أضيف في 29 أبريل 2017 الساعة 12:12

تونس والأناركية البدائية


عبد القادر معيوف

شهدت تونس خلال السنوات القليلة الماضية تراجعا إقتصاديا ملاحظا ألقى بضلاله على الحالة العامة الإجتماعية والسياسية التي من شأنها أن تؤثر على المناخ العام و سيرهذه الديموقراطية الوليدة : فقد تطور الدين العام من 40 بالمئة (من الإنتاج القومي الخام) في 2010 إلى 62 بالمئة في أواخر 2016 ، وتواصل إرتفاع نسبة البطالة في العموم ليصل حدود 16 بالمئة (حسب الأرقام الرسمية) ويفوق 32 بالمئة لدى حملة الشهائد العليا ، وتراجعت الصادرات بنسبة حوالي 17 بالمئة بين سنتي 2010 و2016، وتواصل إرتفاع الواردات بنسق غير مسبوق وبنسبة فاقت 50 بالمئة لنفس الفترة، وتواصل إرتفاع مؤشر الأسعار بنسبة سنوية فاقت 5 بالمئة في وقت يعيش فيه العالم المتقدم نسب سلبية ! و تواصل إنهيار الدينار وتراجعه أمام العملات الرئيسية ليصل سعرصرف اليورو إلى 2,7 دينار (1,9 في ديسمبر 2010) وليصل سعر صرف الدولار إلى 2,5 دينار (1,4 في دسيمبر 2010) في أفريل من السنة الحالية.

ولقد عرفت تونس الثورة تعاقبا لأكثر من 7 حكومات في فترة لا تتجاوز 6 سنوات كان لها آثار سلبية واضحة في كل المجالات إلى درجة تغييب مفاهيم أساسية كثيرة كمفهوم الدولة ومفهوم المنوال الإقتصادي عل سبيل المثال ، وتحولت تونس تدريجيا نحو نوع خاص من الفوضى الإقتصادية والسياسية والإجتماعية ، وتحولت مؤسسات المجتمع المدني إلى منابر لهذه الفوضى وإنتصرت عقلية المجادلة والمطالبة على عقلية العمل والإنتاج ، وسيطرت الأوليغارشية المالية على الحياة السياسية لتهمش المطالب الإجتماعية الحقيقة وتحول مفهوم المواطنة إلى مجرد سوق إستهلاكية ذات قدرة شرائية محدودة ومتراجعة ، وصار التداين والتداين الحل السهل الذي تلجأ له الحكومات دون تفكير للعواقب ودون الجرأة الحقيقة لتحمل المسؤولية ، فتفكير الأحزاب صار يتمحور حول الإنتخابات القادمة والإنتخابات التي تليها لتضيع تماما بوصلة الوطن. وفي هذا السياق يكفي التنويه بما تعلنه الحكومات المتتالية على أن معظم المشاريع التنموية التي قررتها سابقاتها من الحكومات لم تكن إلا حبرا على ورق كان الهدف منها مص الإحتقان الشعبي. وصحيح أن اللاوعي صار المحرك العام ولكن لو لم يجد هذا اللاوعي المناخ المناسب لما كان لينتشر شأنه في ذلك كمعظم المشاكل الأخرى كالتعصب والتطرف والإرهاب.

وأمام هذا المشهد وإثبات الحكومات عن عجزها و عدم حياديتها ، إنتشرت الأناركية في صورتها البدائية وفي أسوأ صورها إنتشار النار في الهشيم ، لتسيطر على فكر فئات كثيرة من أبناء الشعب وبدرجة خاصة الشباب المهمش والذي فقد الثقة تماما ليس فقط في الدولة بل في كل النخب السياسية وهو ما تجلى في رفضه للحياة السياسية وعدم إقباله على صناديق الإقتراع. وتحولت بعض المناطق إلى محاولات لتأسيس بعض الكومونات(communes) الصغيرة بغية الحصول على مطالب مشروعة توالت الحكومات ومعظم الأحزاب في المماطلة والهروب منها، وهذا ما حصل في جمنة وفي بعض مناطق الحوض المنجمي وهو ما يحصل تماما اليوم في تطاوين والجنوب التونسي.

ولنكن صادقين ، لقد نجحت الثورة في تغيير الصورة العامة بإرساء مناخ عام للحريات ،ولكن إقتصاديا وإجتماعيا تحولت إلى فشل تام ، فلم تستفد أغلبية الشعب أبدا منها، بل العكس إنهارت الحالة العامة وإنهارت القدرة الشرائية ليس هذا فقط بل وصل الأمر إلى إنهيار أخلاقي ونمو للتعصب والتطرف والإنتهازية في شعب طالما تغنى بوسطيته وإنفتاحه.

وإذا ما تطرقنا سياسيا إلى الوضع العام فسنكتشف أن النظام الحقيقي للدولة لم يتغير إلا شكلا، فلا يزال النظام المركزي هو المسيطر ولا تزال الأحزاب السياسية على إختلافها ترفض حتى الغوص في تغيير هذا النمط والتفكير في إنشاء نظام سياسي جديد يكون مبنيا على لامركزية القرار ومنح الجهات هامشا من الحرية السياسية والإقتصادية والإدارية مع أن تحافظ الدولة على مسؤولياتها السيادية كالأمن والصحة والتعليم بإعتبارها تمس كل فئات الشعب وكل المناطق على حد سواء. وفي الأثناء تقوم إدارة جهوية جديدة (بمجالس منتخبة) تكون مسؤولة مباشرة على مطالب المواطن وتكتفي الدولة بدور الوسيط بين الجهات الذي ينظم الحياة العامة. ولا يمكن لمثل هذا النظام إلا مع 4 شروط أساسيا : أولا أن يترك الإعداد لمثل هذه البرامج لخبراء (أي بعيدا عن المزايدات السياسية) ، ثانيا أن يكون مبنيا على قاعدة التدرج ، ثالثا أن تقوم وسائل الإعلام بدورها في تقديم وإيضاح كل ما يتعلق بهذا البرنامج ، ورابعا وأخيرا أن يقع التصويت على هذا البرنامج عبر إقتراع مباشر (إستفتاء) يشارك فيه كل أبناء الشعب وأن لا يترك لعبة في يد البرلمانيين وتسوياتهم السياسية,

وفي غياب مثل هذه التوجهات ، لا أتصور أن أي حكومة في تونس ستكون قادرة فعلا على حل المشاكل الأساسية وإرساء نظام سياسي قادر على قيادة البلد ل20 أو حتى 50 سنة القادمة. وإني لمتأكد أن مثل هذه الدعوات ستواجه بسيل من النقد والهجوم ، ولكن يكفي أن أذكر أن مبدأ لامركزية القرار ليس مبدءا جديدا ، وهو مبدأ مطبقه معظم الدول المتقدمة وأذكر منها سويسرا (لمن يراهن على الصغر الجغرافي و الديموغرافي لتونس) وآن الاوان أن يدخل إلى العالم العربي عبر بوابة تونس أم الديموقراطية العربية.

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : عبد القادر معيوف

, تونس


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق