيما بينها، ولكنْ ظلت شمس الأدب والفكر ساطعة رغم تطاحن هذه الدول. وعرفت الأندلس في هذه الفترة المضطربة طائفة من أعظم مفكريها وأدبائها وشعرائها، فقد كان أكثر حكام الطوائف وأمرائها من رجال الفكر والأدب، ومن ثمّ حظيت الحركة الثقافية بتشجيعهم وحَفْزهم لها. ومن أشهرهم حاكم أشبيلية الشاعر المعتمِد بن عباد، وكذلك المُظَفَّر وابنه المتوكل، ثم المعتصم بن صُمَادح أمير ألمريِّة، والمقتدر والمؤتمن من بني هود في سَرَقُسْطة. كما برز الفقيه العالم ابن حزم (ت456هـ) وابن حيَّان مؤرخ الأندلس (ت469هـ) وابن زيدون دُرّة الشعر والشعراء (ت469هـ)، وغير هؤلاء كثيرون.

 

وعندما استولى المرابطون على الأندلس بقيادة يوسف بن تاشفين (493- 541هـ) تألقت بعض الأسماء اللامعة في مختلف مجالات المعرفة، ووصلت الأندلس في هذا العصر أعلى درجات الازدهار الأدبي والفكري والحضاري. فقد كان الأندلسيون، كما يقول المستشرق الأسباني خوليان ربيرا، "هم الشعب الأوروبي الوحيد الذي ازدهرت عنده الفنون بشْتَّى صنوفها والآداب والفلسفة وغيرها ازدهارًا عظيمًا". وحينما نهضت أوروبا نهضتها الفلسفية والفنية والعلمية والأدبية في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين كانت الأندلس من أكبر شعوب أوروبا تأثيرًا في الفلسفة والفلك والطب والقصص وشعر الملاحم. ومن أعلام هذا العصر الفيلسوف ابن ماجه (ت523هـ) والفتح بن خاقان صاحب "قلائد العِقْيان" (ت535هـ) وابن بسام (ت542هـ) صاحب "الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة". وفي مجال الطب كان أبو القاسم خلف بن عباس القرطبي (ت516هـ) علمًا لا ينكر.

 

ولما حَلَّ الموحِّدون حكامًا للأندلس (541- 668هـ/ 1146-1269م) انطلقت حركة الفنون والعلوم بقوة أكبر في مجالات التأليف والبحث والبناء والعمران، فازدهرت على عهدهم الدُّور العلمية في مختلف المدن الأندلسية في قرطبة وأشبيلية وبلنسية وغرناطة ومرسية، ونشط التأليف في مختلف العلوم والفنون. ومن الأسماء اللامعة لهذا العصر ابن طفيل صاحب رسالة حيّ بن يقظان (ت571هـ) والفيلسوف ابن رشد (ت594هـ) وابن بشكوال صاحب كتاب "الصلة" (ت578هـ) وغيرهم وغيرهم.

 

ولما اضمحلّ شأن الموحدين وضعف أمرهم بالأندلس والمغرب في أوائل القرن السابع الهجري بعد أن دام ملكهم نحو مائة وثلاثين سنة انحصرت الدولة الأندلسية منزوية في الركن الجنوبي الغربي في مملكة صغيرة هي غرناطة تحت حكم بني الأحمر (668- 798هـ/ 1269- 1395م)، الذين امتاز عصرهم بنصرة العلوم والآداب. وقد نبغ في هذا العصر شعراءُ وكتابٌ ومفكرون ومؤرخون كبارٌ رغم سوء الأحوال السياسية وعدم استقرارها. ومن هؤلاء العالم النباتي والطبيب المشهور ابن البيطار المالقي، الذي رحل من الأندلس إلى المغرب ثم إلى مصر والشام، وتُوُفِّيَ بدمشق سنة 646هـ، وشيخ المتصوفة بالأندلس محيي الدين بن عربي، الذي نزح إلى المشرق وتوفي بالشام سنة 638هـ. وعن هذه الفترة قال ابن الأَباَّر القُضَاِعي صاحب المرثية المشهورة في سقوط بَلَنْسِيه:

 

أدرك بخيلك خيلِ الله أَنْدَلُسَا * إنَّ الطريق إلى مَنْجَاِتها دَرَسَـا

 

وقد هاجر بدوره إلى تونس وتوفي بها سنة 659هـ، مثلما رحل ابن سعيد الأندلسي صاحب "المُغْرب في حُلَي المَغْرب" إلى دمشق وتوفي بها سنة 673هـ. ومن أعلام ذلك العصر أيضا الوزير الكبير لسان الدين بن الخطيب (ت776هـ) وابن خلدون مؤسس علم الاجتماع (ت808هـ). وبحلول عام 798هـ/ 1395م وصل المدّ الصليبي مداه وسقطت غرناطة وانهد آخر معقل للإسلام في أوروبا.

 

وقد شملت الحضارة الإسلامية في الأندلس مجالات متعددة تركت بصماتها على الحياة والأحياء من حولها. وكان من ثمار هذه الحركة أنْ تحولت قرطبة حقًّا إلى عاصمة للحضارة، ليس في أسبانيا وحدها، ولكن في المغرب قاطبة. ويذكر المؤرخون مثلا أن قصور قرطبة تجاوزت 20000 قصر، وأن مساجدها تجاوزت 900 مسجد، وأن حَمَّاماتها تجاوزت 700 حَمَّام. وكانت بها مدارس للطب والهندسة والعلوم والفنون ومستشفيات ومعامل للكيمياء ومراصد للفلك. وكانت جامعة قرطبة منارة شامخة للفكر والثقافة وحاملة لواء الحضارة العربية الإسلامية الشاملة.

 

ويمكن أن نتعرف أوجه هذه الحضارة في المجالات الآتية: فعلى سبيل المثال يَتَجلَّى فن البناء والمعمار في بناء المساجد والقصور وإنشاء المدن كمدينة الزهراء، التي بناها عبدالرحمن الناصر بما فيها من الحدائق والنّوافير والحمَّامات العامة والخاصة، فكانت الأنموذج والمثال لما بلغه فن البناء والعمران للحضارة العربية الإسلامية. وفي المجال الأدبي واللغوي اهتم حكام الأندلس على مرّ العصور برعاية العلوم والآداب، واستقطبوا الأدباء والمفكرين ووفروا لهم المناخ الطيّب المناسب لإبداعهم، فظهرت طائفة من الشعراء والعلماء والأدباء أنتجوا أعمالاً متألقةً في مختلف مجالات المعرفة، وازدهر فن الشّعر والرسائل الأدبية والتأليف في علوم اللغة والنحو والمعاجم والطبقات والتراجم. وعندنا كذلك المجال الديني والشرعي. ولما كان الإسلام هو أساس هذه الحضارة كان الاهتمام بعلومه جزءًا من شخصية الأندلس، فظهر عدد وفير من المؤلَّفات التي عُنِيَتْ بالقرآن الكريم وعلومه، وبالحديث الشريف في روايته وشروحه، وبالدراسات المنوعة في مجال الفقه والعقيدة والفلسفة وتاريخ الأديان.

 

وفى مجال العلوم التطبيقية نجد أنه قد ازدهر علم الطب، خاصة في القرنين الخامس والسادس الهجريين (الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين)، وبرع أطباء الأندلس في الجراحة وتحضير العقاقير، وأُنْشِئت المستشفيات، ووُضعت عشرات المؤلَّفات الطبية مثل كتاب "الأدوية المُفْرَدَة" للكتَّاني المُتَوَفَّى سنة 420هـ، و"التعريف لمن عجز عن التأليف" للزهراوي المتوفَّى سنة 403هـ. أما علم الرياضيات فتعد المدرسة التي ظهرت على يد الفلكي مسلمة المجريطي المتوفَّى سنة 394هـ من أولى مدارسه في الأندلس. وقد أدى تلاميذه من بعده خدمةً جليلةً لهذا العلم. وفي ميدان الفلك ظهر ابن برغوث (433هـ) وأبو إبراهيم بن يحيى الزرقالي القرطبي وغيرهما.

 

وهكذا مرت الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس بمراحلَ وأطوارٍ مختلفة تبعًا للعصور السياسية التي تواترت على الأندلس، لكن الذي لا يقبل الشك هو أن هذه الحضارة كانت نتاجًا لعقلية عربية إسلامية استطاعت بوعي واقتدار أن تزاوج بين فكرها وتلك الأنماط التي كانت سائدة في شبه الجزيرة الأيبيرية (الأسبانية) قبل الفتح العربي الإسلامي، فكانت الأقوى والأشد تأثيرًا بفضل العقيدة واللغة، مما أدى إلى انصراف الناس عما سواها حتى شكا القسيسون من ضياع اللاتينية بين النصارى، وانصراف بني جلدتهم إلى كتابات المسلمين باللغة العربية. وقد أدى المناخ الحضاري الذي تنسّمته الأندلس إلى العناية بجوانب العلم والفكر، فشُيِّدت المدارس، وافتُتحت المكتبات، واقتُنِيَت الكتب حتى أصبح معظم الناس قادرين على الكتابة والقراءة، فازدهرت الآداب والفنون، وارتقت العمارة بفنّ إسلامي أصيل.

 

والملاحظ أن الفتوح الإسلامية في الأندلس لم تكن، كما هو الحال في المشرق، قائمة فقط على أكتاف العرب المترابطين بينهم لغة وعقيدة وإيمانًا بالرسالة الإسلامية تحت قيادة فاتحين من الصحابة والتابعين، بل قامت على أكتاف شعوب مختلفة اللغات والعادات شغلتهم الصراعات الداخلية بينهم، إذ تأجج الخلاف بين القيسية واليمنية والشامية والحجازية، وبين العرب والفرس، وكذلك بين العرب والبربر، الذين فرقتهم الخلافات القبائلية بدورهم بين الصنهاجيين والزناتيين. كما حَمِيَ صراع الفاتحين على ولاية الأندلس حتى تعاقب عليها أربعة وعشرون واليًا في خمس وأربعين سنة بمعدل والٍ لكل سنتين. وما كاد الفتح يتم وتُغْمَد السيوف حتى تدفق السكان الأسبان يدخلون في دين الإسلام أفواجًا لما ألفوا من الفاتحين من حسن المعاملة وسمو الأخلاق، ولما في الإسلام من سماحة ساعدتهم على تحسين ظروفهم الاجتماعية والاقتصادية فسارعوا إلى التودد بالمصاهرة والمساكنة.

 

ويعدّ عبد الرحمن الداخل الملقب بـ"صقر قريش" هو مرسي التلاحم بين أهل الأندلس، وواضع الأسس الأولى للحضارة الإسلامية فيها، فقد حدَّ من غُلَواء الصراعات وأخمد الثورات، وتسامح مع المذاهب الفقهية التي وصلت إلى الأندلس من مالكية وشافعية وأوزاعية، حتى إذا جاء خلفه هشام (172- 180هـ/ 788- 796م) اختار القضاةَ من أتباع مذهب مالك، فانتشر بين الناس وتشدد الفقهاء في الالتزام به، فلما جاء الحكم بن هشام (180- 206هـ/ 796- 821م) وجد في تشدد الفقهاء ما جعلهم يثورون ضد حكمه، فكانت فتنة النصارى بقرطبة ووقعة الحفرة في طليطلة وهيج الربض في قرطبة، فأخمد هذه الانتفاضات والثورات، واستمر في بناء الحضارة الإسلامية في الأندلس مطبوعة بالتفتح والتسامح والتعاون.

 

إن الثقافة الإسلامية وما تضمنته الشريعة من عقيدة ومعاملة وسلوك، وما تستلزمه لغتها من معرفة بلاغية ولغوية، وما في كلماتها من جرس موسيقي، وما في السلوك الإسلامي من حسن معاملة ومن تشريعات وقوانين وأحكام سامية، وما في الأعراف البربرية من هيام بالحرية، إضافة إلى الفنون المعمارية التي ورثها الأسبان عن الرومان في بناء الكنائس والقصور والأبراج والقناطر، ثم ما أضفاه الفاتحون المسلمون الجدد على ذلك من رقة الفن الشامي وجمال الخط والزخرفة، وما جلبوه من رياش الروم والفرس، وما نقلوه عن الرومان من فنون الصناعات البحرية والحربية، كل ذلك طبع الحضارة الأندلسية بطابع جديد. واستقرت أصول الحضارة الإسلامية في عهد عبدالرحمن الأوسط، فخلصت الأندلس للمذهب المالكي على يد يحيى بن يحيى، وشاركت المرأة في بلورة الحضارة على يد زوجة الخليفة الأميرة طروب، وارتقى الذوق الحضاري بدخول المغنّي زرياب إلى الأندلس. ذلك أن المذهب المالكي المحافظ ساعد على استقرار الحياة الاجتماعية والاقتصادية، وزرياب سما بالذوق الأدبي والفني، وكان للأميرة طروب أثر في حياة المرأة الأندلسية وإسهامها في بناء مرافق الحياة الجديدة. وباجتماع العناصر الثلاثة تهيأت الحضارة الإسلامية في الأندلس لتسمو وتتعالى، فاستبحر العمران وتطورت فنون البناء في المساجد والقصور والمستشفيات وهندسة الري والنقش على الجص والخشب والنحاس وإتقان الوِرَاقة ورياش المنازل، فسادَ الرخاء وطاب العيش وازدهرت الفلاحة وهندسة الحدائق وتنميق الزهور. وانعكس أثر ذلك على الحياة الحضارية والثقافية في الأندلس، فتقدمت المعرفة وانتشر العلم وبرز علماءُ كبارٌ في التفسير والقراءات والحديث والفقه وأصوله واللغة والأدب والطب والحكمة والفلك والتصوف مما يعسر تقصيه.

 

وقد تطورت الفلسفة في الأندلس على يد الأندلسيين الذين ذهبوا إلى المشرق كمحمود بن عبدون (347هـ)، الذي درس المنطق على سليمان السجلماسي، ورجع إلى بلاده ليكون طبيب الحكم الثاني وهشام الثاني الأمويين، وكان له تأثير في الفكر الفلسفي في الأندلس كما ظهر في الفلسفة الرشدية. ومما لاشك فيه أن ابن رشد في طليعة فلاسفة المغرب الإسلامي، وكان ذا تأثير عظيم في المحيط المغربي وفى أوروبا أيضا، التى تدين له بفهم الفلسفة الإغريقية الأرسطية. واستمر أثره إلى عصر كانط في بداية القرن التاسع عشر. ولم يقتصر التأثير الأندلسي في أوربا على الفلسفة فقط، بل امتد كذلك إلى الرياضيات وغيرها.

 

وبالمثل شهدت الأندلس الإسلامية ولعًا بالشعر والغناء قل نظيره في حقب التاريخ المختلفة، إذ شاع إنشاد الشعر في كل المناسبات الدينية والسياسية والاجتماعية، وظهر شعراء سجلوا بمدائحهم أعمال الخلفاء والوزراء والولاة كابن عبد ربه وابن زمرك وابن الخطيب، وكذلك شعراء الطغرائيات الذين يكتبون قصائدهم في حنايا أبواب المساجد والقصور كابن زمرك، وشعراء الحماسة الذين يمثلون الفروسية العربية مثل سعيد بن جودي، وشعراء التصوف... إلخ. وضاقت بالشعراء أوزان الشعر العربي وأعاريضه فأقبلوا على شعر الزجل والموشحات ومقطوعات الغناء، وأصبح معظم أهل الأندلس شعراء حتى قال القزويني إن الفلاح الذي يحرث بالثور في شلب يرتجل ما شئت من الأشعار فيما شئت من الموضوعات. وكان كبار القوم لا يتراسلون إلا شعرًا ويتهادَوْن بطاقات الدعوات والاعتذارت والأهاجي والتعريف شعرًا. وكان أهل الأندلس يغنون ويطربون بأسلوب الغناء المسيحي الأندلسي أو بطريقة الحداء العربي كما هو الحال عند التيفاشي، ثم تطور الغناء بعد ذلك على يد ابن ماجة ثم أبي الحسن المرسي، الذي أرسى قواعد الموسيقى، وكذلك على يد العباس بن فرناس ومسلمة المجريطي وأبي الصلت الداني (ت529هـ) وابن سبعين الصوفي مؤلف كتاب "الأدوار" ويحيى الخدوج المرسي مؤلف الأغاني الأندلسية على نهج الأغاني الأصبهانية. وتأسست في الأندلس مدرسة للغناء وتعليم الجواري جاء وصفها في "الذخيرة" لابن بسام، وكان يعلَّم فيها الغناء والكتابة والخط والعزف على الآلات، والرقص والخيال (التمثيل) والفروسية. أما الآلات فكثيرةٌ، وقد ذَكَرَها الشقندي مثل العود والروطة والرباب والقانون والمؤنس والجيتار والمزمار والبوق وغير ذلك. ومع هذا كان الفقهاء ينكرون الطرب والغناء ولايقبلون شهادة المغني، ولم يسمحوا أن تباع كتب الموسيقى علنًا لأن الموسيقيين المغنين كانوا يَغْشَوْن مجالس الشراب.

 

وبعد انتهاء الحكم الإسلامي في الأندلس تحول المورسكيون (أى المسلمون) قسرا بعد نشاط محاكم التفتيش ضدهم إلى مزارعين يعملون في الإقطاعيات التي يملكها النبلاء. ونظرًا لخبرتهم ونشاطهم فقد أصبحوا عمدة الفلاحة والغراسة والاقتصاد بصفة عامة مما جعل النبلاء يقاومون الكنيسة في حملتها التنصيرية لما يُفْقِدها ذلك من مزايا اليد العاملة. وعندما ظهرت حركة العمال لمقاومة النبلاء كانت دعوتهم إلى تنصير المسلمين بقصد إضعاف النبلاء، لكن المسلمين آثروا العبودية وخدمة النبلاء بدل التنصير المفروض عليهم. وبعد سنة 1521م عادت الكنيسة من جديد إلى الحملة التنصيرية عن طريق محكمة التفتيش، وأنهت فظائعها بإجلاء الموريسكيين عن الأندلس، ولم يمنع ذلك من بقاء كثير من المسلمين بأسبانيا تنصروا ظاهريا فقط كما حدث عنهم الغساني في رحلته المسماة: "افتكاك الأسير". وبعد انتصار الجمهوريين بأسبانيا جاهر كثير من الموريسكيين الأسبان بأصلهم، فتفوقوا بأوروبا، وكانوا من أعلام الفكر بجامعاتها، وكذلك في أمريكا الجنوبية، وبالأخص في الأرجنتين والبرازيل، وفي أرخبيل الفلبين حيث ماتزال بقية منهم في جزيرة مور. كما استوطنوا إفريقيا الشمالية والسنغال، التي ماتزال تحتفظ ببقايا منهم. ويذكر شكيب أرسلان في كتابه: "حاضر العالم الإسلامي" أن ظهور كراهية النبلاء والرهبان بين هؤلاء ليست نتيجة رواج المبادئ الشيوعية أو الاشتراكية، بل ثمة عِرْق عربي عاد فنزع في الأندلس بعد إعلان الحكم الجمهوري. وقد حمل العلماء الأندلسيون إلى الغرب عددا من المصطلحات العربية، إذ كانوا يلتحقون بالعمل في الجامعات الأوروبية، وكذلك الجامعات الأسبانية في أمريكا اللاتينية عندما هاجر إليها الأسبان، فنقلوا معطيات الحضارة الإسلامية إلى أوروبا (اعتمدنا فى الفقرات السابقة على ما يخص الحضارة الإسلامية من مادة "الحضارة" فى "الموسوعة العربية العالمية" مع شىء كثير من التصرف حذفا واختصارا وتقديما وتأخيرا وإعادة صياغة).

 

وفى تقويم هذه الحضارة الإسلامية يقول جوستاف لوبون فى كتابه: "حضارة العرب" (ترجمة عادل زعيتر/ 614): "إذا قابلنا بين العرب والأمم الأوربية... أمكننا أن نقول إنهم أرقى من جميع أمم العرب التى عاشت قبل عصر النهضة أخلاقا وثقافة، فلم تعرف جامعات القرون الوسطى فى قرون كثيرة مصدرا غير مؤلفاتهم العلمية ومناهجهم، وكانت أخلاقهم أفضل من أخلاق أجدادنا بمراحل. وكان العرب قد توارَوْا عن التاريخ حوالَىْ عصر النهضة، ولا نقدر أن نقول شيئا عما يمكن أن يصلوا إليه لو لم يتوارَوْا، ولكننا لا نعتقد أنهم كانوا يبلغون مستوى أفضل مما بلغوا لما كان يُسْفِر نقص نظمهم عنه من الموانع. وتمكن المقابلة بين مختلف الأدوار كالدور الذى غاب فيه العرب والدور الحاضر كما هو واضح. ولكننا إذا حُمِلْنا على المقابلة بين هذين الدورين قلنا إن أكابر العرب السابقين دون أكابر الحاضر، وإن عرب الطبقات الوسطى السابقة مساوون لأبناء طبقاتنا الوسطى المتمدنة الحاضرة على الأقل، وأرقى منها فى الغالب". وهذا هو النص الفرنسى لهذا الاقتباس:

 

"Avec ces explications préalables, nous pouvons porter un jugement suffisamment exact sur la place qui revient aux Arabes dans l'histoire. Ils eurent des hommes supé­rieurs, leurs découvertes le prouvent assez ; mais des grands hommes comparables aux génies que j'ai nommés, je ne crois pas que l'on puisse dire qu'ils en aient possédés jamais. Inférieurs aux Grecs sur beaucoup de points, égaux certainement aux Romains par l'intelligence, ils ne possédèrent pas, ou au moins ne possédèrent que pour quelque temps, les qualités de caractère qui firent le long succès de ces derniers.

 

Si, au lieu de comparer les Arabes aux peuples qui ont disparu de la scène du monde, nous essayons de les mettre en parallèle avec les nations européennes, nous pouvons dire, qu'au double point de vue intellectuel et moral ils sont supérieurs à toutes celles qui vécurent avant la renaissance. Les universités du moyen âge n'eurent d'autre aliment, pendant des siècles, que leurs ouvrages et leurs doctrines ; et par leurs qualités morales ils surpassèrent beaucoup nos ancêtres.

 

Vers l'époque de la Renaissance, les Arabes disparurent de l'histoire, et nous ne pouvons dire ce qu'ils fussent devenus un jour. Nous ne croyons pas cependant qu'ils eussent jamais dépassé beaucoup le niveau déjà atteint. L'infériorité de leurs insti­tutions leur créait de trop sérieux obstacles.

 

On ne peut comparer évidemment des époques aussi différentes que celle où disparurent les Arabes et les temps modernes. Si l'on exigeait cependant que cette comparaison fût faite, nous dirions que chez les Arabes les hommes supérieurs furent notablement au-dessous des hommes correspondants de l'âge actuel, mais que les individus moyens de leur race furent au moins égaux, et le plus souvent supérieurs, à la couche moyenne des populations civilisées d'aujourd'hui".

 

ويقول بريفولت: "لقد طورت الحضارة الإسلامية فى ظرف أعوامٍ قلائلَ ثقافةً كان لها أثرها على كل التطورات اللاحقة التى شهدتها أوربا. ولسوف تظل هذه الثقافة، حتى عندما نضع فى اعتبارنا الدفعة التى أخذتها من الفرس، تبعث على الانبهار بسبب السرعة التى نمت بها. أما حضارتنا الحديثة فقد استغرقت فى الخروج من ظلام البربرية الحالك السواد ثلاثةَ أو أربعةَ قرونٍ كاملة". وهذا نص كلامه بالإنجليزية ( وهو موجود فى The Making of Humanity, P. 70): "The Islamic Arabs developed in the course of a few years a culture which has influenced all the subsequent developments of Europe, and which, even when we allow for the cultural impulse which it inherited from Persia, was marvellous in the rapidity of its growth. Our own modern civilization has risen out of darkest barbarism in the course of three or four centuries".

 

وفى "قصة الحضارة" يكتب ول ديورانت عن هذه المسألة فيقول: "إن قيام الحضارة الإسلامية واضمحلالها لمن الظواهر الكبرى في التاريخ. لقد ظل الإسلام خمسة قرون من عام 700 إلى عام 1200 يتزعم العالم كله في القوة، والنظام، وبسطة الملك، وجميع الطباع والأخلاق، وفي ارتفاع مستوى الحياة، وفي التشريع الإنساني الرحيم، والتسامح الديني، والآداب، والبحث العلمي، والعلوم، والطب، والفلسفة. وفي العمارة أسلم مكانته الأولى في القرن الثاني عشر إلى الكنائس الكبرى الأوربية، ولم يجد فن النحت القوطي منافسا له في بلاد الإسلام، التي كانت تحرّم صنع التماثيل. أما الفن الإسلامي فقد أفنى قوته في الزخرفة، وعانى الشيء الكثير من ضيق المدى ووحدة الطراز المملة. ولكنه في داخل هذا النطاق الذي فرضه على نفسه لم يَفُقْه حتى الآن فن سواه. وكان الفن والثقافة في بلاد الإسلام أعم وأوسع انتشارا بين الناس مما كانا في البلاد المسيحية في العصور الوسطى، فقد كان الملوك أنفسهم خطاطين، وتجارا، وكانوا أطباء، وكان في مقدورهم أن يكونوا فلاسفة...

 

غير أن المسلمين، كما يلوح، كانوا رجالاً أكمل من المسيحيين، فقد كانوا أحفظ منهم للعهد، وأكثر منهم رحمة بالمغلوبين، وقلما ارتكبوا في تاريخهم من الوحشية ما ارتكبه المسيحيون عندما اسْتَوْلَوْا على بيت المقدس في عام 1099. ولقد ظل القانون المسيحي يستخدم طريقة التحكيم الإلهي بالقتال أو الماء أو النار، في الوقت الذي كانت الشريعة الإسلامية تضع فيه طائفة من المبادئ القانونية الراقية ينفذها قضاة مستنيرون. واحتفظ الدين الإسلامي، وهو أقل غموضا في عقائده من الدين المسيحي، بشعائرهِ أبسط، وأنقى، وأقل اعتمادا على المظاهر المسرحية من الدين المسيحي، وأقل منه قبولاً لنزعة الإنسان الغريزية نحو الشرك. وهو شبيه بالمذهب البروتستنتي في احتقاره ما يعرضه دين البحر المتوسط من عون للخيال والحواس وما يطلقه لهما من عِنَان... وقد ظل هذا الدين بعيدا كل البعد تقريبا عن النظم الكهنوتية، ولكنه قُيِّد في الوقت الذي كانت فيه المسيحية مقبلة على أخصب عصور الفلسفة الكاثوليكية.

 

ويكاد تأثير العالم المسيحي في الإسلام يكون مقصورا على بعض المظاهر الدينية وعلى الحرب. فأما من حيث المظاهر الدينية فأكبر الظن أن التصوف قد جاء إلى العالم الإسلامي من نماذج مسيحية، ومن الرهبنة وعبادة القديسين. ولقد تأثرت النفس الإسلامية بقصة عيسى وشخصيته وظهرت في الشعر والفن الإسلاميين، وكانت فيهما موضع العطف الكبير. أما العالم الإسلامي فقد كان له في العالم المسيحي أثر بالغ مختلف الأنواع. لقد تلقت أوربا من بلاد الإسلام الطعام، والشراب، والعقاقير، والأدوية، والأسلحة، وشارات الدروع ونقوشها، والدوافع الفنية، والتحف، والمصنوعات، والسلع التجارية، وكثيرا من الصناعات، والتشريعات والأساليب البحرية. وكثيرا ما أخذت عن المسلمين أسماء هذه كلها: Orange. Lemon, Sugar, Syrup, Sherbet Julep. elixir, Jar Azure, arabesque, Mattress. Sofa Muslin, satin, Fustian, bazaar, Caravan, Check Mate, Tariff, douane, magazine, Risk. sloop Barge. cable, Admiral. ويقابل هذه في العربية: البرتقال، والليمون، والسكر، والشراب، والشربات، والجُلاَّب، والإكسير، والإبريق، والأوراق، والنقش العربي، والحشية - المَرْتَبَه mattress (واللفظ الإنجليزي مشتق من "المطرح") والأريكة sofa (اللفظ الإنجليزي مشتق من الصُّفّة)، والموصلين، والساتان، والفستان والسوق، والقافلة، والشاه مات، والتعريفة، وحركة المرور، والديوان، والمخزن، والخطر، والقلوب بنوعيه، والحبل، وأمير البحار (وبعض هذه الألفاظ مأخوذة عن الفارسية مثل Bazaar، وبعضها الآخر عن العربية).

 

وقد جاءت لعبة الشطرنج إلى أوربا من الهند عن طريق بلاد الفرس، واتخذت لها في طريقها أسماء فارسية وعربية، فلفظ "Check Mate" مثلاً مأخوذ من عبارة "الشاه مات". وبعض آلاتنا الموسيقية تحمل بين طيات أسمائها أدلة على أصولها السامية، ومن هذه الألفاظ "Lute" من "العود"، و"Rebeck" من الربابة، و"Guitar" من "القيثارة"، و"tambourine" من "الطنبور". وقد انتقل شعر شعراء الفروسية الغزليون (Troubadours) وموسيقاهم من بلاد الأندلس إلى بروفانس (Provence) في فرنسا، ومن صقلية المسلمة إلى إيطاليا. ولعل الأوصاف العربية للرحلات إلى الجنة والجحيم كان لها نصيب من المسلاة الإلهية (The Divine Comedy) لدانتي.

 

وقد دخلت القصص الخرافية، والأعداد الهندية إلى أوربا في زيها العربي أو صورتها العربية. والعلماء العرب هم الذين احتفظوا بما كان عند اليونان من علوم الرياضة، والطبيعة، والكيمياء، والفلك، والطب، وارْتَقَوْا بها، ونقلوا هذا التراث اليوناني بعد أن أضافوا إليه من عندهم ثروة عظيمة جديدة إلى أوربا. ولا تزال المصطلحات العلمية العربية تملأ اللغات الأوربية. ونذكر منها على سبيل المثال "Algebra" للجبر، و"Zero" و"Cipher" للصفر، و"Azimuth" للسُّمُوت، و"Alembic" للأنبيق، و"Zenith" للسمت، و"Almanac" للتقويم، وهي مشتقة من لفظ "المناخ". وظل أطباء العرب يحملون لواء الطب في العالم خمسمائة عام كاملة، وفلاسفة العرب هم الذين احتفظوا لأوربا بمؤلفات أرسطو وشرحوا لها هذه المؤلفات. وكان ابن سينا وابن رشد نجمين لاحا من الشرق للفلاسفة المدرسيين الذين كانوا ينقلون عنهما، ويعتمدون على كتبهما، ويثقون بهما ثقة لا تزيد عليها إلا ثقتهم بالنصوص اليونانية.

 

والقباب المضلعة أقدم في بلاد المسلمين منها في أوربا، وإن لم يكن في مقدورنا أن نتتبع الطريق الذي وصلت منه إلى الفن القوطي. وأبراج الكنائس المسيحية المستدقة، وأبراج نواقيسها مدينة بالشيء الكثير إلى مآذن المساجد. ولعل زخارف النوافذ القوطية المقطعة المصنوعة من الحجارة قد أوحت بها بوائك برج الخِرَلْدَة ذات الأقواس المقترنة. ويُعْزَى انتعاش فن الخزف الرفيع في إيطاليا وفرنسا إلى انتقال صناع الخزف المسلمين في القرن الثاني عشر إلى هذين البلدين، وإلى زيارة صناع الإيطاليين إلى بلاد الأندلس الإسلامية. ولقد أخذ صناع الحديد والزجاج في البندقية، ومجلدو الكتب في إيطاليا، وصانعوا الدروع والسلاح في أسبانيا، أخذ كل هؤلاء فنونهم عن الصناع المسلمين. وكان النساجون في جميع أنحاء أوربا تقريبا يتطلعون إلى بلاد الإسلام ليأخذوا منها النماذج والرسوم. وحتى الحدائق نفسها قد تأثرت إلى حد بعيد بالحدائق الفارسية.

 

وسنشرح فيما بعد بالتفصيل السبل التي جاء منها هذا التأثير الإسلامي إلى بلاد الغرب، غير أننا نقول هنا بإيجاز إنه قد جاء عن طريق التجارة، والحروب الصليبية، وعن آلاف الكتب التي تُرْجِمَتْ من اللغة العربية إلى اللاتينية، وعن الزيارات التي قام بها العلماء أمثال جربرت (Gerbert)، وميخائيل أسكت (Michael Scot) وأدلارد (Adelard) من أهل باث (Bath) إلى الأندلس الإسلامية، ومن الشبان المسيحيين الذين أرسلهم آباؤهم الأسبان إلى بلاط الأمراء المسلمين ليُرَبَّوْا فيها ويتعلموا الفروسية. ذلك أن بعض الأشراف المسلمين كانوا يُعَدُّون: "فرسانا وسادة مهذبين كاملين، وإن كانوا مسلمين"، ومن الاتصال الدائم بين المسيحيين والمسلمين في بلاد الشام، ومصر، وصقلية، وأسبانيا. وكان كل تقدم للمسيحيين في أسبانيا تتبعه موجة من آداب المسلمين وعلومهم وفلسفتهم وفنونهم تنتقل إلى البلاد المسيحية. وحسبنا أن نذكر على سبيل المثال أن استيلاء المسيحيين على طليطلة في عام 1085 قد زاد معلومات المسيحيين الفلكية، وأبقى على الاعتقاد بكروية الأرض.

 

ولكن نار الحقد لم تطفئ لظاها هذه الاستدانةُ العلمية. ذلك ألاّ شيءَ بعد الخبز أعزُّ على بني الإنسان من عقائدهم الدينية، لأن الإنسان لا يحيا بالخبز وحده، بل يحيا معه بالإيمان الذي يبعث في قلبه الأمل. ومن أجل هذا فإن قلب الإنسان يتلظى غيظا على من يهدده في قُوتَه أو عقيدته. ولقد ظل المسيحيون ثلاثة قرون يشهدون زحف المسلمين، ويبصرونهم يستولون على قطر مسيحي في إثر قطر، ويمتصون شعبا مسيحيا بعد شعب، وكانوا يحسون بأيدي المسلمين القوية تقبض على التجارة المسيحية، ويستمعون إليهم وهم يسمون المسيحيين: "كفرة"، وأمست المعركة المرتقبة في آخر الأمر معركة حقيقية، فاصطدمت الحضارتان في الحروب الصليبية، وقَتَل خَيْرُ ما في الشرق أو الغرب خَيْرَ ما في الغرب أو الشرق، وكان هذا العداء المتبادل عاملاً فعّالاً في تاريخ العصور الوسطى كله، مضافا إليه دين ثالث هو الدين اليهودي قائما بين الطائفتين المتحاربتين الرئيسيتين يتلقى ضربات كلتيهما.

 

وخسر الغرب الحروب الصليبية، ولكنه ربح معركة الأديان. فقد طُرِد كل مسيحي محارب من الأرض المقدسة، ولكن المسلمين، وقد استنزف النصر البطيء دماءهم، وخرّب المغول بلادهم، مرت بهم فترة من العصور المظلمة ساد فيها الجهل والفقر، على حين أن الغرب المنهزم قد أنضجه ما بذل من جهود، فنسي هزائمه، وأخذ عن أعدائه التعطش إلى العلم والولع بالرقي. فأقام الكنائس عالية تناطح السحاب، وأخذ يجوب ميادين العقل، وحوّل لغاته الفجة الجديدة إلى أساليب دانتي وتشوسر (Chaucer) وفيلون (Villon)، وسار تحدوه العزة إلى النهضة.

 

وبعد، فإن القارئ العادي ستعتريه الدهشة من طول هذه الإلمامة بحضارة المسلمين، وسيأسف الباحث لما يجده فيها من إيجاز غير خليق بها. إن عصور التاريخ الذهبية دون غيرها هي التي أنجب فيها المجتمع، في مثل هذا الزمن القصير، ذلك العدد الجم من الرجال الذين ذاع صيتهم في الحكم، والتعليم، والآداب، واللغة، والجغرافية، والتاريخ، والرياضة. والفلك، والكيمياء، والفلسفة، والطب كما أنجب الإسلام في الأربعة القرون الفاصلة بين هارون الرشيد وابن رشد. وقد استمد بعضُ هذا النشاط المتلألئ مادّتَه من تراث اليونان، ولكن الكثير منه، وبخاصة في الحُكم، والشعر، والفن كان نشاطا مبتكرا لا تقدَّر قيمته.

 

ولقد كانت هذه الذروة من نهضة الإسلام من بعض نواحيها تحريرا للشرق الأدنى من سيطرة اليونان العلمية. ولم تمتد إلى فارس الساسانية والأكيمينية (Achaemenid) فحسب، بل امتدت كذلك إلى بلاد اليهود وبلاد سليمان، وإلى أشور بلاد أشور هانيبال، وإلى بابل حمورابي (Hammurabi)، وأكاد سرجون (Sargon)، وسومر بلد الملوك الذين لا تعرف أسماؤهم. وهكذا يَثْبُت مرة أخرى اتصالُ حلقات التاريخ بعضها ببعض: ذلك أن الأسس الجوهرية في الحضارة لا تضيع أبدا مهما حل بها من زلازل وأوبئة، وجدب، وهجرات مدمرة، وحروب مخربة مهلكة. بل إن ثقافات فنية تمد أيديها إلى هذه الأسس فتنتشلها من هذا اللهب، وتمد حياتها بالتقليد والمحاكاة، ثم بالخلق والابتكار حتى ينبعث في الشعب الناشئ شباب جديد وروح وثابة جديدة. وكما أن الناس أعضاء في مجتمع، والأجيال لحظات في تسلسل الأُسَر، فإن الحضارات وحدات في كُلٍّ أكبرَ منها وأعظمَ اسمُه التاريخ، فهي مراحل في حياة الإنسانية.

 

إن الحضارة متعددة الأصول، وهي نتاجٌ تعاونيٌّ لكثير من الشعوب والطبقات والأديان. وليس في وسع من يدرس تاريخها أن يتعصب لشعب أو لعقيدة. ومن أجل هذا فإن العالـِم، وإن كان مواطنا في بلدهِ يحبه لما يربطه من صلات وثيقة، يحس أيضا بأنه مواطن في بلد العقل، الذي لا يعرف عداوات ولا حدودا. وهو لا يكاد يكون خليقا باسمه إذا ما حمل معه في أثناء دراسته أهواء سياسية، أو نزعات عنصرية، أو عداوات دينية. وهو يقدم لكل شعبٍ حَمَل مشعل الحضارة وأغنى تراثها شُكْره وإجلاله" (من كتاب "قصة الحضارة" لديورانت/ ترجمة محمد بدران/ عصر الإيمان/ المجلد الرابع/ الكتاب الثانى/ الباب الرابع عشر: "عـظـمــة المســـلمين واضـمـحـــلالـهم"/ الفصل العاشر: "الإسلام والعالم المسيحى"). والآن إلى الأصل الإنجليزى لهذا الكلام:

 

"The rise and decline of Islamic civilization is one of the major phenomena of history. For five centuries, from 700 to 1200, Islam led the world in power, order, and extent of government, in refinement of manners, in standards of living, in humane legislation and religious toleration, in literature, scholarship, science, medicine, and philosophy. In architecture it yielded the palm, in the twelfth century, to the cathedrals of Europe; and Gothic sculpture found no rival in inhibited Islam. Moslem art exhausted itself in decoration, and suffered from narrowness of range and monotony of style; but within its self-imposed limits it has never been surpassed. In Islam art and culture were more widely shared than in medieval Christendom; kings were calligraphers, and merchants, like physicians, might be philosophers…

 

The Moslems seem to have been better gentlemen than their Christian peers; they kept their word more frequently, showed more mercy to the defeated, and were seldom guilty of such brutality as marked the Christian capture of Jerusalem in 1099. Christian law continued to use ordeal by battle, water, or fire while Moslem law was developing an advanced jurisprudence and an enlightened judiciary. The Mohammedan religion, ism than the Christian, kept its creed and ritual simpler and purer, less dramatic and colorful, than the Christian, and made less concession to the natural polytheism of mankind. It resembled Protestantism in scorning the aid and play that Mediterranean religion offered to the imagination and the senses; but it bowed to popular sensualism in its picture of paradise. It kept itself almost free from sacerdotalism, but fell into a narrow and dulling orthodoxy just when Christianity was entering into the most exuberant period of Catholic philosophy.

 

The influence of Christendom on Islam was almost limited to religion and war. Probably from Christian exemplars came Mohammedan mysticism, monasticism, and the worship of the saints. The figure ouched the Moslem soul, and appeared sympathetically in Moslem poetry and art. The influence of Islam upon Christendom was varied and immense. From Islam Christian Europe received foods, drinks, drugs, medicaments, armor, heraldry, art motives and tastes, industrial and commercial articles and techniques, maritime codes and ways, and often the words for these things- orange, lemon, sugar, syrup, sherbet, julep, elixir, jar, azure, arabesque, mattress, sofa, muslin, satin, fustian, bazaar, caravan, check, tariff, traffic, douane, magazine, risk, sloop, barge, cable, admiral. The game of chess came to Europe from India via Islam, and picked up Persian terms on the way; checkmate is from the Persian shah mat - "the king is dead." Some of our musical instruments bear in their names evidence of their Semitic origin- lute, rebeck, guitar, tambourine. The poetry and music of the troubadours came from Moslem Spain into Provence, and from Moslem Sicily into Italy; and Arabic descriptions of trips to heaven and hell may have shared in forming The Divine Comedy. Hindu fables and numerals entered Europe in Arabic dress or form.

 

Moslem science preserved and developed Greek mathematics, physics, chemistry, astronomy, and medicine, and transmitted this Greek heritage, considerably enriched, to Europe; and Arabic scientific terms- algebra, zero, cipher, azimuth, alembic, zenith, almanac -still lie imbedded in European speech. Moslem medicine led the world for half a millennium. Moslem philosophy preserved and corrupted Aristotle for Christian Europe. Avicenna and Averroes were lights from the East for the Schoolmen, who cited them as next to the Greeks in authority.

 

The ribbed vault is older in Islam than in Europe, though we cannot trace the route by which it came into Gothic art. Christian spire and belfry owed much to the minaret, and perhaps Gothic window tracery took a lead from the cusped arcading of the Giralda tower. The rejuvenation of the ceramic art in Italy and France has been attributed to the importation of Moslem potters in the twelfth century, and to the visits of Italian potters to Moslem Spain. Venetian workers in metal and glass, Italian bookbinders, Spanish armorers, learned their techniques from Moslem artisans; and almost everywhere in Europe weavers looked to Islam for models and designs. Even gardens received a Persian influence.

 

We shall see later by what avenues these influences came: through commerce and the Crusades; through a thousand translations from Arabic into Latin; through the visits of scholars like Gerbert, Michael Scot, and Adelard of Bath to Moslem Spain; through the sending of Christian youths by their Spanish parents to Moslem courts to receive a knightly education- for the Moslem aristocrats were accounted "knights and gentlemen, albeit Moors"; through the daily contact of Christians with Moslems in Syria, Egypt, Sicily, and Spain. Every advance of the Christians in Spain admitted a wave of Islamic literature, science, philosophy, and art into Christendom. So the capture of Toledo in 1085 immensely furthered Christian knowledge of astronomy, and kept alive the doctrine of the sphericity of the earth. Behind this borrowing smoldered an undying hate. Nothing, save bread, is so precious to mankind as its religious beliefs; for man lives not by bread alone, but also by the faith that lets him hope. Therefore his deepest hatred greets those who challenge his sustenance or his creed. For three centuries Christianity saw Islam advance, saw it capture and absorb one Christian land and people after another, felt its constricting hand upon Christian trade, and heard it call Christians infidels. At last the potential conflict became actual: the rival civilizations clashed in the Crusades; and the best of the East or West slew the best of the West or East. Back of all medieval history lay this mutual hostility, with a third faith, the Jewish, caught between the main combatants, and cut by both swords.

 

The West lost the Crusades, but won the war of creeds. Every Christian warrior was expelled from the Holy Land of Judaism and Christianity; but Islam, bled by its tardy victory, and ravaged by Mongols, fell in turn into a Dark Age of obscurantism and poverty; while the beaten West, matured by its effort and forgetting its defeat, learned avidly from its enemy, lifted cathedrals into the sky, wandered out on the high seas of reason, transformed its crude new languages into Dante, Chaucer, and Villon, and moved with high spirit into the Renaissance.

 

The general reader will marvel at the length of this survey of Islamic civilization, and the scholar will mourn its inadequate brevity. Only at the peaks of history has a society produced, in an equal period, so many illustrious men- in government, education, literature, philology, geography, history, mathematics, astronomy, chemistry, philosophy, and medicine- as Islam in the four centuries between Harun al-Rashid and Averroes. Part of this brilliant activity fed on Greek leavings; but much of it, above all in statesmanship, poetry, and art, was original and invaluable. In one sense this zenith of Islam was a recovery of the Near East from Greek domination; it reached back not only to Sasanian and Achaemenid Persia, but to the Judea of Solomon, the Assyria of Ashurbanipal, the Babylonia of Hammurabi, the Akkad of Sargon, the Sumeria of unknown kings. So the continuity of history reasserts itself: despite earthquakes, epidemics, famines, eruptive migrations, and catastrophic wars, the essential processes of civilization are not lost; some younger culture takes them up, snatches them from the conflagration, carries them on imitatively, then creatively, until fresh youth and spirit can enter the race.

 

As men are members of one another, and generations are moments in a family line, so civilizations are units in a larger whole whose name is history; they are stages in the life of man. Civilization is polygenetic- it is the co-operative product of many peoples, ranks, and faiths; and no one who studies its history can be a bigot of race or creed. Therefore the scholar, though he belongs to his country through affectionate kinship, feels himself also a citizen of that Country of the Mind which knows no hatreds and no frontiers; he hardly deserves his name if he carries into his study political prejudices, or racial discriminations, or religious animosities; and he accords his grateful homage to any people that has borne the torch and enriched his heritage".


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : إبراهيم عوض

أستاذ جامعى   / , مصر


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق