أضيف في 28 أبريل 2017 الساعة 19:01

ديمقراطية موازين


رشيد اليملولي

ديمقراطية موازين .

تطل علينا التلفزة المغربية بقنواتها المعهودة ، بوصلة إشهارية مفادها تنظيم مهرجان موازين برقم 2,6 مليون مشاهد ، و تمعن هذه الوصلة في تقديم هذا الرقم و تؤكد عليه ، و نعلم جيدا أن هذا الإصرار يبتغي ترسيخ الفكرة ، وفرض سياسة الأمر الواقع ، و كأن الأمر يخص خطابا يستهدف تقويض و تفنيذ الرأي المعارض و دحضه ، و يهدف التأكيد على أحقية شرائح معينة في الاختلاف و التمتع بالأصوات و الموازين الموسيقية الثاوية خلفها ، فهل يحتكم منظموا هذا المهرجان إلى ميزان وإيقاع موسيقي في تبرير الاستمرار في هذه التظاهرة ؟ ، أم أن الأمر مكفول إلى ميزان و رمزية العدل في الاختلاف من خلال الإصرار و الإلحاح و الصمود الذي عبرت عنه " الأقلية " المناصرة لهذا المهرجان ؟ .

و هل لعلاقة موازين ( الإيقاعات ) علاقة بالمرجعية الكبرى للميزان باعتباره رمزا للعدل ؟ ، بمعنى العدل الدال على فلسفة معينة في بث فقرات هذا البرنامج .

تبدو صعوبة الإجابة بادية للعيان ، خاصة و أن الافتقار إلى معطيات دقيقة حول هوية المهرجان و مرجعيته الفلسفية ، و روافده المالية ، و الرقابة الإدارية و المالية ، و غيرها ممن يدخل في فلسفة الدولة ، و دور أجهزتها الرقابية ( البرلمان ـ المجلس الأعلى للحسابات ) ، غير أن هذه الصعوبة لا تحجب إمكانية تفكيك إواليات اشتغال منطق موازين في تمرير و تسويق خطابه ؛ و أولى علامات هذا التفكيك تنبع من الغاية الكامنة وراء تنظيم هذا البرنامج ، بمعنى تحديد طبيعة الفكرة و مقومات وجودها ، سواء تعلق الأمر بإتاحة الفرصة أمام الفن المغربي للمنافسة ، و الاستفادة من التجارب الأخرى ، و في هذا المستوى يبقى التباين الصارخ واضحا بين الصورة التجارية للفنان المغربي و نظيره العربي أو الأجنبي ، في قيمة و نوعية التسويق و الإشهار ، أي إدامة التباين و التبعية بإيعاز من الهاجس التجاري ، و جني الأموال المتعلقة به ، الأكثر من هذا أن الصورة النمطية عن الفن المغربي لا تتحرك قيد أنملة ، بقدر ما يتم ترسيخها ، باعتبارها " ثقافة " ذيلية تتغذى على الشطح و الردح و " سرقة " الموضات الفنية ، دون الحفرالعميق في تراث و ثقافة الفن المغربي . في هذا السياق مهرجان موازين يعد خطوة إلى الوراء في الدفاع عن الثقافة و الفن المغربيين ، و محاولة جادة لإعادة تسويق تكراريته ، لدرجة تدفعنا إلى الاعتقاد أن الصور الفنية الوطني قد تشكل عبئا ثقيلا على منظمي هذا المهرجان .

بالمقابل ؛ قد يكون الدافع نحو تنظيم موازين فلسفة فنية من وراءها رغبة ملحة نحو الانفتاح ، و التشبع برصيد التنوع ، و إقامة جسور التواصل ، في أفق إنتاج قيم فنية عالمية بوساطتها يمكن الدفاع عن الأحقية في بناء الثقافة الفنية العالمية ، و تزمير تعدديتها و انسيابيتها ، و إيجاد كل ما من شأنه أن يجسر الهوة ، و يحطم أوثان و عبدة الحرب و التطرف ، و إن كان من معنى في هذا المستوى ، فهو معنى إنساني هادف و نبيل شريطة أن لا يتم تقعيد فلسفته على حساب الموروث الوطني و الرصيد المحلي جهويا كان أو إقليميا ، هذا المبدأ يحيل على الاختلاف و الديمقراطية ، التي تقتضي بأن أنصار المهرجان كتلة لها حقها الطبيعي في التواجد بالشكل الذي تراه مناسبا ، و مهرجان موازين نافذتها و معبرها نحو الأفق الذي ينسجم و تعبيرها الأرقى .

اللافت أن التجاوب المعبر عنه دلاليا في صورة العدد الذي تابع المهرجان ، يعكس وجود شريحة مهمة تتابع هذا المهرجان ، و بغض النظر عن القيمة النقدية و الشك المنهجي في مثل الأرقام الرسمية ، فإن الصيغة العددية المشار إليها ، لا تعني تمتع المهرجان بقابلية اجتماعية تمس مختلف الشرائح و الفئات ، و من ثم فهو لا يعبر عن مرجعية فنية ، و إن تواجدت بعض الأسماء المعبرة عن هذا الصنف من الذوق ، و هنا يتحول الشك من الرقم ، إلى الأسلوب الديمقراطي في فرضه و تمتيعه بالامتيازات الإعلامية و المالية و ما إلى ذلك من أنواع الدعم الرسمي و الرمزي و المادي ، و من ثم في تقويمه و خدمته للذوق الوطني ، و المسائلة هنا قد لا تخص الموارد المالية و طبيعتها و مرجعيتها ، و إنما الأساس الاجتماعي و الثقافي في تقبل المهرجان أو رفضه ، و مدى انسجامه و تجاوبه مع الطموحات الفنية المعبرة عن غنى و تنوع الموروث المغربي ، خاصة إذا تبث أن فاتورة المهرجان من تأدية جميع المغاربة عن طريق الضرائب ، و هنا يزداد الإلحاح على ضرورة المهرجان من عدمها ، و الأولوية التنموية التي تفرضها حالة المغرب ، أي سلم الأولويات و ترتيبها و قيمة حضور هذه البرامج في التنمية الوطنية ، و معنى حضوره القوي في ظل عدم أولويته .

إلا أن كل الأمر مرهون بالموازين و الميزان و الفلسفة التي تؤطرهما من داخل رفض المهرجان ، وقبوله أو رفضه عن مضض أو طيب خاطر .

يرمز الميزان للعدل و ترمز موازين للإيقاعات المتنوعة التي تخدم الفن و الذوق ، و ترقى به نحو سماوات الخلق ، و تحطيم اليأس و الحزن ، و إنتاج نفس بشرية تتعالى على الانتماءات الضيقة ، و تحب الفن لضرورته التربوية و الفلسفية ، و قيمه الروحية و المادية معا .

يقاس الفن بخاصيته الإبداعية الهادفة على مستوى الوعي و تربية الذوق ، و انسجاما مع الطابع الترفيهي ، أي أن يتوازى في قيمه الفنية و متطلباته الاجتماعية ، و أن يضمن الحد الأدنى من نظام قيم ذات طابع دال و موحي ، عوض أن يتحول إلى سوق لإنتاج الأنغام و الأجساد و الدلالات المرتبطة بهما ، و ذلك بأن يتخفى وراء الأقنعة التي سرعان ما تزول أمام التقييم و التقويم الفني الهادف ، و تسهم بإرادة في تسليع الذوق و تتجيره ، و إشاعة ثقافة اللذة في بعدها الشبقي الحاد ، و بناء سبل الترقي الاجتماعي السريع عن طريق الصور التي تقدمها النماذج الفنية المستوحاة من المهرجان ، أي أن فلسفة موازين تتباين مع فلسفة العدل الفني ، بإتاحة الفرصة للمنتوج المحلي ، بمنحه هامش التطوير و التأطير انسجاما مع التنمية المراد ترسيخها ، و التي لا ترى فيه مناسبة لتفريغ المكبوث و قضاء الحاجة و الوطر ، بدعوى تحويل المغرب إلى بؤرة للتواصل الحضاري فنيا سواء عبر موازين أو حفل التسامح بأكادير ، لذلك ليس مهرجان موازين مهرجانا للفن بغرض الفن و الإبداع ، بقدر ما هو فن من أجل فرض ديمقراطية التنوع خارج ثقافة التنوع الفني و الحوار الثقافي ، و المطلب الاجتماعي الداخلي ، الذي يبقى في حاجة ماسة إلى مهرجان لذاته ، في ظل العوز و الفراغ القيمي المرتبط بالانتماء ، و الحق في بناء الذات وفق سلم تنمية قائم على قاعدة علمية و فنية دالة ( لا حاجة للتذكير بالمساحة الإعلانية المخصصة للمهرجان و المبالغ فيها ، و بين المعرض الدولي للكتاب مثلا ، أو الأيام الوطنية الداعمة لثقافة الانتماء و الإبداع ) ، دون تجاهل تجاهله للانتماءات الاجتماعية الفنية المحلية ، التي يتم وأدها في كل لحظة و حين ، فديمقراطية موازين ليست إلا قناعا لديكتاتورية تجارية تعمل في الخفاء من أجل نظام قيم استهلاكية ، تؤبد الموت الثقافي و التراث الوطني .

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق